رصدت المندوبية السامية للتخطيط في تقريرها الأخير حول سوق الشغل خلال الفصل الثاني من سنة 2025؛ تراجعًا طفيفًا في معدل البطالة على المستوى الوطني؛ حيث انخفض من 13.1% إلى 12.8% خلال سنة واحدة، وهذا التراجع، الذي يعادل فقدان نحو 38 ألف عاطل، ترافق مع إحداث 5 آلاف منصب شغل فقط، في وقت لا تزال فيه مؤشرات مقلقة تُخيّم على فئات بعينها، لاسيما النساء والشباب، ناهيك عن الخسائر الحادة في مناصب الشغل بالوسط القروي جراء استمرار تأثير الجفاف على قطاع الفلاحة.
ورغم ما قد توحي به هذه الأرقام من تحسن في سوق الشغل، إلا أن مؤشرات أخرى تثير تساؤلات أعمق حول طبيعة هذا التحسن ومدى متانته، حيث سجل معدل الشغل الناقص ارتفاعًا ملحوظًا، ليبلغ 10.6%، بينما ارتفعت بطالة النساء إلى مستوى مقلق بلغ 19.9%، وسط استمرار هشاشة فرص العمل المستحدثة، لاسيما في قطاعات البناء والخدمات، ما يطرح فرضيات حول كون هذا التراجع يشكل انخفاض حقيقي في البطالة، أم أنه مجرد انتقال إلى أشكال جديدة من “البطالة المقنّعة”، وعن مدى قدرة السياسات العمومية الحالية على مواكبة التحديات الهيكلية المرتبطة بالتشغيل والعدالة المجالية والنوعية.
❖ أرقام غير مطمئنة
يبرز محمد أفزاز، الصحفي والمحلل الاقتصادي المغربي المقيم بقطر، أن المعطيات الأخيرة التي أعلنتها المندوبية السامية للتخطيط بشأن سوق الشغل المغربي لا تعكس بالضرورة تحسّنًا حقيقيًا في أوضاع البطالة، بل قد تكون ذات طابع ظرفي وغير هيكلي.
وأشار أفزاز في تصريح لجريدة “شفاف”، إلى أن تراجع معدل البطالة إلى 12.8% لا يجب أن يُفهم كدليل على انتعاش اقتصادي حقيقي، بل كمؤشر مشوش قد يخفي خلفه تدهورًا في مؤشرات أعمق، كضعف جودة مناصب الشغل وارتفاع معدلات الشغل الناقص.
المؤشرات الاقتصادية للمغرب.. هل تكفي السياسة النقدية لتحريك الطلب في ظل تآكل القدرة الشرائية؟
وفي مقارنة مع دول أخرى، أوضح أن المغرب لا يزال بعيدًا عن المعدلات المقبولة حتى بين دول ذات اقتصادات مشابهة، مثل البرتغال ورومانيا ومصر، التي تسجل معدلات بطالة تدور بين 6% و10%، لافتا إلى أنه استنادًا لهذه النماذج، فإن المغرب لا يحقق بعد مستويات تمكنه من التنافس أو التموقع ضمن اقتصادات تحقق فرصًا حقيقية للعمل والنمو الاجتماعي.
ما يزيد الأمر تعقيدًا، بحسب أفزاز، هو أن عدد المناصب المحدثة لا يتجاوز 5 آلاف وظيفة صافية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى خلق ما لا يقل عن 90 إلى 100 ألف فرصة سنويًا فقط للإبقاء على المعدل الحالي، وما بين 180 و250 ألف فرصة عمل صافية لتخفيضه، معتبرًا أن هذا الواقع يدفع إلى التشكيك في مدى فعالية السياسات العمومية وقدرتها على تحقيق الإقلاع المنتظر.
❖ أسباب هيكلية
من الأسباب الجوهرية التي يرى أفزاز أنها تعيق نجاعة الاقتصاد المغربي في خلق فرص العمل، هي بنية الاقتصاد نفسها، موضحًا أن الرباط تعتمد بشكل كبير على القطاعات ذات الطبيعة الهشة والمتأثرة بالتقلبات المناخية والظروف الخارجية، مثل الفلاحة والسياحة وتحويلات الجالية المغربية.
وأوضح الصحفي والمحلل الاقتصادي، أن هذا الاعتماد المفرط على قطاعات غير مستقرة يجعل من الصعب بناء نسيج اقتصادي صلب قادر على امتصاص الصدمات وتوفير وظائف دائمة.
خفض سعر الفائدة.. قراءة في تأثيراته المرتقبة على المقاولات والاستثمار وفرص الشغل
وأشار إلى أن الاقتصاد المغربي عانى من ست سنوات متتالية من الجفاف، مما أدى إلى تراجع كبير في التشغيل بالقطاع الفلاحي، الذي يُعد مصدرًا أساسيًا للشغل في العالم القروي.
وأردف أنه في المقابل، لم يتم تعويض هذا التراجع بخلق فرص كافية في القطاعين الصناعي والخدماتي، حيث لم يستطع قطاع الصناعة مثلًا أن يوفر سوى بضعة آلاف فرصة عمل فقط خلال الربع الثاني من السنة الجارية.
ويرى أفزاز أن هناك فرصة حقيقية أمام المغرب في تطوير قطاعات واعدة مثل صناعة السيارات والطيران وبعض الصناعات التحويلية؛ غير أن هذه القطاعات لم تُستثمر بالشكل الكافي لتتحول إلى قاطرة للتنمية.
وأبرز الخبير الاقتصادي، أن الإشكالية اليوم تكمن في غياب رؤية صناعية شاملة وتكاملية، ما يحدّ من قدرة المملكة المغربية على خلق وظائف طويلة الأمد وتحسين المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية.
❖ التعليم وسوق الشغل
أحد أكبر التحديات التي أشار إليها أفزاز هو عدم ملاءمة منظومة التعليم المغربي مع متطلبات سوق الشغل، لافتا إلى أن الجامعات والمعاهد لا تزال بعيدة عن تخريج كفاءات قادرة على الاندماج السريع في الاقتصاد المتغير؛ خاصة في ظل الثورة الرقمية وتزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة.
وأشار إلى أن قرابة 20% من خريجي الجامعات لا يجدون فرص عمل بعد التخرج، وهو ما يبرز وجود فجوة كبيرة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق.
إحصاء 2024 يكشف ارتفاع معدل البطالة.. فما الأسباب وراء تنامي الظاهرة وأين تكمن الحلول؟
وأردف أن هذه الفجوة تساهم في رفع معدلات بطالة الشباب، التي تتجاوز 35%؛ ما يعني أن ثلث القوة الشابة خارجة عن الدورة الاقتصادية، وهو أمر ينذر بتفاقم الأوضاع الاجتماعية مستقبلًا.
ودعا أفزاز إلى إصلاح جذري في منظومة التعليم العالي ومراكز التكوين المهني، بحيث تواكب التحولات الاقتصادية وتعتمد مقاربات تشاركية مع القطاع الخاص، وربط التكوين بالحاجيات الفعلية للمقاولات.
وشدد الخبير والمحلل الاقتصادي، على أن إصلاح التعليم يعتبر أحد مفاتيح إنجاح السياسات التشغيلية وبلورة نموذج تنموي جديد قائم على الكفاءة والإنتاجية.
❖ الابتكار والاستثمار
أكد محمد أفزاز على أن الابتكار وريادة الأعمال لا يزالان ضعيفين في المغرب، حيث تفتقر منظومة الاقتصاد الوطني إلى ثقافة البحث العلمي والاختراع، مبرزًا أن الاستثمارات في مراكز البحث؛ سواءً داخل الجامعات أو المؤسسات الصناعي شبه غائبة، وهو ما يحرم البلاد من إنتاج تكنولوجي محلي ويدفعها للاستيراد التكنولوجي من الخارج.
وأشار إلى أن النهوض بالاستثمار المحلي والأجنبي يحتاج إلى تحفيزات ضريبية قوية، ومحاربة البيروقراطية، وتقوية آليات الحماية القانونية للمستثمرين؛ فضلًا عن تسريع الإجراءات الإدارية المرتبطة بإحداث المقاولات، معتبرًا أن هذه العناصر ضرورية لجعل المغرب أكثر جاذبية على الصعيد الإقليمي والدولي.
في السياق ذاته، يرى أن دعم المشاريع الصغرى والمتوسطة وتمويل رواد الأعمال الشباب، يمثل فرصة مهمة لتقليص البطالة، شرط وجود رؤية متكاملة تشمل الحماية القانونية، وتسهيل التمويل، وخفض أسعار الفائدة، بما يضمن استدامة المشاريع ويمنحها أفقًا للنمو.
❖ الفوارق المجالية
شدد أفزاز على أن معدل البطالة الوطني (12.8%) لا يعكس الصورة الحقيقية لواقع البطالة في المغرب، إذ أن هناك تفاوتات مجالية صارخة بين المدن والقرى، وكذلك بين النساء والرجال، لافتًا إلى أن البطالة في المناطق الحضرية أعلى بكثير من القروية، كما أن بطالة النساء تصل إلى مستويات تفوق 19.9%، ما يكشف استمرار فجوة بنيوية بين الجنسين.
وأوضح أن هذه الفوارق ليست فقط أرقامًا، بل تعكس غياب عدالة مجالية ومساواة في الفرص؛ ما يستدعي سياسات تشغيل تراعي الخصوصيات الجهوية والمجالية.
التضخم ينهك القدرة الشرائية للمغاربة.. هل تنجح التدابير الحكومية في إنعاش السوق والتشغيل؟
ولفت المحلل الاقتصادي، إلى أن تنمية الجهات، وربطها بالبنيات التحتية وفرص الاستثمار، يمثل جزءًا أساسيًا من استراتيجية مقاومة البطالة وتوسيع قاعدة الاقتصاد الوطني.
ونبه إلى أن إهمال هذه الفوارق من شأنه أن يدفع بالمزيد من الفئات نحو الهجرة؛ سواءً كانت هجرة كفاءات عالية أو هجرة اجتماعية بحثًا عن فرص عيش كريمة، وهو ما يعني أن الفشل في معالجة هذه الفوارق قد ينعكس سلبًا على التماسك الاجتماعي والسلم المجتمعي.
❖ الشباب والفرصة الضائعة
يرى محمد أفزاز أن المغرب اليوم يقف على مفترق طرق؛ فإما أن يستثمر في طاقاته الشابة الحالية ويحولها إلى رافعة تنموية حقيقية، أو يفوّت الفرصة كما فوّتتها دول عديدة في السابق.
وأشار إلى أن التحولات الديمغرافية تدل على أن المغرب سيتجه مستقبلاً نحو شيخوخة سكانية، ما يجعل من المهم استثمار اللحظة الراهنة التي يهيمن فيها الشباب على الهرم السكاني.
ارتفاع أسعار العقار.. فما الأسباب وما دور الحكومة في توفير السكن بأثمنة مناسبة للمغاربة؟
وأكد أن تجاهل هذا “الإمكان التنموي “سيكلف البلاد كثيرًا، اقتصاديا واجتماعيا، ليس فقط من حيث فرص النمو، ولكن أيضًا من حيث الضغط الاجتماعي، وارتفاع نسب الجريمة، والإحباط الجماعي، وما يترتب عليه من آثار على الأمن والاستقرار.
ومن أجل تفعيل هذا الخيار، شدد على أن الأمر يتطلب إقرار سياسات حقيقية لإطلاق برامج تنموية تدمج الشباب والنساء في الدورة الاقتصادية، من خلال التشغيل والمقاولة والتعليم الموجه نحو سوق العمل.

