أحال رئيس مجلس النواب إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، قصد إبداء الرأي، وذلك في إطار مواصلة إصلاح منظومة العدالة وتعزيز جودة المهن القانونية والقضائية. ويأتي هذا الإحالة انسجاما مع مقتضيات القانون التنظيمي للمجلس، ومع الرهانات المرتبطة بتحديث الممارسة التوثيقية وتقوية الثقة في العقود والمعاملات.
اعتمد المجلس في إعداد رأيه مقاربة تشاركية موسعة، شملت جلسات إنصات مع فاعلين مؤسساتيين ومهنيين وخبراء، إضافة إلى نقاشات داخلية لمجموعة العمل المكلفة. وقد صادق المجلس بالإجماع على هذا الرأي خلال دورته العادية، باعتباره خلاصة تحليل متعدد الأبعاد يجمع بين القانوني والمؤسساتي والاجتماعي.
♦السياق العام
استعرض المجلس التطور التاريخي لمهنة العدول باعتبارها أحد أقدم أشكال التوثيق بالمغرب، حيث انتقلت من ممارسة تقليدية مرتبطة بالفقه الإسلامي إلى تنظيم قانوني تدريجي بدأ مع بدايات القرن العشرين، وصولا إلى قانون 16.03 الذي شكل محطة أساسية في تحديث الإطار القانوني.
أبرز التقرير أن نظام التوثيق في المغرب يقوم على ازدواجية بنيوية تجمع بين العدول والموثقين، حيث يتقاسم الطرفان مجالات مشتركة في التوثيق المدني والعقاري، مع احتفاظ كل منهما باختصاصات حصرية: العدول في المجال الشرعي والأحوال الشخصية، والموثقون في المجال التجاري والاقتصادي.
♦تحليل مشروع القانون 16.22
حلل المجلس بنية مشروع القانون الذي يتكون من 203 مواد موزعة على 15 بابا، تغطي شروط الولوج، المزاولة، الحقوق والواجبات، التوثيق، الرقابة، التأديب، والهيكلة المؤسساتية للهيئة الوطنية والمجالس الجهوية.
سجل المشروع تحولا مفاهيميا من “خطة العدالة” إلى “مهنة العدول”، مع إعادة صياغة شروط الولوج، وتحديث منظومة التكوين، وإقرار التكوين المستمر، وتوسيع الواجبات المهنية، وإدماج الرقمنة، وتعزيز المسؤولية المهنية، وتنظيم الجوانب المالية بشفافية أكبر.
لاحظ المجلس وجود بعض الإشكالات المنهجية، أبرزها غياب دراسة أثر شاملة ترافق المشروع، وعدم تحديد آجال واضحة لإصدار النصوص التنظيمية، مما قد يحد من فعالية تنزيل عدد من المقتضيات الأساسية.
♦أبرز الملاحظات الجوهرية
وقف المجلس عند استمرار آليات تقليدية في التوثيق، من أبرزها نظام “خطاب القاضي”، وازدواجية التلقي، وشهادة اللفيف، وهي آليات تطرح إشكالات تتعلق بالنجاعة، وتعدد المتدخلين، والبطء الإجرائي، وأثر ذلك على الأمن التعاقدي.
نبه التقرير إلى أن خطاب القاضي، رغم دوره الرقابي، قد يؤدي إلى إبطاء المعاملات وإثارة إشكالات عملية، مع غياب معطيات دقيقة لقياس فعاليته، مما يستدعي مراجعة توازن العلاقة بين السرعة الإجرائية والرقابة القانونية.
سجل المجلس كذلك استمرار ثنائية التلقي (وجود عدلين معا)، واعتبرها خيارا يحتاج إلى تقييم في ضوء التجارب المقارنة والتحولات الحديثة في مهن التوثيق، خاصة مع توسع الرقمنة وتطور المسؤولية المهنية الفردية.
أثار التقرير إشكال شهادة اللفيف، سواء من حيث عدد الشهود أو صعوبة تطبيقها في السياق الديموغرافي والاجتماعي الحالي، إضافة إلى محدودية ملاءمتها مع متطلبات الإثبات الحديثة.
لاحظ أيضا غياب إطار واضح لتدبير الودائع، رغم أهميته في حماية حقوق المتعاقدين وضمان استكمال المساطر دون مخاطر قانونية أو مالية.
♦التوصيات
دعا المجلس إلى تعزيز دراسة الأثر التشريعي قبل وأثناء وبعد اعتماد النصوص القانونية، وإرساء تقييم شامل لمدى نجاعة الإصلاحات على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية.
أوصى بالإسراع بإصدار النصوص التنظيمية المرافقة للقانون، وتحديد آجال واضحة لتفعيلها، ضمانا لفعالية المقتضيات القانونية وعدم تعطيلها.
اقترح المجلس تعزيز استقلالية العدول وتحديث الإطار التنظيمي للمهنة، مع تطوير التكوين الأساسي والمستمر، ورفع مستوى التأهيل العلمي، بما يواكب تطور المعاملات.
شدد على تسريع التحول الرقمي عبر اعتماد منصات إلكترونية للتوثيق، وإدماج أدوات الذكاء الاصطناعي، وتطوير أنظمة التوقيع الرقمي، بما يعزز الشفافية والنجاعة.
أكد على ضرورة مراجعة بعض الآليات التقليدية مثل خطاب القاضي وشهادة اللفيف، واعتماد حلول رقمية حديثة، مع الحفاظ على ضمانات الأمن القانوني.
وجدد المجلس التأكيد على أن تطوير مهنة العدول يمر عبر تعزيز الاستقلالية المهنية، وتكريس التحديث الرقمي، وتوحيد معايير الجودة، بما يضمن خدمة توثيقية أكثر كفاءة وموثوقية للمواطنين.

