في خطوة تحدد ملامح السياسة الاقتصادية والاجتماعية للمرحلة المقبلة، وجه رئيس الحكومة عزيز أخنوش مذكرة توجيهية لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2026، ركزت على أربع أولويات كبرى تشمل رفع نسبة النمو الاقتصادي إلى 4.5%، وخفض عجز الميزانية إلى 3% من الناتج الداخلي الخام، والتحكم في المديونية في حدود 65.8%، إلى جانب خلق فرص شغل جديدة وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، وهذه المذكرة التي اعتبرتها الحكومة امتدادًا لرؤية استراتيجية مستمرة على مدى أكثر من عقدين، وضعت الاستثمار، والقطاعات الإنتاجية الواعدة، والبنيات التحتية الحديثة، في صلب آليات الإنعاش الاقتصادي وترسيخ مكانة المغرب كدولة صاعدة.
ولكن هذه الأهداف الطموحة تطرح في المقابل تحديات واقعية تتعلق بقدرة الاقتصاد الوطني على تحمل ضغوط التمويل في ظل الظروف المناخية والمالية الدولية، ومدى جاهزية القطاعات الاقتصادية لاستيعاب برامج التشغيل المعلنة، فضلًا عن قدرة السياسات العمومية على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية في وقت وجيز، كما يفتح المشروع الباب أمام تساؤلات غير مباشرة حول إمكان التوفيق بين الإنعاش السريع والحفاظ على توازن المالية العمومية، وبين الاستثمارات الكبرى والتحكم في المديونية، في سياق تنافسي عالمي تتسابق فيه الدول على جذب رؤوس الأموال وتحقيق الأمن المائي والغذائي.
وزارة الاقتصاد والمالية تكشف عن توجهات قانون مالية 2026 للنمو والدولة الاجتماعية
❖ رهانات النمو
أكد إدريس العيساوي، الخبير والمحلل الاقتصادي، أن الرسالة التأطيرية التي وجهها رئيس الحكومة لأعضاء الجهاز التنفيذي بشأن الإطار العام لتحضير ميزانية 2026، تقوم على أربع مرتكزات أساسية، أبرزها السعي لتحقيق نسبة نمو تصل إلى 4.5%، وهو رقم يعتبره معقولًا وواقعيًا في ضوء مؤشرات الاقتصاد الوطني.
وأوضح العيساوي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذه النسبة ليست جديدة على النقاش الاقتصادي، إذ سبق لوالي بنك المغرب أن توقع نموًا في حدود 4.6%، كما ذهبت المندوبية السامية للتخطيط إلى نفس الرقم المعلن عنه من طرف الحكومة (4.5%)، ما يعكس تقاطع الرؤى الرسمية والمؤسساتية بشأن قدرة الاقتصاد على بلوغ هذا الهدف.
وأشار إلى أن هذا التفاؤل يستند إلى النتائج الإيجابية التي حققها المغرب سنة 2025 في قطاعات إنتاجية وازنة مثل السياحة، والتكنولوجيات الحديثة، وصناعة السيارات، وغيرها من الصناعات الموجهة للتصدير.
الحكومة تخطط لزيادة معدل النمو إلى 4.6 % في 2025.. فهل يجد هذا الرقم صدا له على أرض الواقع؟
وأبرز الخبير والمحلل الاقتصادي، أن هذه القطاعات أثبتت قدرتها على دعم النمو وتوليد فرص العمل، خصوصًا إذا ما استمرت وتيرة الاستثمارات والدعم الحكومي الموجه لها.
وشدد على أن الرهان الأكبر يكمن في تجاوز إكراهات القطاع الزراعي، الذي ظل لسنوات رهينة للتقلبات المناخية وشح التساقطات المطرية، مشيرًا إلى أن الحكومة واجهت في السنوات الأخيرة توالي مواسم الجفاف.
واستطرد أن تلك التحديات دفعت الحكومة إلى اتخاذ تدابير مهمة لترشيد استعمال المياه وتطوير إعادة استعمال المياه العادمة في السقي، إلى جانب مشاريع استراتيجية كالطرق السيارة للماء، لنقل الموارد من المناطق الغنية بالمياه إلى الأماكن الأخرى التي تعاني العجز فيها.
❖ أثر البنيات التحتية
يرى العيساوي أن استمرار المشاريع الكبرى، خاصة تلك المرتبطة بتنظيم بطولة إفريقيا لكرة القدم 2025، ثم نهائيات كأس العالم 2030، سيساهم في تنشيط الاقتصاد وخلق دينامية في قطاعات البناء، النقل والسياحة والخدمات.
وأضاف الخبير والمحلل الاقتصادي، أن هذه الأوراش لا ترتكز على تمويل من مصدر واحد، بل تعتمد على تنويع الموارد ومساهمة القطاع الخاص والشراكات الدولية.
ونبّه إلى ما ورد في تقرير بنك المغرب لسنة 2024، الذي أشار إلى استمرار معدلات البطالة عند مستويات مرتفعة مقارنة بالسنوات السابقة، لكنه أكد أن ذلك لا ينبغي أن يُضعف من عزيمة المقاولين أو يقلل من أهمية الاستثمارات الجارية.
وأردف المتحدث ذاته، أن العجلة الاقتصادية مرشحة للاستمرار في الدوران بفضل هذه المشاريع والبنيات التحتية التي تمثل رافعة اقتصادية قوية.
خفض سعر الفائدة.. قراءة في تأثيراته المرتقبة على المقاولات والاستثمار وفرص الشغل
ولفت إلى أن الحكومة تعمل على تطوير النظام الجبائي وتحسين مردودية التحصيل الضريبي عبر نقل بعض المهام من الخزينة العامة إلى مديرية الضرائب، بهدف توفير موارد مالية إضافية تسمح بتمويل الاستثمار مع التحكم في عجز الميزانية، وهو ما يعكس مقاربة متوازنة بين الإنفاق والموارد.
❖ معادلة العجز والاستثمار
في نظر العيساوي، فإن أي حكومة مسؤولة في ظرفية اقتصادية دقيقة تبدأ بتقليص عجز الميزانية، عبر ضبط النفقات وتجنب المصاريف غير الضرورية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على وتيرة الاستثمار في المشاريع ذات الأولوية.
وأوضح الخبير والمحلل الاقتصادي، أن المغرب يبرمج استثماراته وفق رؤية متوسطة وطويلة المدى، ما يجعله قادرًا على تمويل أوراشه الكبرى دون المساس بالاستقرار المالي.
المؤشرات الاقتصادية للمغرب.. هل تكفي السياسة النقدية لتحريك الطلب في ظل تآكل القدرة الشرائية؟
وذكر أن تقليص العجز لا يعني الانكماش الاقتصادي، بل يفرض على المسؤولين الماليين مراقبة أدائهم للحفاظ على التوازنات؛ خصوصًا وأن الموارد الضريبية والاستثمارات الأجنبية توفر قاعدة تمويلية يمكن البناء عليها.
في السياق ذاته، أكد أن الحكومة تراهن على الاستمرار في المشاريع المهيكلة لأنها تمثل حجر الأساس لتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في الحفاظ على هذا التوازن في ظل ضغوط داخلية وخارجية، سواءً تعلق الأمر بمتطلبات الإنفاق الاجتماعي أو تأثير الأوضاع الاقتصادية العالمية على تدفقات الاستثمار والتجارة.
❖ فرص الشغل
أوضح العيساوي أن القطاعات الإنتاجية الواعدة، مثل صناعة السيارات والطاقة المتجددة، تتيح فرص عمل مباشرة وغير مباشرة؛ شرط مواصلة تحفيزها بالاستثمارات الجديدة والحوافز الجبائية.
واعتبر أن هذه القطاعات لم تعد تعتمد فقط على اليد العاملة منخفضة التكلفة، بل تتطلب كفاءات مهنية عالية، مما يعزز جودة فرص العمل المطروحة.
وأكد أن المغرب يطور استثماراته وفق منظور إنتاجي متكامل، بحيث تشكل هذه المشاريع قيمة مضافة للاقتصاد الوطني وتساهم في امتصاص البطالة؛ خاصة بين الشباب وحاملي الشهادات.
مفارقات أرقام سوق الشغل المغربي في 2025.. تراجع في البطالة أم تمدد للشغل الناقص؟
وشدد على أن توفير فرص الشغل لن يكون مهمة صعبة إذا ما استمر الاستثمار في القطاعات التي أثبتت قدرتها على التصدير وجذب الرساميل.
وأضاف أن خلق الشغل ينبغي أن يوازيه الحفاظ على الوظائف القائمة، لتفادي أي آثار سلبية على سوق العمل، بما يضمن استدامة النمو واندماج الفئات النشيطة في الدورة الاقتصادية.
❖ العدالة المجالية
اعتبر العيساوي أن تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية يشكل أحد الأهداف الرئيسية لمشروع ميزانية 2026، مؤكدًا أن هذا التحدي يتطلب برامج إنتاجية واقتصادية موجهة، وليس فقط مبادرات اجتماعية ظرفية.
وذكّر الخبير والمحلل الاقتصادي، بأن أكثر من نصف الميزانية العمومية تُوجَّه للقطاعات الاجتماعية، إلى جانب جهود بارزة في مجال التغطية الاجتماعية وإصلاح أنظمة التقاعد.
وأشار إلى أن الفوارق الاجتماعية لن تزول بشكل كامل في المدى القريب، لكنها قابلة للتقليص عبر سياسات ميدانية مستمرة تعزز التضامن بين الطبقات والفئات والمجالات، سواءً بين المدن والقرى أو داخل المراكز الحضرية الجديدة.
وأكد أن هذا التوجه ينسجم مع رؤية التنمية المندمجة التي تراهن على إشراك جميع الفاعلين في صياغة وتنفيذ المشاريع.
وحذر من أن نجاح هذه المقاربة يتوقف على التنسيق الفعّال بين السياسات القطاعية، وتوجيه الموارد نحو المناطق الأكثر هشاشة، حتى يشعر المواطنون بثمار النمو بشكل ملموس ومتوازن.
❖ جاذبية الاستثمار
يشدد العيساوي على أن استثمار البنيات التحتية الحديثة والمشاريع الكبرى يجب أن يترجم إلى تعزيز جاذبية المغرب للاستثمار الأجنبي والمحلي، مع ضمان استدامة مالية على المدى البعيد.
ولفت إلى أن تنظيم تظاهرات رياضية كبرى، وتوسيع شبكة القطارات الفائقة السرعة، وإطلاق مشاريع استراتيجية مثل ميناء الداخلة؛ كلها أوراش تفتح آفاقًا جديدة للتنمية.
وأضاف الخبير والمحلل الاقتصادي، أن نجاح هذه المشاريع يعتمد على التحكم في برمجتها وتمويلها، وعدم تركها رهينة للعجز أو سوء التدبير.
وأوضح أن سنة 2026 ستكون محطة سياسية واقتصادية فاصلة، باعتبارها سنة انتخابية ونهاية الولاية الحكومية الحالية، ما يجعل من إنجاز الأهداف المعلنة اختبارًا لقدرة الحكومة على الاستمرار بنفس الوتيرة.
ولفت إلى أن المغرب يتوفر على الإمكانيات البشرية والمادية لتجاوز التحديات، وتحقيق نمو متوازن يجمع بين رفع المؤشرات الاقتصادية وتحقيق العدالة الاجتماعية، إذا ما استمرت نفس الدينامية الإصلاحية والانفتاح على الفرص الاستثمارية المستقبلية.

