أسدل الستار، أمس الجمعة، على النسخة الحادية والعشرين من مناورات “الأسد الإفريقي” بمصب وادي درعة في طانطان، بحضور قيادات عسكرية مغربية وأمريكية. وذلك في خطوة تعكس الدعم الأمريكي الواضح لمغربية الصحراء من خلال تعزيز التعاون العسكري المشترك في هذه المنطقة الاستراتيجية.
وشهد التمرين، الذي جمع بين القوات المسلحة الملكية والقوات الأمريكية، مشاركة أولى لقوات الرد السريع المغربية ضمن عمليات مشتركة شملت طلعات جوية بمقاتلات “إف-16″، ضربات راجمات “هيمارس”، وعمليات برية دقيقة استهدفت أهدافًا افتراضية. هذا التكامل العسكري يعكس مستوى متقدمًا من التنسيق والجاهزية العملياتية بين الطرفين.
ويُعد اختيار ميدان المناورات في الصحراء تأكيدًا عمليًا على التزام الولايات المتحدة بدعم سيادة المغرب على صحرائه، في ظل التحديات الأمنية الإقليمية.
وأكد القادة العسكريون أن هذه المناورات تعزز القدرات العملياتية والتخطيط المشترك بين الجيشين، وترسخ شراكة استراتيجية تهدف إلى مواجهة التهديدات الأمنية وتعزيز الاستقرار بالمنطقة.
♦رمزية الصحراء في المناورات
يرى هشام معتضد، الخبير في العلاقات الدولية والأمنية، أن قرار تنظيم جزء من مناورات الأسد الأفريقي في الصحراء المغربية ليس من قبيل الصدفة، بل يحمل بعدًا رمزيًا وسياسيًا عميقًا. مؤكدا أن هذا الاختيار يمثل رسالة دعم ضمنية لموقف المغرب من قضية الصحراء، دون الحاجة إلى تصريحات سياسية مباشرة، متماشيًا مع الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء عام 2020، الذي لم تتراجع عنه واشنطن رغم تبدل الإدارات.
ويعتقد الخبير في العلاقات الدولية والأمنية، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الولايات المتحدة تعتمد “دبلوماسية الواقع الميداني” في هذا السياق؛ حيث إن اختيارها لأراضٍ مثل المحبس والگرگرات لإجراء تدريبات عسكرية يضفي طابعًا عمليًا على مواقفها، ويُشرك قواتها في ترسيخ الوجود العسكري المغربي في مناطقه الجنوبية، وهو ما يحمل دلالات سياسية واضحة بشأن شرعية السيادة.
ويقول إن هذا الإصرار الأمريكي يعكس تكتيكًا لفرض إعادة توزيع النفوذ في شمال إفريقيا والساحل، من خلال دعم الحلفاء القادرين على ضبط حدودهم، وتعزيز الشركاء الموثوقين، وخلق توازن ردعي مستقر في مواجهة محاور لا تتوافق مع الرؤية الأمريكية للمنطقة، مما يجعل الصحراء مركزًا رمزيًا لهذا التوازن الجديد.
♦ أهمية ومكانة المناورات
يوضح معتضد على أن المغرب يستغل استضافة مناورات “الأسد الإفريقي” السنوية كفرصة استراتيجية لتأكيد حضوره كشريك موثوق للولايات المتحدة الأمريكية ولحلف شمال الأطلسي في منطقة تتزايد أهميتها على خريطة الأمن الدولي.
ويعتبر أن هذه المناورات، التي تُعد من الأكبر على مستوى القارة الإفريقية، توفر للرباط منصة قوية لإظهار قدراتها على احتضان عمليات عسكرية معقدة ومتعددة الجنسيات على أراضيه، مما يعزز مكانته كفاعل استراتيجي محوري في الجنوب المتوسطي.
وحسب الخبير، فالمغرب يسعى عبر هذه التمارين إلى تحقيق أهداف متعددة؛ منها رفع جاهزية قواته المسلحة، وتعزيز قدراتها في العمل المشترك مع الحلفاء، فضلاً عن اكتساب مهارات متقدمة في القيادة والتحكم واللوجستيك. مبينا على أن هذه المناورات تعد مختبرًا ميدانيًا لتجربة تقنيات وأساليب حديثة في مختلف مجالات القتال، سواء على الأرض أو في الجو أو حتى في المجال السيبراني، ما يجعلها أداة حقيقية لتحديث العقيدة والتدريب العسكري المغربي.
♦أهداف ومكتسبات التمارين
وفي السياق ذاته، يضيف الخبير أن بعدًا دبلوماسيًا هامًا يكتسبه المغرب من خلال استضافته لهذه المناورات، حيث إنها رسالة واضحة لكل من الحلفاء والخصوم تؤكد انخراط المملكة في مقاربة أمنية شاملة تتخطى مجرد حماية الذات، لتتجه نحو تصدير الأمن والاستقرار إلى محيطها الإفريقي، خاصةً في ظل التهديدات العابرة للحدود بمنطقة الساحل.
ويؤكد أن المناورات تثبت أن المغرب تجاوز مرحلة كونه طرفًا عاديًا في المعادلات الأمنية الإقليمية، ليتحول إلى منصة استراتيجية لتنسيق الجهود الدولية في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتطوير الجاهزية الدفاعية المتقدمة.
ويشدد على أن مشاركة هذه التمارين من دول متعددة تعكس اعترافًا دوليًا بالوزن الأمني للمغرب، وفتح آفاق جديدة أمامه لتأسيس شراكات طويلة الأمد في مجالات الاستخبارات والتدريب والعمليات المشتركة.
كما يشير معتضد إلى أن أحد أهم مخرجات هذه المناورات يتمثل في تعزيز مكانة المغرب كقوة استقرار جنوب الحوض المتوسطي، خصوصًا في ظل الفراغ التنسيقي المتزايد في شمال إفريقيا بسبب الأزمات الداخلية في بعض الدول وغياب الثقة الإقليمية.
ويتصور الخبير أن “الأسد الإفريقي” يحول المغرب إلى نقطة التقاء محورية لأي مقاربة أمنية تهدف إلى تغطية الساحل والغرب الإفريقي.
ويتابع أن تنظيم هذه التمارين في الجنوب المغربي، بمشاركة قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا، يعزز صورة المغرب كفاعل “براغماتي شامل”، يجمع بين القوة الناعمة والتدريب العسكري المتين، مما يدفع شركاءه إلى الاعتراف به كقاعدة انطلاق لأي هندسة أمنية مستقبلية في المنطقة.
ويبين معتضد على أن مناورات “الأسد الإفريقي”، رغم طابعها التدريبي، تحمل أبعادًا رمزية واستراتيجية كبيرة في المنطقة المغاربية، خصوصًا إذا ما نظرنا إليها من زاوية التصعيد غير المباشر مع الجزائر.
ويعتبر أن المشاركة الأمريكية الفعلية ونوعية الأسلحة والتقنيات المستخدمة تخلق انطباعًا بأن المغرب يعزز تفوقه النوعي عبر تحالفات عملية قائمة على الاختبار الميداني وليس الشعارات فقط.
ويرى أن هذه المناورات تمثل جزءًا من “الحرب الرمزية الباردة” بين الرباط والجزائر، حيث تسعى كل دولة لترسيخ سردية القوة والشرعية أمام الرأي العام المحلي والدولي. وبينما تراهن الجزائر على الإنفاق العسكري وحضور روسيا، يركز المغرب على الانخراط في منظومات غربية مرنة، قائمة على التشغيل المشترك والتكامل الاستخباراتي.
ويلفت المتحدث إلى أن ما يميز المغرب في هذه المعادلة هو تركيزه على التدريب المتقدم، وليس مجرد التسلح الكمي. وفي هذا السياق، فإن تعريض قواته لتجارب ميدانية واقعية ضمن بيئة قيادة مشتركة مع جيوش ذات مستوى عالمي يمنحه نقاط تفوق تكتيكية تتجاوز الميزانية العسكرية، لتتمثل في الجاهزية الميدانية والمرونة الاستراتيجية.
♦المناورات وأثرها التكتيكي
وفي الاتجاه ذاته، يعتبر الخبير أن الأثر المباشر والأهم لمناورات “الأسد الإفريقي” يكمن في “نقل المهارات التكتيكية الدقيقة”. إذ تمكن هذه التدريبات الجيش المغربي من اكتساب خبرات ميدانية في التكامل بين القوات، واستخدام الأنظمة القتالية الحديثة، والتعامل مع سيناريوهات الحروب غير المتناظرة، وهي تحديات أساسية في بيئة الساحل.
ويؤكد أن هذه المناورات تتيح لقواتنا المسلحة اختبار معدات جديدة والعمل ضمن منظومات قيادة وتحكم متطورة، مما يسرع تحديث العقيدة القتالية المغربية، ويخلق قاعدة بشرية مدربة لتنفيذ العمليات المشتركة بكفاءة عالية. مشددا على أن هذا النوع من التدريب العملي لا يمكن تعويضه بالتدريبات الداخلية فقط.
ويشير كذلك إلى أن تكرار هذه المناورات سنويًا يخلق تراكمًا مؤسساتيًا داخل الجيش المغربي، ويساهم في تشكيل جيل جديد من القادة الميدانيين المتمكنين من لغة العمليات الدولية والتنسيق مع جيوش كبرى، مما يضع المغرب في مصاف الجيوش التي تجمع بين الأصالة والخبرة متعددة الجنسيات.
ويصف الخبير على أن هذه المناورات تشكل بالفعل ورقة ضغط ناعمة وفعالة في يد المغرب، إذ تساهم في ترسيخ الأمر الواقع على الأرض، وتكسب مناطق الجنوب طابعًا سياديًا عمليًا يعترف به العالم ويتعامل معه. مضيفا أن إجراء تدريبات متعددة الجنسيات في هذه المناطق يؤكد ضمنيًا استقرارها ووظيفتها الاستراتيجية ضمن السيادة المغربية.
ويعتقد أن هذه التمارين تتيح للمغرب تحويل المناطق الجغرافية المتنازع عليها إلى مساحات تعاون دولي، مما يحرج خصومه الذين يكتفون بالخطاب السياسي الجامد دون خلق تفاعل دولي فعلي في تلك المناطق. واصفا ذلك بـ”دبلوماسية الميدان” مقابل “دبلوماسية البيانات”، وهو فارق جوهري في معركة النفوذ.
ويختم معتضد بأن “الأسد الإفريقي” بات أكثر من مجرد تمرين عسكري؛ فهو معركة رمزية كبرى حول الصحراء، يحصد من خلالها المغرب نقاط شرعية إضافية، ليس فقط بالدعم السياسي، بل عبر جعل الفاعلين الدوليين يتعاملون عمليًا مع الصحراء كجزء من بنيته السيادية، وهو ما يصعب التراجع عنه دبلوماسيًا في المستقبل.

