في خطوة وصفت بالتاريخية وبالرمزية البالغة، أعلن الديوان الملكي عن قرار جلالة الملك محمد السادس جعل يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا تحت اسم “عيد الوحدة”، في إشارة واضحة إلى التحول العميق الذي تعرفه قضية الصحراء المغربية بعد صدور القرار الأممي رقم 2797/2025، ويأتي هذا الإعلان الملكي في لحظة فارقة من مسار ترسيخ الوحدة الترابية للمملكة، إذ يجسد الربط بين ما تحقق في القرن العشرين عبر ملحمة المسيرة الخضراء، وما راكمه المغرب من انتصارات سياسية ودبلوماسية كبرى في القرن الحادي والعشرين.
وهذا القرار الملكي، بما يحمله من دلالات رمزية وسيادية، يفتح أيضا باب التساؤل حول أبعاده الاستراتيجية على المستويين الداخلي والخارجي، والكيفية التي يمكن من خلالها قراءة “عيد الوحدة” كإعادة تعريف لمفهوم الوطنية المغربية في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية، وإن كان يعكس هذا العيد الجديد انتقال المغرب من مرحلة الدفاع إلى مرحلة تثبيت المكتسبات في قضية الصحراء، وحول الكيفية التي سيسهم من خلال هذا التحول الرمزي في تعزيز حضور المغرب داخل الأمم المتحدة وإفريقيا، وفي تكريس صورة الدولة الموحدة الواثقة بموقعها ودورها الاستراتيجي.
الملك يقرر جعل 31 أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا تحت إسم “عيد الوحدة ”
❖ التحول الرمزي
يبرز عبد النبي صبري، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن إقرار جلالة الملك محمد السادس جعل يوم 31 أكتوبر عيدًا وطنيًا تحت اسم “عيد الوحدة”، يعكس تتويجًا لمسار تاريخي بدأ مع المسيرة الخضراء، حين قرر الملك الراحل الحسن الثاني، طيب الله ثراه، إطلاق ملحمة وطنية لتثبيت وحدة المغرب على ترابه.
وقال صبري في تصريح لجريدة “شفاف”، إن اليوم بعد مرور نصف قرن من ذلك الحدث المجيد، جاء القرار الملكي الجديد ليعلن أن المسيرة لم تتوقف، بل استمرت في دروب الزمن إلى أن بلغت لحظة اكتمال رمزية عنوانها “عيد الوحدة”، بما يحمله من دلالات على نهاية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
وأردف أن هذا العيد الوطني الجديد ليس مجرد محطة احتفالية، بل هو تعبير سياسي ودبلوماسي عن تحول بنيوي في مسار القضية الوطنية، موضحًا أن “عيد الوحدة” يقوم على مبدأ أن السيادة لا تتجزأ ولا تتقادم، وأن المغرب مارس سيادته الفعلية على كامل ترابه، بما في ذلك أقاليمه الجنوبية، من خلال الانتخابات المحلية والجهوية والبرلمانية، ومشاريع التنمية الميدانية.
ولفت أستاذ القانون العام والعلوم السياسية، إلى أنه بذلك يكون هذا القرار بمثابة اعتراف واقعي من المنتظم الدولي، بأن الوحدة الترابية للمغرب أصبحت حقيقة راسخة وليست موضوع نزاع أو تفاوض مفتوح.
وأضاف أن هذا التحول سينعكس بالضرورة على السياسات الداخلية والتنموية، بحيث ستصبح الوحدة الترابية قاعدة لتوزيع عادل لثمار النمو بين مختلف الجهات، وإعادة ترسيخ مفهوم المواطنة الترابية المتوازنة.
واستطرد أن هذا القرار الملكي سيجعل المغرب في موقع جديد على الصعيد الدولي؛ بلورةً لرؤية تقوم على “التدبير بالمنجز” بدل “الترافع بالدفاع”، مما يعزز مكانة المملكة كقوة إقليمية مستقرة ومؤثرة في محيط مضطرب.
❖ التحول الأممي
في تعليقه على الانسجام بين القرار الملكي والقرار الأممي 2797، أوضح صبري أن هذا الأخير جاء امتدادًا لقرار مجلس الأمن رقم 2756، الذي اعتبر مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الحل الواقعي والعملي والجاد.
وتابع أستاذ القانون العام والعلوم السياسية، أنه اليوم تجاوز المغرب مرحلة الاقتراح نحو مرحلة الترسيخ الأممي لمبادرة الحكم الذاتي كخيار وحيد على طاولة الأمم المتحدة.
وأشار إلى أن هذا التحول يعكس إدراك المجتمع الدولي بأن نزاع الصحراء لم يعد قضية تصفية استعمار، بل قضية تدبير سيادة مشروعة داخل إطار وطني مكتمل الأركان.
وأبرز أن الأقاليم الجنوبية، تعيش ممارسة كاملة للسيادة المغربية؛ سياسيًا واقتصاديًا وتنمويًا، في حين أن الفئة القليلة المحتجزة في مخيمات تندوف باتت تمثل بُعدًا إنسانيًا أكثر منه سياسيًا، وأن عودتها إلى الوطن الأم باتت مسألة وقت لا أكثر.
واعتبر أن المغرب ما قبل 31 أكتوبر ليس هو نفسه بعد هذا التاريخ، إذ دخلت البلاد مرحلة جديدة عنوانها “التحول من التدبير إلى التغيير”، مشيرًا إلى أن “عيد الوحدة” ليس فقط تتويجًا لمسيرة دبلوماسية ناجحة، بل إعلانًا رسميًا لبداية زمن مغربي جديد، تُطوى فيه صفحة الدفاع لتُفتح صفحة البناء، بما يضمن استدامة النموذج المغربي للوحدة والسيادة والتنمية.
❖ رمزية الاستمرارية
من جانبه، يرى العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، والمدير العام للمجلة الإفريقية للسياسات العامة، أن القرار الملكي بإقرار عيد الوحدة يحمل أكثر من رسالة سياسية، فهو قبل كل شيء توجيه ملكي نحو خلق مناخ للمواكبة والمواءمة بين التوجه الداخلي والاعتراف الدولي المتزايد بمغربية الصحراء.
وأضاف الوردي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا العيد الجديد يجسد لحظة تلاقي بين الدبلوماسية الواقعية للمملكة وبين الإجماع الشعبي على ثوابت الوحدة الوطنية من طنجة إلى الكويرة.
ويربط أستاذ القانون العام؛ “عيد الوحدة” بمفاهيم أعمق تتعلق بالاستمرارية التاريخية للمؤسسة الملكية، التي قادت التحرر في خمسينيات الاستقلال، والوحدة في سبعينيات المسيرة الخضراء، وها هي اليوم تقود مرحلة التمكين في الألفية الثالثة.
ولفت المدير العام للمجلة الإفريقية للسياسات العامة، أن المسيرة التي انطلقت كفعل تعبوي تحولت اليوم إلى مشروع وطني استراتيجي، يكرس نموذجًا مغربيًا خاصًا في الجمع بين الشرعية الدينية والسياسية والتنموية.
تدشين أضخم مركب لصناعة محركات الطائرات.. هل يدخل المغرب عصر السيادة الصناعية؟
واعتبر أن الوحدة الوطنية ليست مجرد شعار، بل مشروع مجتمعي دائم، يقوم على تعبئة جماعية تشمل كل المؤسسات والفاعلين، مضيفا أن “عيد الوحدة” سيعزز هذا الارتباط، إذ يشكل فرصة لترسيخ ثقافة الانتماء والمواطنة الفاعلة، وإذكاء روح المشاركة في حماية المكتسبات.
وأشار إلى أنه من هذا المنطلق، فإن الخطوة الملكية تُعد استمرارًا طبيعيًا لمسار البناء المؤسسي والاقتصادي الذي انخرطت فيه الأقاليم الجنوبية، بفضل مشاريع مهيكلة جعلت من التنمية رافعة لترسيخ السيادة.
❖ الوحدة والدبلوماسية
يؤكد الوردي أن الوحدة الوطنية لم تعد موضوعًا داخليًا صرفًا، بل أصبحت عنصرًا جوهريًا في الدبلوماسية المغربية، مبرزًا أن العيد الوطني الجديد يعكس تحولا في أدوات اشتغال الدولة، من الدفاع إلى تثبيت المكاسب عبر الدبلوماسية الاستباقية والناجعة.
وأردف أن ما سبق يتجلى في الطريقة التي استطاع بها المغرب أن يحشد دعمًا واسعًا داخل مجلس الأمن وخارجه لمقترح الحكم الذاتي، في مقابل عزلة الأطراف الأخرى.
وأشار إلى أن “عيد الوحدة” يرتبط أيضًا بخمسينية المسيرة الخضراء وبمرور 26 سنة على تولي جلالة الملك محمد السادس العرش، ما يرمز إلى مرحلة نضج المشروع الملكي الذي جمع بين الدبلوماسية الهادئة والتنمية الميدانية.
ثورة تنموية مسنودة بانتقال ديمقراطي ونجاح دبلوماسي.. حصيلة 25 عاما من عهد الملك محمد السادس
وشدد المدير العام للمجلة الإفريقية للسياسات العامة، على أن المغرب بات يقدم نموذجًا في إدارة النزاعات الإقليمية عبر الرؤية المتبصرة، والحنكة السياسية، والتمسك بالشرعية الدولية.
ويرى الوردي أن هذا العيد الجديد يمثل تجديدًا للعقد الوطني بين الملك والشعب، يعيد التأكيد على الشعار الخالد “الله، الوطن، الملك”، ويجعل من الوحدة ركيزة للسياسات العمومية والخيارات الاستراتيجية.
ولفت إلى أن المغرب لا يزايد على صحرائه، بل يعيشها كحقيقة يومية تُترجمها التنمية والبناء والتلاحم، في وقت بات فيه المنتظم الدولي يدرك أن “الصحراء في مغربها والمغرب في صحرائه” ليست مقولة سياسية، بل واقعًا جيوسياسيًا راسخًا.

