كشفت أحدث معطيات شبكة “أفروبروميتر” البحثية عن واقع مقلق يعكس عمق الفجوة بين الشباب المغربي والمنظومة السياسية والمؤسساتية في البلاد، حيث أظهر الاستطلاع الذي أجري في فبراير 2024 ونُشرت نتائجه في مارس 2026، أن مستويات الثقة لدى الفئة العمرية ما بين 18 و35 سنة لا تزال دون الطموحات الوطنية للإدماج السياسي.
ويشير التقرير بوضوح إلى أن حوالي ثلث هذه الفئة فقط يعبرون عن ثقتهم في المؤسسات المركزية والمحلية، حيث سجل البرلمان نسبة ثقة بلغت 37%، في حين تراجعت هذه النسبة تجاه المجالس الجماعية (34%)، ورئيس الحكومة والأحزاب السياسية (33%).
وتؤكد هذه الأرقام استمرارية حالة “العزوف النفسي” لدى الشباب تجاه الفاعلين السياسيين، وهي حالة يغذيها تصور سائد لدى الشباب بأن هذه المؤسسات لا تعكس تطلعاتهم الحقيقية، خاصة في ظل التحديات السوسيو-اقتصادية المرتبطة بالبطالة وعدم تكافؤ الفرص.
ضعف مشاركة الشباب في اللوائح الانتخابية.. مؤشرات على أزمة ثقة أم تحدٍ تنظيمي؟
مفارقة الوعي والواقع: تمجيد المبادئ الديمقراطية مع التشكيك في نزاهة التدبير
ويربط التقرير التحليلي لـ “أفروبروميتر” بشكل مباشر بين تآكل هذه الثقة وبين تزايد إدراك الشباب لظاهرة الفساد داخل المؤسسات المنتخبة والتدبيرية؛ إذ يعتقد 33% من الشباب المستجوبين أن “معظم” أو “كل” أعضاء المجالس الجماعية متورطون في ممارسات فساد، وهي نسبة تتجاوز بكثير ما يعتقده كبار السن (26%).
هذا الانطباع السلبي يمتد ليشمل المؤسسة التشريعية ومسؤولي رئاسة الحكومة، مما يخلق حاجزاً نفسياً يمنع الشباب من الانخراط الفعال في العمل المؤسساتي.
جمعية “حقوق وعدالة” تطالب بإصلاح انتخابي يضمن مشاركة حقيقية للنساء
ورغم أن الشباب المغربي أبان عن وعي ديمقراطي متقدم، من خلال تشديد 67% منهم على ضرورة خضوع رئيس الحكومة للمحاسبة البرلمانية، إلا أن هناك شعوراً بالخيبة تجاه الممارسة الواقعية، حيث يرى نصف الشباب فقط أن السلطة التنفيذية تلتزم فعلياً بالقوانين وأحكام القضاء، مما يكرس انطباعاً بوجود انفصام بين الشعارات السياسية والممارسات الميدانية.
الشارع الرقمي بديلاً للصناديق: تحولات الفعل السياسي في زمن “السوشيال ميديا”
وعلى مستوى المشاركة الميدانية، يعكس التقرير تحولاً في الأنماط الاحتجاجية والتعبيرية لدى الجيل الصاعد؛ فبينما سجلت المشاركة الانتخابية للشباب أدنى مستوياتها (40% مقارنة بـ 65% لدى الفئات المسنة)، برزت وسائل التواصل الاجتماعي كساحة بديلة وفعالة للتعبير السياسي الرقمي.
ويشير التقرير إلى أن 16% من الشباب ينشطون في نشر ومشاركة محتويات سياسية عبر الفضاء الرقمي، وهي نسبة تتضاعف أربع مرات مقارنة بكبار السن، كما يميل الشباب أكثر إلى الانخرط في أشكال الاحتجاج المباشر مثل المظاهرات والمسيرات.
هذا التحول الرقمي والاحتجاجي يشير إلى أن الشباب لم يفقدوا اهتمامهم بالشأن العام، بل فقدوا ثقتهم في “الوسائط التقليدية” مثل الأحزاب والبرلمان، مفضلين قنوات أكثر مباشرة وتفاعلية للتعبير عن تطلعاتهم ومطالبهم، مما يضع الفاعلين السياسيين أمام تحدٍ مصيري لإعادة ابتكار أدوات تواصل قادرة على استقطاب هذا الجيل وإعادة دمجه في المسار المؤسساتي.

