انطلقت على طول الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية مناورات “UNITAS 2025” البحرية بمشاركة 26 دولة من مختلف القارات؛ ضمنها المغرب كحالة استثنائية لكونه البلد العربي والإفريقي الوحيد الحاضر في هذه التدريبات، وهذا الحدث الذي يُعتبر الأضخم والأقدم من نوعه منذ ستينيات القرن الماضي، يشهد لأول مرة إدماج أنظمة “الدرون البحرية” في العمليات الميدانية، ما يجعله محطة فارقة في تطوير التكامل بين الوسائل التقليدية والتكنولوجيا الحديثة داخل الأساطيل متعددة الجنسيات.
وتأتي مشاركة المغرب في هذا الموعد العسكري الدولي لتعكس رهانه على تعزيز قدراته البحرية وتوسيع شراكاته الاستراتيجية، في وقت يطرح فيه التنافس بين القوى الكبرى على السيطرة البحرية أسئلة حول موقع الرباط في معادلات الأمن الإقليمي والدولي؛ ما يبرز تساؤلات حول إن كانت تمثل هذه المشاركة خطوة نحو توطيد التحالف المغربي الأمريكي في المجال العسكري، أم أنها مؤشر على تحول المغرب إلى فاعل محوري في تقاسم الأعباء الأمنية ومواجهة التهديدات العابرة للقارات، وعن الكيفية التي يمكن من خلالها أن تسهم التجربة العملياتية في رفع جاهزية الجيش المغربي لمواجهة تحديات معقدة بالمتوسط والأطلسي.
????ATLANTIC OCEAN
Multinational ships and aircraft participating in UNITAS 2025 steam in formation off the East Coast of the United States in support of UNITAS 2025, the 66th iteration of the world’s longest-running multinational maritime exercise.
UNITAS, Latin for Unity,… pic.twitter.com/qIF1O1Aq1C
— U.S. Navy (@USNavy) September 23, 2025
❖ موقع رمزي
يعتبر محمد الطيار، الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، ورئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن مشاركة المغرب في مناورات “UNITAS 2025” لا تقتصر على بعدها العسكري البحت، بل تحمل دلالات رمزية عميقة.
وقال الطيار في تصريح لجريدة “شفاف”، إن المغرب باعتباره الدولة العربية والإفريقية الوحيدة المشاركة ضمن 26 دولة، يجد نفسه في موقع استثنائي يجسد قدرته على لعب دور جسر بين ضفتي الأطلسي من جهة، وبين الفضاء المتوسطي والإفريقي من جانب آخر.
وأضاف أن هذا الحضور يعكس طموح الرباط في تثبيت نفسها كفاعل أمني جاد قادر على الاندماج في شبكات العمل العسكري متعددة الجنسيات، وهو ما يبرز وعي المملكة بأن أمنها القومي يتجاوز حدودها الترابية.
وأردف الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، أن الرباط ترسل عبر هذه المشاركة رسالة مزدوجة؛ الأولى إلى حلفائها بأنها طرف موثوق، والثانية إلى محيطها الإقليمي بأنها تمتلك من الأدوات ما يؤهلها لتوسيع أدوارها الاستراتيجية.
وشدد على أن هذا البعد الرمزي يضع المغرب في مصاف الدول القادرة على المساهمة الفعلية في صياغة منظومات الأمن البحري الدولي، في وقت يشهد فيه العالم تحولات متسارعة وتنافسًا محمومًا بين القوى الكبرى على السيطرة البحرية والمضايق الاستراتيجية.
❖ قيمة تقنية
يرى الطيار أن إدماج أنظمة “الدرون البحرية” لأول مرة في هذه التدريبات يمثل محطة مفصلية بالنسبة للجيش المغربي، فهذه التكنولوجيا حسب تعبيره، توفر للبحرية الملكية فرصًا استثنائية لاكتساب خبرات متقدمة في مجالات الاستطلاع والمراقبة والاتصال والقيادة المشتركة، وهو ما يشكل نقلة نوعية في تحديث منظومة الدفاع البحري للمغرب.
وأكد رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن هذه الأنظمة غير المأهولة تمنح المغرب إمكانيات أكبر لتقليل التكاليف التشغيلية ورفع الفعالية في مراقبة السواحل الممتدة للأطلسي والمتوسط.
من ميناء الداخلة لأنبوب الغاز.. كيف يعزز المغرب مكانة إفريقيا كقوة بحرية عالمية؟
وأوضح أنه بفضل هذه الخبرة، سيكون الجيش المغربي قادرًا على التعامل مع تهديدات غير متناظرة كتهريب الأسلحة أو المخدرات، بل وحتى مواجهة التحديات المرتبطة بالإرهاب البحري.
وشدد على أن هذه المشاركة تمثل فرصة لتأقلم المغرب مع التوجه العالمي نحو بناء “أساطيل هجينة” تجمع بين الوسائل التقليدية والأنظمة الذكية.
وأشار إلى أن هذه النوع من التدريبات العسكرية؛ سيعزز مكانة المغرب كدولة قادرة على الاندماج في المبادرات الدولية التي تسعى لتطوير أدوات جديدة للتعامل مع المخاطر البحرية المعقدة.
❖ شراكة أمريكية
في محور الشراكة مع واشنطن، يوضح الطيار أن انخراط المغرب في “UNITAS 2025” يعكس عمق العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، فمنذ سنوات يتدرب الطرفان ضمن مناورات ثنائية كـ”African Lion”، لكن مشاركة الرباط هذه المرة في تدريبات متعددة الجنسيات بقيادة أمريكية تؤكد أن التعاون العسكري تجاوز الطابع الثنائي ليصل إلى مستوى دولي أوسع.
واستطرد أن هذه الخطوة تمنح المغرب وزنًا إضافيًا داخل منظومات الأمن البحري، وتتيح له أن يكون جزءًا من النقاشات الدولية حول أمن الممرات البحرية والمضائق الاستراتيجية، لافتًا إلى أنها إشارة واضحة على أن واشنطن تعتبر الرباط شريكًا موثوقًا وقادرًا على تحمل مسؤولية تقاسم الأعباء الأمنية.
المناورات البحرية المغربية ـ الأمريكية.. هل تعزز أمن الموانئ أم تعكس تنافسًا إقليميًا متصاعدًا؟
وأضاف أن هذه الشراكة لا تعني ارتهان المغرب لواشنطن، بل تعكس براغماتية دبلوماسية تسعى للاستفادة من التحالفات دون المساس باستقلالية القرار الوطني، مبرزًا أن الرباط تدرك أن توطيد علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة يشكل رافعة لتعزيز موقعها في المنطقة وفي الساحة الدولية.
❖ توازنات إقليمية
يشير الطيار إلى أن البعد الإقليمي لمشاركة المغرب لا يقل أهمية عن أبعادها التقنية أو الاستراتيجية، موضحًا أن وجود المغرب في هذه المناورات يعزز موقعه في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، في وقت يتزايد فيه التنافس بين قوى إقليمية ودولية على السيطرة البحرية.
وبحسب رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، فإن هذه التجربة تمنح المغرب تفوقًا نوعيًا في مراقبة السواحل وحماية مصالحه البحرية؛ خاصة في ظل محاولات قوى أخرى مد نفوذها في المتوسط والأطلسي، مبرزًا أنه هنا تكمن الرسالة الضمنية؛ التي مفادها أن المغرب أصبح أكثر استعدادًا لحماية حدوده ومصالحه من أي تهديدات محتملة.
واعتبر أن هذا الحضور الإقليمي القوي يعزز من موقع الرباط كلاعب محوري في استقرار المنطقة، ويمنحها أوراقًا سياسية إضافية في تعاملها مع القوى الإقليمية والدولية؛ ما يجعل من “UNITAS 2025” فرصة لتكريس المغرب كضامن أمني في فضاء إقليمي مضطرب.
❖ توظيف الخبرات
يرى الطيار أن التحدي الأكبر بالنسبة للمغرب لا يكمن فقط في المشاركة، بل في كيفية توظيف الخبرات المكتسبة، مشيرًا إلى أن المملكة قادرة على استثمار هذه التجربة في تطوير آليات مراقبة السواحل، وتحسين عمليات الاعتراض والبحث والإنقاذ، وتعزيز التعاون الاستخباراتي مع الحلفاء.
سباق أوروبي على تزويد المغرب بغواصتين عسكريتين.. لماذا تراهن المملكة على هذا النوع من السلاح؟
وأردف أن هذه الخطوات يمكن أن تعزز قدرات المغرب على مواجهة تهديدات كبرى مثل الإرهاب العابر للحدود، أو شبكات تهريب السلاح والمخدرات، وهو ما يجعل من هذه المشاركة خطوة عملية لترجمة التطلعات الاستراتيجية إلى إنجازات ميدانية ملموسة.
وأبرز أن مشاركة المغرب في “UNITAS 2025” ليست مجرد محطة عابرة، بل هي لحظة فارقة في مسار بناء قوة بحرية متطورة وقادرة على التكيف مع تحديات المستقبل، مشددًا على أنها خطوة ستعزز موقع الرباط كفاعل أمني محوري إقليميًا ودوليًا، وتمنحها حضورًا متقدمًا في هندسة التوازنات الجيوسياسية المقبلة.

