حقق تنظيم كأس الأمم الإفريقية المغرب 2025 مؤشرات رقمية لافتة أعادت تسليط الضوء على الأثر الاقتصادي للتظاهرات الرياضية الكبرى.
وأظهرت المعطيات الرسمية تسجيل عائدات مهمة، إلى جانب مساهمة ملموسة في تسريع وتيرة تجهيز البنيات التحتية المرتبطة بالاستحقاقات الرياضية المقبلة، خاصة في أفق كأس العالم 2030.
كما رافق هذا الحدث تدفق سياحي ملحوظ وحركية اقتصادية شملت قطاعات النقل والخدمات والسياحة، بالتوازي مع خلق فرص شغل وتعزيز جاذبية المنافسة لدى الرعاة والشركاء التجاريين، كما سجلت الهيئات القارية المنظمة نموا في مداخيلها، ما يعكس اتساع دائرة الاهتمام التجاري والاقتصادي بالبطولة.
غير أن هذه الأرقام، رغم دلالاتها الإيجابية، تفتح نقاش أوسع حول مدى استدامة هذا الأثر الاقتصادي، وقدرة الاقتصاد الوطني على تحويل نتائج ظرفية مرتبطة بحدث رياضي إلى مكاسب تنموية طويلة الأمد، وهو ما يجعل من التقييم الموضوعي لهذه الحصيلة أمرا ضروريا في المرحلة المقبلة.
♦مؤشرات اقتصادية قيد التثمين
أكد رشيد ساري، المحلل اقتصادي، أن تنظيم المغرب لكأس الأمم الإفريقية شكّل مكسبا اقتصاديا واستراتيجيا يتجاوز منطق الحصيلة الظرفية، معتبرا أن الأهم لا يكمن فقط في الأرقام الأولية المحققة، بل في الرسائل العميقة التي بعثها هذا الحدث إلى الخارج بخصوص جاهزية المملكة وقدرتها على استضافة تظاهرات كبرى ذات أبعاد عالمية.
وأبرز المحلل الاقتصادي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المعطيات الأولية المتوفرة تشير إلى ارتفاع ملحوظ في العائدات المرتبطة بالتظاهرة القارية، إذ سجلت نمواً يناهز 90 في المائة مقارنة بمحطات سابقة، مع تقديرات أولية تفوق مليار يورو، مرجحا أن تكون الحصيلة النهائية أعلى من ذلك.
كما لفت المتحدث إلى تسجيل زيادة في حجم المشتريات بنحو 25 في المائة، بالتوازي مع اقتراب عدد السياح من عتبة 20 مليون زائر، وهو ما يعكس دينامية ظرفية إيجابية على مستوى الطلب والاستهلاك.
ورغم هذه المؤشرات، شدد المتحدث على أن تقييم هذه النتائج يجب ألا يظل حبيس المدى القريب، معتبرا أن الاقتصار على قراءة رقمية آنية لا ينسجم مع الطموح الاستراتيجي للمغرب.
وأوضح أن تنظيم كأس إفريقيا لا ينبغي أن يُختزل في نقاش الربح والخسارة المباشرين، لأن الخسارة الرياضية – إن وُجدت – لا تحمل أثرا اقتصاديا ذا وزن، مقابل ما تحققه التظاهرة من تراكمات إيجابية على المدى المتوسط والبعيد.
رسائل الثقة والجاهزية
اعتبر المحلل الاقتصادي أن أول رهان نجح فيه المغرب يتمثل في توجيه رسالة واضحة ومباشرة إلى المجتمع الدولي، مفادها أن المملكة باتت جاهزة، من الآن، لتنظيم كأس العالم 2030.
وحث على أن هذه الرسالة لم تُقدَّم عبر حملات ترويجية افتراضية أو صور مُعالجة، بل عبر إنجازات ملموسة على أرض الواقع، تتجسد في ملاعب وبنيات تحتية أنجزتها مقاولات مغربية، وبسواعد وخبرات وكفاءات وطنية.
وأضاف أن هذا المعطى يكتسي أهمية خاصة، لأنه يعكس تطور النسيج الإنتاجي الوطني وقدرته على إنجاز مشاريع كبرى وفق معايير دولية.
كما أشار إلى أن التغطيات الإعلامية الدولية، والروبورتاجات، وتفاعل الصحفيين الأجانب مع البنية التحتية الرياضية والسياحية، أسهمت في إبراز صورة المغرب كوجهة تتوفر على جمالية عمرانية وتنظيمية متقدمة.
وفي هذا السياق، توقع ساري أن ينعكس هذا الإشعاع على المؤشرات السياحية مستقبلا، مبرزا أن الحديث عن 26 مليون سائح قد لا يعكس السقف الحقيقي للإمكانات المتاحة، في ظل توفر جميع العوامل التي تسمح بتجاوز هذا الرقم، سواء من حيث البنية التحتية، أو العرض السياحي، أو الصورة الذهنية التي ترسخت دوليا خلال التظاهرة.
♦رهانات الاستثمار والتمدد الخارجي
شدد رشيد ساري على أن الأثر الأهم لتنظيم كأس إفريقيا يظهر على المستوى المتوسط والبعيد، خاصة في ما يتعلق باستقطاب الاستثمارات الأجنبية.
واعتبر أن نجاح التنظيم يشكل عنصر طمأنة للمستثمرين الدوليين بخصوص توفر المغرب على كفاءات بشرية وبنيات تحتية قادرة على احتضان مشاريع كبرى، ما يعزز جاذبية المملكة كوجهة استثمارية مستقرة.
وفي هذا الإطار، دعا إلى إعادة التفكير في دور المقاولة المغربية، مؤكداً أن ما تم إنجازه محلياً يجب أن يشكل منطلقا لتحول هذه المقاولات إلى فاعلين متعددين الجنسيات.
وأظهروأن التجارب والتقنيات التي راكمتها المقاولات الوطنية قابلة للتصدير نحو أسواق دولية، ليس فقط داخل القارة الإفريقية، بل أيضا في آسيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا.
وتابع أن هذا التوجه ينسجم مع حاجة العديد من الدول إلى تقوية بنياتها التحتية، مبرزا أن المغرب يمكنه وضع خبراته ومقاولاته رهن إشارة هذه الدول في إطار شراكات تنموية متبادلة.
ونبهوالمتحدث إلى ضرورة عدم الارتهان الكلي للاستثمارات الأجنبية داخل السوق الوطنية، مقابل تشجيع التمدد الخارجي للمقاولة المغربية بما يعزز حضورها في سلاسل القيمة العالمية.
وذهب ساري إلى أن تنظيم كأس إفريقيا يجب أن يُستثمر كرافعة لتقوية قطاعات استراتيجية، على رأسها التكنولوجيا الحديثة والمجال الرقمي، إلى جانب وكالات الأسفار وتنويع المنتوج السياحي.
كما دعا إلى تسويق أفضل للمؤهلات الوطنية من طرف الوكالة الوطنية لإنعاش الاستثمارات والصادرات، مع توسيع نطاق الشراكات والمشاريع خارج الحدود.
وخلص إلى أن التركيز المفرط على الجدل الرياضي يظل ثانوياً مقارنة بالرهان الأساسي المتمثل في تحقيق التنمية والإقلاع الاقتصادي المستدام.

