في خطوة غير مسبوقة خلال الولاية التشريعية الحالية، وضعت فرق المعارضة النيابية الممثلة في مجلس النواب اللمسات الأخيرة على ملتمس رقابة مشترك، من المنتظر أن يُعلن عنه بشكل رسمي خلال الساعات المقبلة، بعد توافق نادر بين كل من الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية، وفريق التقدم والاشتراكية، والفريق الحركي، إلى جانب المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، ويعد هذا التنسيق السياسي أول مبادرة موحدة من نوعها منذ انطلاق الولاية، بعدما ظلت مبادرات سابقة تسقط في مهدها بسبب غياب التوافق أو التردد الحزبي.
ويرى متابعون أن هذا التكتل قد يعكس تحولا في تموقع المعارضة داخل المؤسسة التشريعية، خاصة مع التحاق حزب العدالة والتنمية، الذي ظل متحفظًا في السابق على الانخراط في تحركات تقودها أطراف معارضة بعينها، ما يطرح تساؤلات حول إن كان يمثل هذا التوافق الاستثنائي بداية نضج في أداء المعارضة البرلمانية، وقدرة هذا التفاعل توجها نحو تفعيل فعلي لأدوات الرقابة الدستورية، وإلى أي حد يمكن لملتمس الرقابة أن يعيد خلط أوراق المشهد السياسي في ظل توازنات عددية تُبقي مصير الحكومة بيد الأغلبية.
“العدالة والتنمية” ينضم لأحزاب المعارضة النيابية الساعية إلى تفعيل ملتمس الرقابة
♦ ملتمس الرقابة
أشار الدستور في الفصل 105 إلى ملتمس الرقابة، حيث يقدم من طرف خُمس أعضاء مجلس النواب ويؤدي في حالة التصويت والمصادقة عليه بالأغلبية المطلقة أي 50% +1 من الأعضاء المتواجدين بالغرفة الأولى للبرلمان (198 من أصل 395 عضوا) إلى إسقاط الحكومة.
وفي هذا الصدد، ينص الفصل 105 على ما يلي:
“لمجلس النواب أن يعارض في مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها، بالتصويت على ملتمس للرقابة، ولا يقبل هذا الملتمس إلا إذا وقعه على الأقل خُمس الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس. لا تصح الموافقة على ملتمس الرقابة من قبل مجلس النواب، إلا بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم”.
“لا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداع الملتمس، وتؤدي الموافقة على ملتمس الرقابة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية. إذا وقعت موافقة مجلس النواب على ملتمس الرقابة، فلا يقبل بعد ذلك تقديم أي ملتمس رقابة أمامه، طيلة سنة”.
يذكر أنه سبق للمغرب أن عاش حالتين للتقدم بملتمس الرقابة، أولاهما في يوم 15 يونيو 1964، بهدف مساءلة الحكومة وسحب الثقة منها ودفعها إلى تقديم الاستقالة الجماعية بحكم الفصل 81 من دستور 1962، لكنه لم يحصل على الأصوات الكافية لتمريره.
فيما ثانيهما جاء في ماي 1990، إلا أن هذا الملتمس وكسابقه لم يحظى بالموافقة نظرا لعدم التصويت عليه بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب، غير أنه ساهم في حدوث أزمة سياسية بالمغرب وقتها.
تجدر الإشارة إلى أن عدد أعضاء أحزاب المعارضة مجتمعة في مجلس النواب يصل إلى 97 (المجموعة النيابية للعدالة والتنمية: 13 مقعداً، وفريق التقدم والاشتراكية: 22 مقعداً، والفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية: 34 مقعداً، والفريق الحركي : 28 مقعدًا)، أي أنها تتوفر على خمس اللازم لتفعيل هذه الخطوة (79 عضوا).
ومن جانب آخر، يشغل ائتلاف الأغلبية الحكومية (التجمع الوطني للأحرار 102 + الأصالة والمعاصرة 87 + الاستقلال 81) ما مجموعه 270 من أصل 395 مقعداً بمجلس النواب.
♦ خلفيات دستورية
اعتبر عبد العزيز قراقي، أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن المعارضة “تعيش تحت ثقل الماضي”، وأن تراكمات المعارك السابقة جعلت من التوافق حول خطوات كبرى، مثل ملتمس الرقابة، أمرًا معطلاً لزمن طويل.
وقال أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط، في تصريح لجريدة “شفاف”، إن طرح هذا الملتمس الآن له بُعد سياسي وانتخابي أكثر من كونه تعبيرًا فعليًا عن فقدان الثقة بالحكومة.
ارتباطا بذلك، ذكرت مريم ابليل، الباحثة الأكاديمية المتخصصة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، أن الفصل 105 من الدستور المغربي يمنح لمجلس النواب الحق في التقدم بملتمس رقابة ضد الحكومة، بشرط توقيعه من طرف خُمس الأعضاء على الأقل، والموافقة عليه بأغلبية مطلقة.
وأوضحت الباحثة الأكاديمية المتخصصة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، في تصريح لـ”شفاف”، أنه في حال تحقق هذا السيناريو، فإن الحكومة تُجبر على تقديم استقالتها الجماعية، مبرزة أنه رغم وضوح المسطرة القانونية، إلا أن السياق السياسي الذي يُطرح فيه هذا الإجراء، يظل هو الفيصل في مدى واقعيته وجدواه السياسية.
وتابعت أنه في هذه المرحلة المتأخرة من الولاية التشريعية، يبدو أن اللجوء إلى ملتمس الرقابة يحمل دلالات سياسية أكثر منها دستورية، خاصة في ظل تشتت المعارضة وغياب انسجام إيديولوجي واستراتيجي بين مكوناتها.
ولفتت إلى أن المعارضة ظلت منذ بداية الولاية تسعى لتوحيد صفوفها، لكنها لم تنجح في بلورة فعل سياسي مشترك بسبب ضعفها العددي من جهة، والتباعد الكبير في المرجعيات الإيديولوجية من جهة أخرى.
♦ لحظة توافق نادرة
يرى قراقي أن الانخراط المفاجئ لحزب العدالة والتنمية في هذه الخطوة، رغم تردده في محطات سابقة، يرتبط أساسًا برهانات إعادة التموضع، لافتا إلى أن الحزب الذي تقلص وزنه الانتخابي بشكل حاد، أصبح يدرك أن تأثيره السياسي لن يتحقق إلا من داخل المؤسسات، عبر تحالف مرحلي مع باقي مكونات المعارضة.
وأضاف أستاذ العلوم السياسية، أن حزب العدالة والتنمية يجد في هذا الملتمس فرصةً سانحةً لا تكلّفه شيئًا، بل تمنحه وسيلة للتفاعل من جديد مع الرأي العام، وتحقيق نوع من الحضور المؤثر تحت قبة البرلمان.
في السياق ذاته، تشير ابليل إلى أن تقديم ملتمس الرقابة من طرف كافة مكونات المعارضة يمثل لحظة توافق نادرة في المشهد البرلماني الحالي.
وتابعت أن هذه الخطوة وإن بدت رمزية، تعكس وعيًا متأخرًا بضرورة تجاوز الاعتبارات الذاتية والمرجعيات المتباعدة لصالح منطق المصلحة السياسية المشتركة.
وأشارت إلى أن الضرورة أملت على المعارضة أن تتجاوز خلافاتها، موضحة أن هذا التوافق بين مكوناتها ألزمته ضرورة المصلحة، مشددة على أن ملتمس الرقابة، حتى وإن لم يُسقط الحكومة، فإنه يُعيد بعض الحيوية للمشهد السياسي.
♦ توقيت ملتبس
يبرز قراقي أن توقيت تقديم الملتمس يثير أكثر من سؤال ضمني حول نوايا المعارضة، خاصة وأن الولاية التشريعية تجاوزت نصف مدتها، وأصبحت على مشارف السنة الانتخابية، لافتا إلى أن اللحظة فقدت زخمها السياسي.
وأردف أنه لو تم تقديم الملتمس خلال النقاش حول قوانين جوهرية، كقانون الإضراب أو القوانين الاجتماعية الأخرى، لكان له وقع مغاير، أما اليوم فيبدو أنه أداة للتسخين الانتخابي أكثر من كونه أداة رقابية.
على المنوال ذاته، تعتبر مريم ابليل أن الفرصة الوحيدة التي قد تمنح الملتمس فعاليته، هي حدوث تصدع في صفوف الأغلبية، وهو سيناريو تستبعده بشكل واقعي، رغم أنها لا تستبعد المفاجآت في عالم السياسة.
وتابعت الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، أن هذا الموقف يعكس فهمًا عميقًا للتركيبة الصلبة للأغلبية الحكومية، خاصة في ظل تفوقها العددي وسيطرتها على أغلب مفاصل القرار البرلماني.
♦ “أثر محدود”
يشير قراقي إلى أنه على الرغم من رمزية الخطوة، فإن التأثير المتوقع للملتمس يظل محدودًا، سواء على مستوى إسقاط الحكومة أو على صعيد إعادة تشكيل موازين القوى، موضحا أن الحكومة تعيش وضعًا مريحًا، مدعومة بتحالف ثلاثي مستقر، وتجارب انتخابية جزئية أظهرت قدرتها على الحفاظ على توازنها السياسي.
وأضاف أستاذ العلوم السياسية، أن هذه الدينامية تجعل الحكومة بمنأى عن تأثير الملتمس، وقد تُحوّله إلى فرصة لمراجعة بعض جوانب الحصيلة والعمل على تصحيحها سياسيًا وإعلاميًا.
واستطرد أن الناس لم يعودوا يتابعون النقاش السياسي كما في الماضي، وهو ما يُقلّل من القيمة التأثيرية لأي خطوة تُتخذ داخل البرلمان، بما في ذلك ملتمس الرقابة، إلا إذا ترافق مع نقاش عمومي قوي وتعبئة سياسية حزبية خارج البرلمان.
وهذا التشخيص يلتقي مع رؤية ابليل التي تعتبر أن المعارضة لم تنجح خلال نصف الولاية، في مراكمة أدوات رقابية فعالة، ولم تحسن استثمار لحظات الاحتقان الاجتماعي والسياسي لتقوية موقعها داخل المؤسسة التشريعية.
♦ رهان التجديد السياسي
يبرز قراقي أنه رغم السياق الصعب، فإن هذه الخطوة قد تحمل بوادر تجديد في الأداء الحزبي، سواء من جهة المعارضة أو الحكومة، مشيرا إلى أن هذا الحراك وإن كان متأخرًا، إلا أنه قد يُسهم في إعادة بعث الحيوية في المشهد السياسي، خاصة إذا تبعته مبادرات تواصلية أو برامجية ملموسة.
وزاد قائلا إن الحكومة بدورها، وإن كانت غير معنية بالرد البرلماني بمعناه الصارم، قد تجد في هذا الملتمس محفزًا لتقديم حصيلتها وتحصين شرعيتها السياسية قبيل المحطات الانتخابية المقبلة.
وتابع أن المعارضة، ربما تجد في التمرين فرصة لإعادة ترتيب بيتها الداخلي، وإعادة صياغة خطاب سياسي مشترك يؤهلها لتكون فاعلًا سياسيًا في الدورة المقبلة.
وأشار إلى أنه قد يشكل هذا الملتمس لحظة لبناء جسور الحد الأدنى بين مكونات المعارضة، على أمل تطوير هذه المبادرة إلى تنسيق أعمق خلال الانتخابات المقبلة، أو حتى بناء تكتلات انتخابية ذات جدوى.
وأوضح أنه رغم كون حظوظ نجاح ملتمس الرقابة في إسقاط الحكومة شبه منعدمة، إلا أن أهميته تكمن في كونه لحظة سياسية كاشفة، حيث يظهر حدود المعارضة من جهة، ويقيس تماسك الأغلبية من جانب آخر، ويمنح البرلمان فرصة ليعود إلى صدارة المشهد بعد مرحلة من السكون.
وشدد على أن التحدي الأكبر الآن لا يتعلق فقط بإسقاط الحكومة، بل بكيفية تحويل هذه اللحظة إلى محطة مفصلية نحو تجديد الفعل السياسي في المغرب، في اتجاه أكثر نجاعة وربطًا بثقة المواطن.

