تواصل السلطات الأمنية المغربية إحكام سيطرتها على الحدود الوطنية، من خلال نهج يقظ واستباقي مكنها من إحباط محاولتين لتهريب دولي لمخدر الكوكايين؛ الأولى بميناء طنجة المتوسط والثانية بمعبر الكركرات الحدودي، في عملية نوعية جرى تنفيذها بتنسيق محكم بين الأمن الوطني والجمارك والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ويعكس تزامن العمليتين اتساع نطاق الجهود الأمنية وتطور آليات الرصد والمراقبة، وذلك في ظل تحوّل المغرب إلى فاعل محوري في مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للقارات.
ويفتح تكرار هذه المحاولات الباب أمام أسئلة عديدة حول طبيعة التحولات التي تعرفها مسارات التهريب الدولي، وإن باتت بعض المعابر الجنوبية تشكل بدائل جديدة للشبكات الإجرامية بعد تشديد الرقابة الأوروبية، وإلى أي حد تمكن المقاربة المغربية القائمة على اليقظة الاستخباراتية والتعاون الدولي من تفكيك هذه الشبكات العابرة للحدود واحتواء مخاطرها، وحول الدلالات الجيوسياسية التي يحملها استهداف معبر الكركرات تحديدًا في سياق إقليمي متوتر يشهد تصاعد أنشطة التهريب والإرهاب بمنطقة الساحل.
❖ التنسيق والاستخبارات
يعتبر محمد الطيار، الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، ورئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن العمليتين الأمنيتين الأخيرتين بكل من ميناء طنجة المتوسط ومعبر الكركرات الحدودي تبرزان المستوى العالي من التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية المغربية، وعلى رأسها الأمن الوطني والجمارك والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.
وقال الطيار في تصريح لجريدة “شفاف”، إن هذا التنسيق المتكامل ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة تراكم مؤسساتي طويل وتجربة غنية في مواجهة الجريمة المنظمة، جعلت من المغرب مرجعًا إقليميًا في محاربة التهريب الدولي للمخدرات والمؤثرات العقلية.
وأكد أن هذا الأداء يعكس تطور المنظومة الأمنية المغربية، التي باتت تعتمد على الاستباق وجمع المعلومات الاستخباراتية الدقيقة قبل أي تحرك ميداني، لافتًا إلى أن المغرب لا ينتظر وقوع الجريمة كي يتحرك، بل يعتمد نهجًا وقائيًا قائمًا على التحليل الاستباقي لأنماط النشاط الإجرامي وتحديد الممرات المحتملة قبل استخدامها فعليًا.
وأوضح أن هذه المقاربة جعلت من الأجهزة المغربية في طليعة الفاعلين الأمنيين في المنطقة، ليس فقط في الكشف عن الشحنات الضخمة قبل وصولها إلى وجهتها النهائية، ولكن أيضًا في تفكيك شبكات دولية معقدة تعتمد على أساليب متطورة من التمويه والاختراق.
وأضاف الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، أن تكرار نجاح هذه العمليات يرسخ صورة المغرب كـ”قوة أمنية استباقية” قادرة على قراءة التهديدات قبل وقوعها.
❖ تحوّل المسارات
يرى الطيار أن تكرار عمليات التهريب في فترات زمنية متقاربة ليس مؤشرًا على ثغرات أمنية، بل على تحوّل في خريطة ومسارات شبكات المخدرات، فبعد تشديد الرقابة على الموانئ البحرية والممرات الشمالية، بدأت هذه الشبكات تبحث عن بدائل برية وجديدة، خصوصًا في الاتجاه الجنوبي نحو معبر الكركرات.
من ميناء الداخلة لأنبوب الغاز.. كيف يعزز المغرب مكانة إفريقيا كقوة بحرية عالمية؟
ولفت إلى أن هذا التحول يبرز مرونة التنظيمات الإجرامية وقدرتها على التكيّف مع الضغوط الأمنية، لكنه في الوقت ذاته يبرهن على يقظة الدولة المغربية، التي تتبع هذه التحولات وتواكبها بإجراءات دقيقة؛ سواءً على مستوى المراقبة الميدانية أو على صعيد التنسيق الاستخباراتي.
وأردف أن الحدود الجنوبية للمملكة، وخاصة الكركرات، أصبحت منطقة مراقبة مشددة مدعمة بوسائل تكنولوجية متقدمة، مثل الرادارات والدرون والكاميرات الحرارية.
وأبرز أن هذا التطور الميداني، هو ما يمنح المغرب القدرة على احتواء التحركات الإجرامية في مهدها، قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي للأمن الداخلي أو الإقليمي.
❖ البعد الجيوسياسي
وفق الطيار، لا يمكن فصل البعد الأمني عن الرؤية الجيوسياسية للمغرب في محيطه الإفريقي والمتوسطي، فالمملكة تنظر إلى أمنها الداخلي كجزء لا يتجزأ من استقرار فضائها الإقليمي؛ خصوصًا في ظل ما تعرفه منطقة الساحل والصحراء من تصاعد أنشطة التهريب والإرهاب وتزايد الروابط بين الجماعات الإجرامية والتنظيمات المتطرفة.
واستطرد أن المغرب يعمل على بناء منظومة أمنية متكاملة، لا تقتصر على الردع العسكري أو الأمني، بل تقوم على الدمج بين التعاون الدولي والرصد الميداني والتنمية المحلية.
وأكد الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، أن ما سبق يجعل الرباط اليوم شريكًا استراتيجيًا لكل من أوروبا وإفريقيا في مواجهة التحديات العابرة للحدود.
وأوضح أن العمليات الأخيرة في طنجة المتوسط والكركرات تشكل دليلًا على نجاح المقاربة المغربية في تحييد المخاطر الإقليمية التي قد تنبع من هشاشة بعض المناطق في الجوار الإفريقي.
وشدد على أن حماية الحدود الجنوبية للمملكة المغربية تعني في الوقت نفسه حماية العمق الإفريقي للرباط واستقرار محيطها الحيوي.
❖ التعاون الدولي
يشدد الخبير الأمني على أن التعاون الاستخباراتي الدولي أصبح ركيزة أساسية في السياسة الأمنية المغربية، فالمغرب يدرك أن الجريمة المنظمة لا تعرف الحدود، وأن مواجهتها تتطلب شبكة من التعاون العابر للدول، وهو ما يفسر دينامية التنسيق القائمة مع شركائه التقليديين، مثل إسبانيا وموريتانيا، وكذلك مع عدد من الأجهزة الأوروبية.
وأبرز أن تبادل المعلومات العملياتية بين هذه الأطراف مكن في أكثر من مناسبة من تفكيك شبكات عابرة للقارات وضبط شحنات ضخمة من المخدرات الصلبة.
التقارب الجزائري-الفرنسي والأزمة مع ثلاثي الساحل.. قراءة استراتيجية في ظل النفوذ المغربي المتزايد
وأشار إلى أن التعاون مع موريتانيا يكتسي أهمية خاصة، بحكم الامتداد الجغرافي المشترك وتداخل المسارات البرية والبحرية للتهريب في فضاء الساحل.
وأضاف الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، أن هذا التعاون لا يُعد خيارًا سياسيًا فحسب، بل هو ضرورة أمنية ملحة تفرضها طبيعة التهديدات العابرة للحدود.
وتابع أن كل عملية تبادل معلومات أو تنسيق ميداني تساهم في تقليص مساحة المناورة أمام التنظيمات الإجرامية، وتعزز قدرة المغرب وشركائه على بناء جدار استخباراتي واقٍ ضد محاولات التسلل والاختراق.
❖ التفوق الأمني
للحفاظ على هذا التفوق، يؤكد محمد الطيار أن المغرب يواصل الاستثمار في القدرات التكنولوجية والاستخباراتية، من خلال توسيع نطاق المراقبة الذكية وتطوير أنظمة التحليل الآلي للمعطيات، إلى جانب التركيز على تفكيك البنى المالية واللوجستية للشبكات الإجرامية عبر ملاحقة أنشطة غسل الأموال وتعقب شركات الواجهة.
وأردف أن هذه المقاربة لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى الشق التنموي والاجتماعي، إذ يعتبر دعم التنمية المحلية في المناطق الحدودية أحد أهم الأساليب للحد من استغلالها من قبل المهربين.
وأكد الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، على أن الاستثمار في الإنسان، هو خط الدفاع الأول ضد الجريمة المنظمة، لأنه يقطع الطريق أمام توظيف الفقر والهشاشة في تجنيد المتعاونين المحليين.
ولفت إلى أن العمليتين الأخيرتين في طنجة المتوسط والكركرات تُبرزان أن المغرب لا يكتفي برد الفعل، بل يقود سياسة أمنية استباقية ذات رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
وشدد على أن هذه المقاربة جعلت من المملكة فاعلاً رئيسيًا في الأمن الإقليمي ومصدر ثقة لدى شركائها الدوليين، في زمن تتزايد فيه التهديدات العابرة للحدود وتتعقد فيه خرائط الجريمة المنظمة.

