أعادت الهزة الأرضية الأخيرة التي سُجلت بعدد من مناطق المغرب ملف ضحايا زلزال الحوز إلى الواجهة، بعدما جددت النقاش حول وتيرة إعادة الإعمار، ومدى تنفيذ المشاريع المبرمجة لفائدة المتضررين.
ورغم مرور أشهر على الكارثة، ما زالت أوضاع عدد من الأسر محل اهتمام الرأي العام، في ظل تساؤلات حول طبيعة الدعم المقدم وشروط العيش التي يواجهها السكان في المناطق الأكثر تضررا.
بعد عام على الزلزال.. إلى متى ستستمر معاناة متضري زلزال الحوز في إنتظار تنزيل وعود الإعمار؟
♦معاناة ضحايا الزلزال
أوضح محمد رشيد الشريعي رئيس المكتب التنفيذي للجمعية الوطنية للدفاع عن حقو الإنسان بالمغرب، أن المأساة الإنسانية التي خلّفها زلزال الحوز ما زالت ترخي بظلالها الثقيلة على حياة آلاف الأسر التي وجدت نفسها بين ليلة وضحاها بلا مأوى ولا سكن.
وأكد رئيس المكتب التنفيذي للجمعية الوطنية للدفاع عن حقو الإنسان بالمغرب في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الوضع لم يختلف كثيرا بالنسبة لضحايا زالزال الحوز أو المناطق التي عرفت فيضانات، إذ ما زال هؤلاء يعيشون ظروفا قاسية لا تليق بالكرامة الإنسانية، بعدما اضطروا إلى الاحتماء بخيام مؤقتة أو أغطية بلاستيكية لم تصمد أمام تقلبات الطقس، مشيرا إلى أن فصل الشتاء الماضي شكّل اختبارا مريرا للمتضررين، حيث تسللت الأمطار والبرد إلى مساكنهم الهشة، ففاقمت من معاناتهم الصحية والاجتماعية.
وانتقد الشريعي ما وصفه بالصمت المريب الذي تلتزمه الحكومة تجاه هذا الملف، مبرزا أنها اكتفت بإطلاق خطابات متكررة تتحدث عن إحصاءات رسمية للمتضررين، من دون أن تقدم حلولا ملموسة أو مشاريع ناجعة تعالج جذور المشكلة.
وشدّد على أن غياب التدخل العملي جعل الضحايا يفقدون الثقة في الوعود الحكومية، خصوصا أنّ كل التصريحات الرسمية، سواء الصادرة عن رئيس الحكومة أو عن القطاعات الوزارية المعنية، بقيت في حدود الكلام ولم تنعكس على أرض الواقع، معتبرا أن هذا التماطل أدخل المواطنين في دوامة انتظار طويلة، بينما حياتهم اليومية تسير نحو مزيد من التدهور.
وأضاف أن الحكومة مسؤولة قانونيا وأخلاقيا عن ضمان الحق في السكن اللائق لكل مواطن، لكنها عجزت عن الوفاء بهذا الالتزام، مما جعل مئات الأسر عرضة للتشرد والانكشاف، مبينا أن الزلزال لم يكن حادثا عابرا، بل كارثة طبيعية خلّفت خسائر بشرية ومادية كبيرة، وكان يفترض أن تدفع السلطات إلى إظهار قدر عالٍ من المسؤولية والنجاعة في التدبير، مبرزا أن ما وقع كان عكس ذلك، إذ ترك المواطنون يواجهون مصيرهم في عزلة تامة.
♦فشل حكومي واضح
اعتبر الشريعي أن أسلوب الحكومة في التعامل مع ملف الزلزال كشف عن عجز واضح في تدبير الأزمات والكوارث، موضحا أن الحكومة بدل أن تقدم مثالاً في التضامن والسرعة والفعالية، بدت غير قادرة على الوفاء بأبسط التزاماتها، وفي مقدمتها ضمان المأوى للمتضررين، مبينا أن استمرار هذا الوضع يسيء إلى صورة البلاد، ويعكس اختلالا بنيويا عميقا في طريقة معالجة الملفات الاجتماعية والإنسانية.
إعلان زلزال الحوز واقعة كارثية.. ماذا يعني ذلك وماهي الآثار القانونية للقرار؟
وكشف الفاعل الجمعوي أن الحكومة لا يمكنها الاستمرار في تسويق نفس الخطابات المكررة حول الإحصاءات والمتابعات التقنية، في وقت يعاني فيه الناس نابعات الزلزال وانعدام الخدمات، معتبرا أن هذا الخطاب الرسمي ليس سوى محاولة لتبرير التقصير والتغطية على غياب الإرادة السياسية الحقيقية لمعالجة الوضع، وموضحا أنّ الزلزال والفيضانات التي سجلها المغرب مؤخر أبانت أن الحكومة تميل إلى تأجيل الحلول بدل الإسراع في إنجازها، وهو ما يجعل الأزمة تتفاقم مع مرور الوقت.
وقال المتحدث إن الحكومة، لو كانت تتحمل مسؤولياتها كاملة، لبادرت إلى اعتماد مخطط وطني لإعادة الإعمار يتضمن آجالا دقيقة، ومصادر تمويل واضحة، وآليات فعّالة لتتبع التنفيذ ومحاسبة المقصّرين، مشددا على أن الواقع يكشف غياب رؤية استراتيجية متماسكة، وهيمنة الارتباك والعشوائية على التدبير، الأمر الذي أبقى معاناة المتضرّرين قائمة دون حلول ملموسة.
واعتبر الفاعل المدني أن عجز الحكومة عن تدبير هذا الملف وغيره من الملفات كان يستوجب منها تقديم الاستقالة، بدلا من الاستمرار في ممارسة مهامها وكأن شيئا لم يحدث، منتقدا باقي القطاعات التي لها ارتباط مباشر بالموضوع (الصحة، والتعليم، والتعمير..)، موضحا أن أزمة الزلزال لم تفعل سوى تعرية الهشاشة العميقة التي تطبع هذه المجالات.
وأظهر الشريعي أن المواطن المتضرر لا يفتقد فقط إلى السكن، بل يواجه أيضا ضعفا في الخدمات الصحية، وحرمان أبنائه من متابعة الدراسة في ظروف طبيعية، فضلا عن غياب فرص العمل التي تؤدي إلى تفاقم فقر الأسر وتكريس تهميشها، مبرزا أن فشل الحكومة في تدبير تداعيات الزلزال ليس إلا امتدادا لفشل أوسع في إدارة الشأن العام.
فقد 6 من أفراد أسرته في زلزال الحوز.. عمي أمغار يروي لـ “شفاف” تفاصيل الفاجعة
♦دعوة للاحتجاج والإنصاف
بين الشريعي أن استمرار الوضع على حاله سيدفع المواطنين إلى التعبير عن احتجاجهم بشكل متزايد، باعتباره الوسيلة الوحيدة لإسماع صوتهم بعد أن أُغلقت في وجوههم كل قنوات التواصل الرسمية، مؤكدا أنّ الاحتجاج ليس خيارا اعتباطيا، بل نتيجة مباشرة لسياسة الصمت والتماطل التي تنتهجها الحكومة، والتي عمّقت من معاناة الضحايا بدل أن تخففها، معتبرا أنّ خروج السكان للاحتجاج هو فعل مشروع ودستوري يهدف إلى المطالبة بالحق في السكن والعيش الكريم، وهما من الحقوق الأساسية التي لا تقبل المساومة.
ولفت إلى أن الجمعيات الحقوقية، بما فيها التي ينتمي إليها، عبّرت في بياناتها ومواقفها عن إدانة واضحة لما وصفته بالتدبير العشوائي والفاشل للحكومة، مؤكدة أنّ الدولة ملزمة بالوفاء بتعهداتها تجاه الضحايا، مضيفا أنه من غير المقبول أن تتحول المطالبة بالحقوق الأساسية إلى مبرّر لتلفيق الملفات القضائية ضد الناشطين والمتضررين، كما حدث في مناسبات سابقة.
وشدد المتحدث أن تجاهل هذا الملف لن يسفر إلا عن تفاقم الاحتقان الاجتماعي وتراجع ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وهو ما يشكّل خطرا على الاستقرار المجتمعي، داعيا الحكومة إلى التعاطي بجدية ومسؤولية مع المطالب العادلة للمتضررين، عبر الشروع في تنفيذ برامج إعادة الإعمار بشكل فعلي، وتوفير السكن اللائق والتعويضات المنصفة، وضمان استفادة السكان من الخدمات الصحية والتعليمية، مشددا على ضرورة اعتماد مقاربة تشاركية تضم المجتمع المدني والمنتخبين المحليين، بما يكفل وصول المشاريع إلى الم
وخلص الشريعي على أنّ فشل الحكومة في الوفاء بمطلب بسيط يتمثل في توفير المأوى للمتضررين يضعها في موقف ضعف، ويؤكد الحاجة الماسة إلى مراجعة شاملة لسياساتها وأولوياتها، معتبرا أنّ استمرارها في تجاهل الملف هو حكم صريح على نفسها بالعجز، وأنّ المواطنين لن يتوقفوا عن المطالبة بحقوقهم مهما حاولت الدولة الالتفاف على مطالبهم أو تكميم أصواتهم.

