في الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش، اختار جلالة الملك محمد السادس أن يكون خطاب العرش هذا العام محمّلاً برسائل تتجاوز الإشارات البروتوكولية، لتصل إلى عمق المشروع السيادي والحقوقي للمغرب، إذ لم يكن الخطاب مجرد تجديد للثوابت، بل جسّد منعطفًا في فهم الدولة لوظائفها، انطلاقًا من إعادة الاعتبار للحق في الحياة، مرورًا بالدعوة لتسريع العدالة المجالية، وصولاً إلى استيعاب الالتزامات الدولية ضمن هندسة السياسات العمومية، في وقت تتصاعد فيه التحديات الداخلية والخارجية.
وتوقف مراقبون ومحللون عند مؤشرات قوية تضمّنها الخطاب الملكي، أبرزها قرار العفو عن عدد من المحكومين بالإعدام، والدعوة الصريحة إلى ربط التنمية بالكرامة، في رسائل تضع السيادة الوطنية في صلب ورش حقوق الإنسان، بدل أن تكون في تعارض معه، ما يؤكد على أننا أمام تحول بنيوي في المفهوم الرسمي للسيادة، حيث يعلن هذا الخطاب عن بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة والمجتمع، قوامها التمكين بدل الضبط، والإدماج بدل الردع، ما يثير تساؤلاً واضحا حول مدى قدرة السياسات العمومية القادمة على أن بمستوى الطموح الذي رسمه الملك.
نقلة تنموية وعدالة مجالية.. الملك محمد السادس يرسم معالم صعود المغرب الاقتصادي
❖ العدالة والكرامة
يرى مشيج القرقري، الباحث في السياسات العمومية والعلاقات الدولية، أن خطاب العرش في ذكراه السادسة والعشرين شكّل لحظة مفصلية في مسار التحول الحقوقي والدستوري بالمغرب، حيث حمَل الخطاب توجهًا نوعيًا يُخرِج قضايا الحقوق من دائرة الزخرفة السياسية إلى دائرة القرار السيادي الملزِم.
ويشير القرقري في تصريح لجريدة “شفاف”، إلى أن الخطاب لم يتوقف عند الإعلانات، بل قدّم مؤشرات عملية على الإرادة الملكية لتعزيز أسس دولة الكرامة والحق، بما يعكس فهمًا متقدمًا لوظيفة الدولة في المرحلة الحالية.
وهذا التحول، بحسب المتحدث، لا يُمكن فصله عن التراكم الحقوقي والمؤسساتي الذي راكمته المملكة، بل يمثل لحظة استكمال لمسار تأسيسي طويل بدأ مع هيئة الإنصاف والمصالحة، وتطوّر عبر دسترة الحقوق، ويجد اليوم ترجمته في قرارات حاسمة مثل العفو عن المحكومين بالإعدام.
وذكر الباحث في السياسات العمومية والعلاقات الدولية، أنه هكذا يتموقع خطاب العرش، ضمن سياق أوسع من الإصلاح السيادي، وليس كحدث ظرفي أو تجميلي.
وأكد أن هذا التوجه يعكس تصوّرًا جديدًا للشرعية السياسية؛ مبنيًا على أثر السياسات في واقع الناس، وليس فقط على شرعية الإنجاز أو التاريخ، وهذا ما يجعل من خطاب العرش وثيقة سياسية ذات طابع تأسيسي، لا سيما فيما يخص العلاقة بين التنمية والكرامة، وبين السلطة والمسؤولية.
❖ العفو والإلغاء الرمزي
يصف القرقري قرار العفو الملكي عن عدد من المحكومين بالإعدام وتحويل عقوباتهم إلى أحكام سالبة للحرية، بأنه قرار يتجاوز التقنية القضائية إلى الفعل السيادي المؤسس، مبرزًا أن هذه المبادرة، وإن اتخذت طابعًا قانونيًا، فإنها تنطوي على شحنة رمزية وأخلاقية عالية، بالنظر إلى التوقيت والسياق الإقليمي والدولي المتغير.
ويرى أن توقف المغرب عن تنفيذ أحكام الإعدام منذ 1994، لم يكن كافيًا لإقناع المراقبين الدوليين بصدقية المسار الحقوقي، ما دام النص القانوني يظل يحتفظ بهذه العقوبة، لافتا إلى أنه من هنا تأتي أهمية الخطوة الملكية باعتبارها تدشينًا غير معلن لمسار الإلغاء القانوني التدريجي لهذه العقوبة.
ويستند القرقري في تحليله إلى الفصل 20 من الدستور، الذي يكرّس الحق في الحياة كحق مطلق وغير قابل للتقييد، ما يجعل العفو تعبيرًا عن التزام دستوري بقدر ما هو قرار سياسي، وهو ما يدفعه للمطالبة بتحرك تشريعي يعزز هذا المسار، حتى لا تظل القرارات السيادية رهينة القراءات الظرفية أو التحفظات الشكلية.
❖ صدى خارجي ودلالات دولية
يؤكد القرقري أن الصدى الإيجابي الذي لقيه القرار الملكي من قبل عدد من المنظمات الدولية، لا يعكس فقط توافقًا مع المعايير الحقوقية العالمية، بل يُشكّل اعترافًا ضمنيًا بدور المغرب كفاعل مسؤول في المنظومة الأممية لحقوق الإنسان، موضحا أن هذه الخطوة تمكن المغرب من الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة في القضايا الحقوقية الشائكة.
وأشار إلى أن استقبال القرار الملكي في المحافل الدولية أعطى للخطاب الملكي بُعدًا دبلوماسيًا يعزز المكانة الاعتبارية للمغرب، ويقوي موقعه التفاوضي في المنتديات الأممية المعنية بالحقوق والعدالة، وهو ما يعني وفقه، أن الإصلاحات الحقوقية ليست فقط استجابة داخلية، بل أداة سيادية لتحسين تموقع المغرب في النظام العالمي الجديد.
وأضاف أن هذا المسار، إن اكتمل بإجراءات تشريعية وتنفيذية مواكبة، يمكن أن يحوّل التجربة المغربية إلى نموذج مرجعي في المنطقة؛ خاصة وأن العديد من دول الجوار لا تزال تعتمد عقوبة الإعدام كأساس للردع، دون مراعاة التطورات الكونية في هذا المجال.
❖ الالتزامات والسيادة
لا يتردّد القرقري في ربط هذا التحول الحقوقي العميق بمدى احترام المغرب لالتزاماته الدولية، معتبرا أن الالتزام لم يعد خيارًا، بل جزءًا من السيادة الوطنية ذاتها، مشيرا إلى أن الفصل 55 من الدستور المغربي ينص على سمو المعاهدات الدولية على القانون الداخلي، وهي قاعدة قانونية بدأت تتجسد في سياسات عمومية حقيقية.
ويستعرض في هذا السياق مصادقة المغرب منذ 1979، على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وما تبع ذلك من ترجمة تدريجية لهذا الالتزام عبر مشاريع الحماية الاجتماعية، والتأمين الصحي، وتوسيع الولوج إلى التعليم، ومحاربة الفقر، باعتبارها أركان الدولة الاجتماعية.
المنصات الجهوية للمخزون والإغاثة.. رؤية ملكية متكاملة لتعزيز الصمود الترابي وتدبير الكوارث بالمملكة
ويرى القرقري أن الدولة الاجتماعية التي تحدّث عنها الملك، ليست شعارًا ظرفيًا، بل رؤية سيادية تنبع من الإرادة الوطنية، وترتكز على العدالة المجالية والكرامة الإنسانية؛ بعيدًا عن منطق الإملاءات أو الأجندات المفروضة.
❖ تنمية مشروطة بالكرامة
يتوقف القرقري عند مقطع دال في الخطاب الملكي، حين عبّر الملك عن رفضه لأي تنمية لا تُترجم إلى تحسين ملموس في حياة المواطنين، معتبرا أن هذا التصريح يرقى إلى مستوى التوجيه الدستوري، لأنه يضع معيارًا واضحًا للحكم على السياسات العمومية.
ويُشدد على أن التنمية في التصور الجديد، ليست عملية اقتصادية بحتة، بل مشروع مجتمعي متكامل، يشترط توفر العدالة المجالية، والتمكين المحلي، والحماية الاجتماعية، لافتا إلى أن خطاب العرش وضع بذلك مقياسًا جديدًا لنجاح الدولة، يُقاس بمدى انعكاس النمو الاقتصادي على واقع الفئات الهشة.
ويؤكد الباحث في السياسات العمومية والعلاقات الدولية، على أن ربط الخطاب بين التنمية وأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، يعكس انسجام المغرب مع الأجندة الكونية من جهة، ومع حاجياته المحلية من جهة أخرى، ويكرّس مفهوم “التنمية العادلة” كمفهوم بديل للنمو غير المتكافئ.
❖ الجهوية والعدالة الترابية
اعتبر القرقري أن الدعوة إلى تسريع العدالة المجالية، وتفعيل مشاريع تأهيل ترابي مندمج، ليست تكرارًا لمطالب سابقة، بل تعبر عن نضج في تصور الدولة لأدوار الجماعات الترابية.
وأردف الباحث في السياسات العمومية والعلاقات الدولية، أنه بقدر ما أن الجهوية المتقدمة رهان إداري، فهي أيضًا رهـان سياسي على إعادة توزيع السلطة والثروة بشكل عادل.
ويرى أن هذا الورش لن ينجح إلا بمنح الجماعات الوسائل المالية والتقنية الفعلية لصياغة وتنفيذ سياساتها المحلية، مع تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأضاف أن العدالة الترابية ليست فقط أداة لتقليص الفوارق، بل هي لبنة أساسية في بناء الدولة الاجتماعية التي بشر بها الخطاب الملكي.
❖ سيادة حقوقية متجددة
يؤكد القرقري على أن ذكرى عيد العرش لهذا العام، لا ينبغي أن تُقرأ فقط في بعدها الاحتفالي، بل باعتبارها لحظة تعاقد جديدة بين الدولة والمجتمع.
وشدد على أن خطاب العرش رسم ملامح دولة جديدة، لا ترى في الحقوق ترفًا، بل أساسًا للسيادة، ولا في التنمية مجرد مؤشرات، بل مشروعًا إنسانيًا يُقاس بمدى صون الكرامة.
ثورة تنموية مسنودة بانتقال ديمقراطي ونجاح دبلوماسي.. حصيلة 25 عاما من عهد الملك محمد السادس
وأبرز أن المغرب يوجد اليوم على عتبة تحول حقوقي متماسك، يتطلب مواكبة سياسية وتشريعية تتجاوز الحسابات الظرفية، وتُترجم الإرادة الملكية إلى هندسة مؤسساتية تُحصّن مكتسبات العقدين الماضيين، وتفتح آفاقًا جديدة أمام الدولة والمجتمع معًا.

