عاد ملف الصحراء المغربية إلى واجهة النقاش الجيوسياسي الأمريكي، في سياق تحولات إقليمية ودولية متسارعة، واستعادة واشنطن لاهتمامها المتجدد بمنطقة الساحل وشمال إفريقيا كجبهة أمامية في صراع القوى العظمى.
وفي هذا الإطار، أصدر معهد “هدسون“، وهو مؤسسة فكرية أمريكية محافظة وذات تأثير واسع في دوائر صنع القرار، تقريرًا استراتيجيًا يدعو فيه الإدارة الأمريكية إلى تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية أجنبية، معتبرًا أن أنشطتها وتوجهاتها تشكل تهديدًا مباشرًا للمصالح الأمنية للولايات المتحدة في المنطقة، ولحلفائها الاستراتيجيين وعلى رأسهم المغرب.
♦ تحول استراتيجي
يشير تقرير معهد هدسون إلى أن الصراع في الصحراء المغربية لم يعد مجرد نزاع إقليمي تقليدي، بل تحوّل إلى ساحة صراع ضمني بين واشنطن ومحور دولي معادٍ تقوده إيران وروسيا والصين، مدعومًا إقليميًا من الجزائر وجنوب إفريقيا.
ويضع التقرير هذا التطور في سياق الاعتراف الأمريكي سنة 2020 بمغربية الصحراء، الذي أعلنه الرئيس دونالد ترامب، خلال ولايته الأولى، واعتبره لحظة تحول في السياسة الأمريكية من حياد سلبي إلى انحياز واقعي لمصالحها الجيوستراتيجية.
وأبرز أنه لحسن الحظ، بدأت واشنطن تُدرك أهمية الصحراء المغربية، حيث تعهد عضو الكونغرس الجمهوري جو ويلسون بإصدار تشريعات لكشف تهديد البوليساريو وتصنيفها حركة إرهابية.
Grateful for this incisive analysis from @HudsonInstitute @zriboua. Polisario must be designated a Foreign Terrorist Organization! Trump will fix it https://t.co/rvl95YCiYn
— Joe Wilson (@RepJoeWilson) April 19, 2025
وأردف أن وزير الخارجية ماركو روبيو جدد التأييد الأمريكي لخطة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها السبيل الوحيد الموثوق للسلام، مبرزا أن تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية أجنبية خطوة قانونية واستراتيجية سليمة لمعالجة هذا الوضع المُلح.
♦ أنشطة مقلقة
يعدد التقرير خمسة أسباب رئيسية تبرر تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية، أبرزها خرق اتفاق وقف إطلاق النار الموقع سنة 1991، واختلاس المساعدات الإنسانية لتحصين بنيتها العسكرية، وتعاونها مع منظمات إرهابية كحزب الله وحزب العمل الكردستاني المعروف اختصار بـ”بي كي كي” (PKK).
وأضاف إلى ذلك؛ حصولها على طائرات مسيرة من الحرس الثوري الإيراني عبر الجزائر، إضافة إلى تهريب الأسلحة إلى جماعات متطرفة في الساحل تهدد القوات الأمريكية.
ويلفت المعهد هدسون إلى أن البوليساريو لم تعد فقط حركة انفصالية، بل أصبحت فاعلًا غير دولتي يحمل سمات التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود.
ويُستشهد في التقرير بحالة عدنان أبو الوليد الصحراوي، الذي انتقل من صفوف البوليساريو إلى قيادة “داعش” في الصحراء الكبرى، وقاد هجمات مميتة بينها كمين نيجير 2017 الذي قتل فيه أربعة جنود أمريكيين.
كما يشير إلى ممارسات قمعية في مخيمات تندوف التي تسيطر عليها البوليساريو، من بينها التجنيد القسري وغياب الحريات، ما يجعل هذه المخيمات قواعد عسكرية أكثر منها مراكز لجوء.
♦ دور الجزائر
يبرز التقرير أن الجزائر ليست مجرد داعم سياسي للبوليساريو، بل فاعل رئيسي في تأجيج النزاع، من خلال التمويل والتسليح وتوفير الغطاء الدبلوماسي، فضلًا عن تحالفها الوثيق مع موسكو وطهران وبكين.
ويعتبر معهد هدسون أن سياسة الجزائر تقوم على إضعاف المغرب ومنع تمدده في إفريقيا، رغم كونه الشريك الإقليمي الأبرز لواشنطن في مكافحة الإرهاب وتأمين الساحل.
التقارب الجزائري-الفرنسي والأزمة مع ثلاثي الساحل.. قراءة استراتيجية في ظل النفوذ المغربي المتزايد
ويرى أن تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية سيُشكل ضربة استراتيجية لمحور روسيا-إيران-الصين، الذي يستخدم هذه الجبهة كأداة لزعزعة استقرار المغرب وإفشال مقاربته التنموية في الأقاليم الجنوبية.
كما سيمنح هذا التصنيف وفق المعهد؛ دعمًا قويًا لمخطط الحكم الذاتي المغربي كحل وحيد واقعي، ويحرم البوليساريو من الشرعية الدولية التي طالما سعت إلى توظيفها في المحافل الإقليمية والدولية.
♦ مكاسب أمريكية
يقترح معهد هدسون أن يحمل تصنيف البوليساريو فوائد متعددة للولايات المتحدة؛ من بينها تجفيف منابع تمويل وتسليح الجماعة، ودعم جهود المغرب في مكافحة الإرهاب، وتقليص نفوذ الحرس الثوري الإيراني في غرب إفريقيا، وفضح الاستراتيجية الجزائرية في زعزعة الاستقرار.
وذكر أن من مكاسب هذا التصنيف أيضا، ترتبط بمنع تسرب الأسلحة إلى الجماعات المتطرفة في الساحل، وإنهاء الحملة الدعائية التي تقودها البوليساريو داخل الاتحاد الإفريقي، وتسليط الضوء على الانتهاكات في مخيمات تندوف، بما يفرض رقابة دولية على وضعية المحتجزين فيها.
وشدد التقرير على أن الصحراء المغربية لم تعد قضية هامشية في السياسات الدولية، بل باتت عقدة استراتيجية تربط بين ملفات الإرهاب والطاقة والصراعات الكبرى.
ودعا إلى الحسم في الموقف الأمريكي، عبر اتخاذ خطوة تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية، انسجامًا مع الاعتراف بمغربية الصحراء، ولإرسال رسالة واضحة إلى خصوم واشنطن مفادها أن دعم الانفصال المسلح في مناطق حيوية لن يمر دون تكلفة سياسية واستراتيجية.

