في خضم النقاش الوطني المتصاعد حول مشروع قانون المالية لسنة 2026، تعود إلى الواجهة إشكالية الإصلاح الضريبي باعتبارها أحد الركائز الأساسية لأي تحول اقتصادي منشود، وبين انتظارات الطبقة الوسطى، وضغوط المقاولات، وحاجيات الدولة التمويلية، تبدو الحكومة اليوم أمام امتحان دقيق يرهن قدرتها على إرساء عدالة جبائية حقيقية تستجيب لمتطلبات المرحلة، وفي ظل هذا الجدل، ترتفع أصوات الخبراء والمحللين الذين يرون أن ما يُقدم كإصلاحات جزئية لا يرقى إلى مستوى الهيكلة الشاملة القادرة على معالجة الأعطاب العميقة التي ترسخت داخل النظام الجبائي لعقود.
وفي السياق ذاته، تطرح تساؤلات ضمنية تتعلق بمدى تطابق خطاب الإصلاح مع الواقع، وبمن يتحمل فعليًا تكلفة هذه الإجراءات الضريبية التي توصف رسميًا بـ”الملائمة” و”الداعمة للنمو”، وبينما تُبرز المؤشرات الحكومية ارتفاع الموارد الجبائية، يطرح الخبراء الاقتصاديون أسئلة غير مباشرة حول مصادر هذا الارتفاع، وحول الفئات التي تحملت وزره، والقطاعات التي ما زالت تستفيد من إعفاءات واسعة.
❖ خلل بنيوي قديم
يرى نجيب أقصبي، الخبير والمحلل الاقتصادي، أن ما تسوقه الحكومة في مشروع قانون المالية 2026 بخصوص “إصلاح الضريبة على الدخل” لا يمثل في جوهره سوى تعديلات شكلية محدودة الأثر.
وأوضح أقصبي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الحد الأدنى من الشريحة المعفاة من الضريبة، من 30 ألف درهم إلى 40 ألف درهم، وتعديل بعض تفاصيل البنية التصاعدية، لا يعالج الإشكال الحقيقي المتمثل في تعدد الأنظمة وازدواجيتها وتعقيداتها.
وأردف أن الشرائح والمداخيل المختلفة تستمر في الخضوع لقواعد غير متجانسة، وتستمر الامتيازات المتفرقة في تشكيل منظومة ضريبية غير منسجمة وغير عادلة.
مشروع قانون مالية 2026 بين طموح النمو وتقليص العجز.. هل تنجح الحكومة في تحقيق المعادلة الصعبة؟
وشدد على أن جوهر الخلل يكمن في هيمنة الاستثناءات على النظام الجبائي، وأن الضريبة على الدخل لم تعد أداة لتوزيع عادل للعبء، بل تحولت إلى عبء يثقل كاهل الطبقة الوسطى على وجه الخصوص، باعتبارها الفئة التي تتحمل الجزء الأكبر من الاقتطاعات، فيما تستفيد فئات أخرى من امتيازات غير مبررة اقتصاديًا.
❖ عبء الطبقة الوسطى
بحسب المحلل الاقتصادي، فإن “التصاعدية” التي يفترض أن تُحقق العدالة الجبائية تحولت إلى آلية تثقل كاهل الفئات المتوسطة دون غيرها.
وأضاف أقصبي أن الأغنياء وأصحاب الامتيازات المهنية والقطاعية يجدون منافذ للاستفادة من الإعفاءات، بينما يظل الأجراء والموظفون تحت وطأة ضريبة لا ترحم.
وأشار إلى أن الطبقة الوسطى كانت ولا تزال تتحمل القسط الأكبر من الضريبة على الدخل، وأن الوضع مرشح لمزيد من التفاقم في ظل التعديلات المقترحة.
واعتبر أن الإصلاح الحقيقي كان يجب أن يطال هيكلة المنظومة برمتها، وليس الاكتفاء بتحريك بسيط لبعض الأرقام؛ إذ إن المشكلة ليست في حدود الشرائح فحسب، بل في الفلسفة العامة للنظام الجبائي التي تسمح باستمرار الامتيازات الفئوية.
❖ امتيازات ثابتة
يشدد أقصبي على أن “النفقات الضريبية”، أي الامتيازات والإعفاءات، ما تزال قائمة دون تغيير في مشروع قانون المالية 2026، وتبلغ قيمتها حسب آخر الأرقام نحو 230 مليار درهم، واصفًا إياه بـ“جوهر اقتصاد الريع”، الذي يعكس تضارب مصالح واضحًا يحول دون أي إصلاح حقيقي.
خفض سعر الفائدة.. قراءة في تأثيراته المرتقبة على المقاولات والاستثمار وفرص الشغل
واعتبر أن بقاء هذه الامتيازات دون مراجعة جذرية هو أكبر دليل على محدودية ما تقدمه الحكومة تحت عنوان الإصلاح، لأن أي عدالة جبائية تقتضي أولاً تقليص مساحات الإعفاء والاستثناء التي يستفيد منها جزء من الفاعلين دون سند اقتصادي واضح.
❖ إصلاح مضاد
لا يتردد أقصبي في وصف ما يسمى بـ”الإصلاح” بأنه “إصلاح مضاد”، لأنه في رأيه لا يُصحح اختلالاً، بل يعمقه، مقدمًا مثالاً صارخًا من الضريبة على الشركات.
وأوضح أن الأرباح الأقل من 300 ألف درهم انتقلت من 10% إلى 20% بالنسبة للشريحة الأعلى، وهي إجراءات يعتبرها زيادة مباشرة في العبء الضريبي على صغار المقاولات.
التضخم ينهك القدرة الشرائية للمغاربة.. هل تنجح التدابير الحكومية في إنعاش السوق والتشغيل؟
وكشف عن أن 16% فقط من الشركات تصرح بأرباح تفوق 300 ألف درهم، بينما 84% إما تصرح بأرباح أقل أو لا تصرح إطلاقًا، وهو ما يعني أن قاعدة الوعاء الضريبي نفسها مختلة وأن جزءًا كبيرًا من النسيج المقاولاتي يعمل خارج التصريح الحقيقي.
ولفت إلى أن الزيادة في الموارد الجبائية الناتجة عن هذه التعديلات ليست دليلاً على نجاح الإصلاح، بل على العكس، تُظهر أن العبء انتقل نحو الفئات الأقل قدرة، بينما ظلت الامتيازات قائمة.
❖ ضريبة القيمة المضافة
في تحليله للضريبة على القيمة المضافة، يبرز أقصبي أن الوضع لا يختلف كثيرً، فأكثر من 90 % من السلع والخدمات أصبحت خاضعة لنسبة 20%، وهي النسبة القصوى، ما يجعل هذه الضريبة -بطبيعتها غير العادلة- موردًا كبيرًا للدولة على حساب القدرة الشرائية للمواطنين.
ويرى أن رفع الموارد الضريبية بهذه الطريقة لا يمثل إصلاحًا بقدر ما يمثل توسعًا في الجباية غير المباشرة، التي هي الأكثر ضغطاً على المواطن العادي.
❖ من يتحمل الكلفة؟
بينما تؤكد الحكومة أن المداخيل الجبائية شهدت ارتفاعًا مهمًا، يدعو أقصبي إلى طرح سؤال: “هذا الارتفاع على ظهر من كان؟”.
وحسب الخبير والمحلل الاقتصادي، لا يمكن اعتبار ارتفاع الموارد دليلاً على نجاعة الإصلاح ما لم تُحدد الفئات التي تحملت هذا الارتفاع؛ وإن كانت الشركات الكبرى أم المستفيدون من الريع أم صغار المقاولات أم المواطن العادي.
المؤشرات الاقتصادية للمغرب.. هل تكفي السياسة النقدية لتحريك الطلب في ظل تآكل القدرة الشرائية؟
واستطرد أنه بما أن الامتيازات لم تمس، وبما أن الضغط الضريبي غير المباشر يرتفع، فالإجابة الضمنية تذهب إلى أن العبء تحمله أولاً الطبقة الوسطى وصغار الفاعلين الاقتصاديين.
❖ ضرورة مراجعة جذرية
يبرز أقصبي أن مسار الإصلاح الجبائي في المغرب يحتاج إلى مراجعة جريئة لا تقتصر على تعديلات تقنية، بل تتجه نحو تفكيك منظومة الإعفاءات، وتوسيع الوعاء الحقيقي، وخلق عدالة ضريبية توازن بين القدرة التكليفية ومردودية النظام الضريبي.
وأردف أن الهدف ليس فقط تعبئة الموارد، بل بناء نموذج ضريبي منصف يعيد الثقة ويحفز الاستثمار ويقوي الطلب الداخلي ويرفع من جودة الخدمات العمومية.
وتابع أن مشروع قانون المالية 2026 لا يسير في هذا الاتجاه، لأنه يضيف أعباء دون أن يقطع مع الامتيازات، ويرفع الموارد دون أن يوسع قاعدة التصريح الحقيقي، ويستهدف شرائح بعينها بينما تُترك أخرى خارج دائرة المساهمة العادلة.

