تمكنت النيجر، بمساندة استخباراتية من المغرب، من قتل زعيم جماعة بوكو حرام، إبراهيم محمدو المعروف بـ”باكورا”، في غارة جوية نفذها سلاح الجو يوم 15 غشت على جزر بحيرة تشاد المتاخمة لنيجيريا وتشاد والكاميرون.
وأوضح الجيش النيجري أن العملية، التي استمرت عدة أسابيع من الرصد، نفذت عبر “ثلاث ضربات دقيقة ومتتالية” استهدفت مواقع كان يتحصن فيها باكورا بجزيرة شيلاوا، وأسفرت عن مقتل العشرات من مقاتلي الجماعة وقادة آخرين، ووصفت بـ”النموذجية” من حيث الدقة والتنفيذ.
♦مقتل قيادي بارز بالتنظيم
وفي السياق ذاته، شدّد محمد الطيار، خبير في الدّراسات الأمنية والاستراتيجية، ورئيس المرصد الوطني للدّراسات الاستراتيجية على أن مقتل إبراهيم محمدو “باكورا”، أحد أبرز قادة جماعة بوكو حرام في حوض بحيرة تشاد، يمثّل تحوّلا نوعيا في مسار المواجهة مع التنظيم.
واعتبر خبير في الدّراسات الأمنية والاستراتيجية، أن هذه الضربة لا تتعلق فقط بتصفية شخصية عسكرية مهمة، بل تكشف عن خلخلة حقيقية في الهيكل القيادي للجماعة، التي طالما استندت إلى أسطورة التحصين في المناطق الحدودية الوعرة.
وأوضح أن هذه العملية أثبتت أن تلك المناطق لم تعد تشكّل ملاذاً آمناً للقيادات، ما يضعف قدرة التنظيم على التخطيط الاستراتيجي وإدارة عمليات التجنيد والتوسع.
وأضاف أن العملية تحمل رسائل متعددة، أولها أن الجماعة باتت مهددة حتى في أكثر المناطق تعقيدا جغرافيا، وثانيها أن الضربات الاستباقية لم تعد محصورة في نطاق جغرافي ضيق، بل أصبحت جزءا من استراتيجية أوسع تمتد عبر الحدود.
كما رأى أن هذا النجاح العسكري يعيد تشكيل ميزان القوة بين الدول المعنية بمحاربة الإرهاب والتنظيمات المتشددة، ويؤكد أن الاستراتيجيات الأمنية المدعومة بالاستخبارات الدقيقة قادرة على قلب المعادلة.
وربط الطيار هذه التطورات بالسياق الإقليمي، مبرزا أن بوكو حرام تعتمد منذ سنوات على التمدد في محيط بحيرة تشاد، مستفيدة من هشاشة بعض الحدود، وصعوبة مراقبة التحركات داخل المناطق النائية.
وأشار إلى أن مقتل “باكورا” جاء ليكسر هذه القاعدة، ويؤكد أن العمل المنسّق بين الدول قادر على سد الثغرات التي تستغلها الجماعات الإرهابية.
♦الدور المغربي في العملية
أوضح الطيار أن المغرب لعب دورا محوريا في هذه العملية عبر تقديم دعم استخباراتي نوعي، مكّن الجيش النيجري من تحديد الموقع الدقيق لباكورا وتنفيذ الضربة بكفاءة عالية.
وأكد أن هذا الدعم لم يكن عرضيا، بل يندرج ضمن استراتيجية ثابتة تعكس التزام المغرب بالانخراط الفعلي في محيطه الإفريقي، من موقع الفاعل الإقليمي الموثوق.
وبيّن أن المملكة لم تحصر مجهودها في تأمين جبهتها الداخلية، بل وسّعت نطاق عملها لتصدير خبرتها الأمنية والفكرية إلى شركائها في القارة.
ونوّه إلى أن مساهمة المغرب تتجاوز البعد التقني البحت، إذ إنها تترجم فلسفة أمنية متكاملة تقوم على الوقاية والتأطير إلى جانب الضربات الاستباقية.
وكشف أن التجربة المغربية في تفكيك الخلايا المتطرفة، وإعادة تأهيل العائدين من بؤر التوتر، وتحصين المجتمع ضد خطاب الكراهية، تجعلها مؤهلة لتقديم نموذج فعّال يستفيد منه الآخرون.
وأورد أن العملية الأخيرة أكدت بالملموس هذه القيمة، بعدما تحوّل التعاون الاستخباراتي إلى نتيجة عملية على الأرض، قضت على واحد من أبرز وجوه الإرهاب في المنطقة.
وأبرز الطيار أن هذا النجاح يعزز صورة المغرب كدولة مسؤولة تتعامل مع الأمن من زاوية جماعية، إدراكا منها أن التهديدات الإرهابية عابرة للحدود ولا يمكن مواجهتها بسياسات محلية ضيقة.
وشدّد على أن هذا الدور يرفع من مكانة المملكة كشريك أساسي لدول الساحل وغرب إفريقيا، ويمنحها مصداقية إضافية في علاقاتها الإقليمية والدولية.
♦آفاق التعاون الإقليمي المستقبلي
أشار الطيار إلى أن التجربة الأخيرة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن مواجهة جماعات متنقلة مثل بوكو حرام تتطلب أكثر من القوة العسكرية المباشرة.
واعتبر أن تبادل المعلومات الدقيقة والتنسيق الميداني العابر للحدود يشكّلان العمود الفقري لأي استراتيجية ناجحة.
وأوضح أن استمرار هذا النوع من التعاون سيتيح لدول المنطقة ليس فقط تقليص نشاط التنظيمات، بل أيضاً تعزيز قدراتها الوقائية لمواجهة التهديدات القادمة.
ولفت إلى أن النموذج المغربي في مكافحة الإرهاب يتميز بكونه شاملاً، حيث يدمج الأبعاد الأمنية والقانونية والفكرية، ما يجعله قابلاً للتكييف مع خصوصيات دول الساحل.
وأكد أن هذه المنهجية لا تقتصر على الضربات العسكرية، بل تعالج أيضاً جذور التطرف عبر التربية والتأهيل القانوني ومراقبة الفضاء الديني والإعلامي.
ورأى أن تعميم هذا النموذج كفيل بإحداث تحول استراتيجي في مسار المواجهة مع الجماعات المتشددة بالمنطقة.
واعتبر الطيار أن مقتل “باكورا” يشكل بداية مرحلة جديدة إذا ما تم البناء عليه، من خلال توسيع الشراكات الاستخباراتية وتعميق التنسيق بين الأجهزة الأمنية للدول المعنية.
كما دعا إلى تطوير آليات عمل مشتركة قادرة على التكيف مع ديناميات التهديدات الإرهابية، التي غالباً ما تتغير بسرعة وتستغل أي ثغرات أمنية.
وخلص إلى أن المغرب، بفضل رصيده الأمني وتجربته المتراكمة، أصبح اليوم ركيزة أساسية في منظومة الأمن الإقليمي.
وشدد الطيار أن استمرارية هذا الدور ستجعل المملكة عنصرا محوريا في ترسيخ الاستقرار بمنطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد، خصوصاً إذا ما واصلت الدول الإفريقية الاستثمار في التعاون والشراكة مع الفاعلين الذين يملكون الخبرة والقدرة على مواجهة التحديات الأمنية المشتركة.

