أثار تنظيم الدورة الثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب، المقام بالرباط، موجة من الانتقادات في أوساط المهنيين والفاعلين في قطاع الكتاب، في ظل ما اعتُبر انحرافاً عن الأهداف الثقافية الأساسية لهذه التظاهرة وتحولها المتسارع نحو منطق تجاري يُقصي الكتبيين الصغار ويهمّش دورهم المركزي في سلسلة النشر والتوزيع.
وقد سلطت هذه الدورة الضوء على عدد من الإشكاليات المرتبطة بارتفاع كلفة المشاركة، وضعف البنيات التحتية، وغياب العدالة في توزيع الفضاءات والفرص بين مختلف العارضين، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً حول جدوى السياسات التنظيمية المعتمدة، ومدى التزام الوزارة الوصية بإشراك الفاعلين الحقيقيين في صياغة تصور هذا الموعد الثقافي السنوي.
وبينما كانت التوقعات معلقة على أن تشكل هذه الدورة محطةً نوعية في دعم الفعل الثقافي وتقريب الكتاب من القارئ، فوجئ العديد من المهنيين بما وصفوه بانحرافات خطيرة على مستوى التوجه العام للمعرض، سواء من حيث طبيعة العارضين أو الفضاءات المخصصة أو الشروط التنظيمية التي أُقرت.
وهذا الواقع فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة المعرض على الاستجابة للتحولات التي يعيشها قطاع النشر، ومدى ملاءمته لانتظارات الفاعلين الذين يرون فيه أكثر من مجرد مناسبة سنوية، بل فضاءً مفترضاً لتثمين الثقافة وحماية الكتاب والمهنيين.
♦ارتفاع الأسعار والإقصاء
قال حسن المعتصم، الحسن المعتصم رئيس رابطة الكتبيين بالمغرب، إن الدورة الثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط كشفت عن خلل بنيوي عميق يُقوّض الغايات الثقافية التي أُسس من أجلها هذا الحدث، ويُفرغه من جوهره الإشعاعي لصالح منطق تجاري صِرف يخدم مصالح فئات محددة، ويُقصي الكتبيين الصغار والمهنيين الفعليين في قطاع النشر والتوزيع.
وفي تصريح لجريدة “شفاف”، اعتبر المعتصم أن الأسعار التي فُرضت على العارضين والكتبيين هذه السنة كانت صادمة وغير مبررة، إذ بلغت تكلفة المتر الواحد بين 500 و800 درهم، في حين يصل ثمن المتر لبعض المؤسسات 2500 درهم، وهو ما رآه مؤشراً واضحاً على نهج إقصائي تجاه الكتبيين والناشرين الصغار، وتحويلاً للمعرض إلى فضاء ربحي مغلق لا يعكس تطلعات القطاع ولا حاجيات قرائه.
وانتقد رئيس رابطة الكتبيين بالمغرب الرؤية العامة التي أطرت تنظيم هذه الدورة، معتبراً أن المعرض فقد هويته الثقافية وتحول إلى ما يشبه كرنفالاً للمؤسسات العمومية وأروقة الترفيه، بدل أن يكون فضاءً للكتاب والفكر.
وأشار المتحدث إلى تخصيص مساحات واسعة لمؤسسات لا علاقة لها بصناعة الكتاب، وتخصيص فضاءات لأنشطة ألعاب وترفيه الأطفال، في مقابل التضييق على الفاعلين الحقيقيين في سلسلة النشر والقراءة.
وقال المعتصم إن هذا التوجه ساهم في طمس البعد المهني والثقافي للتظاهرة، وأظهر اختلالاً في أولويات الجهة المنظمة، مشدداً على أن عددًا من المؤسسات العمومية تجاوزت دورها التعريفي بالمنشورات الأكاديمية والعلمية، لتتحول إلى فاعل تجاري داخل المعرض، إذ عرضت كتباً للبيع بشكل مباشر، رغم أنها لا تتوفر على الترخيص القانوني لذلك.
وأوضح أن هذا الخرق القانوني لا يمس فقط قواعد المنافسة، بل يضرب مصداقية المعرض، ويضر بمصالح الكتبيين الذين يتحملون كافة الأعباء والتكاليف.
♦تغييب المهنيين
ولم يُخفِ المعتصم استياءه من استمرار إقصاء التنظيمات المهنية من أي دور تشاوري أو تنسيقي، مؤكداً أن وزارة الثقافة لم تتشاور مع ممثلي المهنيين ولم تدعهم للمساهمة في بلورة رؤية المعرض، بل اكتفت بفرض تسعيرة باهظة على المتر المربع، دون مقابل من حيث التسهيلات أو الدعم اللوجستي أو الاعتراف بدورهم المحوري في إنجاح التظاهرة.
ولفت إلى أن المعرض في نسخته الحالية لا يحترم الحد الأدنى من شروط التنظيم الجيد، لا من حيث الفضاء ولا من حيث الخدمات، موضحاً أن مكان المعرض بالرباط يفتقر إلى تجهيزات ومرافق أساسية، مثل المصليات، والمراحيض، وفضاءات الراحة، إلى جانب غياب مطاعم بأسعار مناسبة، وندرة أماكن الإقامة والنقل، ما تسبب في معاناة كبيرة للمشاركين، خاصة القادمين من خارج المدينة.
وذكر المعتصم أن العديد من الناشرين اضطروا إلى ركن سياراتهم بعيداً عن مكان المعرض، واستعمال وسائل نقل بديلة للوصول، في ظل غياب أي حل بديل من طرف المنظمين، سواء على مستوى التنقل أو الإقامة أو حتى الدعم اللوجستيكي. مشيرا إلى أن المشاركين لم يجدوا فضاءات للاستراحة أو خدمات تلائم طبيعة عملهم طوال أيام المعرض.
♦ضعف الخدمات
وفي سياق انتقاده لتوجهات الوزارة، شدد المعتصم على أن الخلل لا يقتصر فقط على البنية التحتية، بل يشمل فلسفة تنظيم المعرض بأكملها، والتي باتت تُدار – على حد تعبيره – بمنطق الربح لا بمنطق الخدمة العمومية.
وساءل المعتصم عن مآل الميزانيات الضخمة التي تُرصد سنوياً لتنظيم هذه التظاهرة، والتي ارتفعت خلال السنوات الأخيرة، دون أن تنعكس على جودة التنظيم، أو تحسّن من ظروف العرض والاستقبال.
وأبان أن مقارنة بسيطة بين موقع المعرض الحالي بالرباط، والموقع السابق بمدينة الدار البيضاء، تُبرز حجم التراجع في مختلف المؤشرات، حيث كانت البيضاء تتيح فضاءً واسعاً ومجهزاً بالقرب من مرافق حيوية كالفنادق والمواقف والمطاعم والمساجد، بينما يعاني الزائر اليوم في الرباط من ضعف البنية التحتية وتدهور الخدمات المصاحبة.
وبخصوص هيمنة المؤسسات الرسمية على المساحات الكبرى للعرض، أبدى المعتصم قلقاً بالغاً، معتبراً ذلك “تشويهاً لطبيعة المعرض وطمساً لدوره الثقافي والتربوي”، مضيفاً أن هذه المؤسسات لا تلتزم بقواعد المنافسة الشريفة، حيث تبيع كتباً بأسعار أقل، رغم أنها لا تتحمل نفس التكاليف أو الضرائب أو رسوم الكراء المفروضة على باقي العارضين، مما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في الصميم.
ووصف المتحدث صمت الوزارة إزاء هذه الممارسات بأنه تواطؤ صريح، مشدداً على أن التمييز في المعاملة بين المؤسسات الرسمية والمهنيين ينسف مصداقية الوزارة ويبرز غياباً صارخاً لمبدأ العدالة في توزيع الأعباء والفرص داخل المعرض.
وقال المهني في هذا السياق: “من غير المقبول أن تفرض الوزارة أثماناً مرتفعة على الكتبيين، بينما تُفسح المجال لجهات تابعة لها لارتكاب خروقات قانونية دون حسيب أو رقيب”.
♦انحراف المعرض
أعرب المعتصم عن أسفه العميق لما آل إليه وضع المعرض، الذي كان يُعتبر أحد أبرز معالم الحياة الثقافية بالمغرب، معتبراً أن الكتبيين باتوا يشعرون بأنهم مُقصون من هذه التظاهرة، ليس فقط على مستوى الحضور المادي، بل أيضاً على مستوى الاعتراف برمزية وجودهم ودورهم المهني داخل المنظومة الثقافية
وأكد أن رابطة الكتبيين بالمغرب بصدد إعداد بيان رسمي ستُعلن فيه موقفها من هذه الدورة، وستدعو فيه إلى إطلاق نقاش وطني جاد حول مستقبل المعرض، وإعادة التفكير في موقعه ضمن السياسات العمومية الثقافية، موضحاً أن استمرار تنظيمه على هذا النحو لن يُنتج سوى مزيد من الإقصاء والتجريف، وسيُحول الثقافة إلى سلعة نُخبوية تُباع بأثمان خيالية في سوق بلا عدالة ولا روح.
واختتم المعتصم تصريحه بالتأكيد على أن نجاح المعرض الدولي للكتاب يمرّ عبر احترام الفاعلين الحقيقيين في القطاع، وردّ الاعتبار للمهنيين، وضمان شروط الكرامة والعدالة لجميع العاملين في مجال النشر والتوزيع.
وحذّر المهني من مغبة تحويل هذه التظاهرة الثقافية إلى مجرد واجهة دعائية أو موسم تجاري، لأن في ذلك، على حد تعبيره، تقويضًا للثقافة وتفريغًا للكتاب من قيمته الرمزية والاجتماعية

