تدارس الاجتماع الوزاري الذي ترأسه الملك محمد السادس، أمس الأحد، مشاريع القوانين التنظيمية المرتبطة بتخليق الحياة السياسية وضمان نزاهة وشفافية الانتخابات التشريعية المقبلة.
ووفق البلاغ الصادر عقب الاجتماع، ركزت المناقشات على مراجعة المنظومة القانونية المؤطرة لانتخاب أعضاء مجلس النواب، إلى جانب تحيين القوانين المنظمة للأحزاب السياسية، في أفق جعلها أكثر انسجاما مع الدستور ومع متطلبات الحكامة الديمقراطية.
وشمل الجانب الذي تناوله الاجتماع أيضا إقرار تدابير جديدة لدعم مشاركة الشباب دون سن الخامسة والثلاثين في العملية الانتخابية، من خلال تبسيط شروط الترشح وتخصيص دعم مالي يغطي جزءا من مصاريف الحملات الانتخابية، تتحمله الدولة بهدف تشجيع الكفاءات الشابة على خوض غمار المنافسة السياسية.
كما تناول الاجتماع الإجراءات الهادفة إلى تعزيز تمثيلية النساء داخل الهيئات المنتخبة، عبر مراجعة الآليات القانونية المعتمدة وتوسيع قاعدة المشاركة، بما ينسجم مع مبدأ المساواة المنصوص عليه في الدستور.
وفي السياق نفسه، تطرق المجلس إلى تحسين الإطار القانوني المنظم للأحزاب السياسية، قصد تمكينها من أداء أدوارها الدستورية في التأطير والتعبئة، وتطوير آلياتها الداخلية بما يعزز الشفافية والديمقراطية الحزبية.
وتضمن جدول أعمال الاجتماع أيضا مشروع قانون تنظيمي يتعلق بالمحكمة الدستورية، يهدف إلى ضمان مطابقة النصوص التشريعية لأحكام الدستور، وتجويد العمل البرلماني والتشريعي.
وأكد البلاغ أن هذه المشاريع تأتي في إطار استكمال البناء المؤسساتي والديمقراطي، وتجسيد التوجيهات الملكية الداعية إلى تعزيز ثقة المواطنين في العملية الانتخابية، ومحاربة كل مظاهر الفساد أو الاستغلال المالي في المنافسة السياسية.
♦المجلس الوزاري واستجابة الشارع
أكد المحلل السياسي محمد شقير أن المجلس الوزاري الأخير، الذي ترأسه الملك محمد السادس، جاء في سياق تفاعلي مباشر مع المطالب الاجتماعية التي رفعتها التعبيرات الشبابية خلال الأسابيع الماضية.
وذكر شقير في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الخطاب الملكي في افتتاح الدورة الخريفية، إلى جانب القرارات التي أعقبته، شكّلا ردّا مؤسساتيا على تلك المطالب، خاصة فيما يتعلق بإصلاح قطاعات التعليم والصحة ومحاربة الفساد.
وأشار شقير إلى أن ضعف تأطير الأحزاب السياسية وتراجع تواصلها مع الشباب أسهما في بروز تلك الاحتجاجات، معتبرًا أن الدولة التقطت الإشارة بذكاء سياسي حين جعلت من اجتماع المجلس الوزاري محطة تتجاوز النقاش المالي التقليدي إلى فتح ورش سياسي وتنظيمي جديد.
واعتبر أن المجلس تميّز بتركيزه على مشاريع القوانين التنظيمية المرتبطة بتخليق الحياة السياسية وضمان نزاهة الانتخابات التشريعية المقبلة، خصوصًا من خلال مراجعة قوانين مجلس النواب والأحزاب السياسية.
ورأى شقير أن الإجراء المتعلق بدعم الدولة لنحو 75% من تكاليف الحملات الانتخابية لفائدة المرشحين الشباب دون 35 سنة يمثل تحوّلًا نوعيًا يهدف إلى كسر احتكار المشهد الانتخابي من طرف “أصحاب الشكارة” والأعيان الحزبيين، الذين ظلوا لعقود يتحكمون في نتائج الانتخابات بفعل الإمكانيات المالية التي يمتلكونها.
وأضاف أن هذا الدعم من شأنه أن يمنح فرصة حقيقية لوجوه جديدة وشابة للمشاركة في الحياة السياسية، وإعادة بناء الثقة مع الهيئة الناخبة التي فقدت الأمل في النخب التقليدية.
وسجّل أن هذا التوجه يعبّر عن رغبة رسمية في تجديد الدماء داخل البرلمان، وتجاوز حالة “الشيخوخة السياسية” التي طبعت المشهد منذ سنوات، نتيجة استمرار نفس الأسماء في تداول المناصب الانتخابية.
وأبرز أن فتح المجال أمام الشباب والنساء يعد خطوة نحو إعادة الحيوية للمشهد الحزبي، وتحفيز المشاركة السياسية بعد سنوات من العزوف.
♦إصلاح تشريعي ومسار دستوري
أوضح شقير أن من بين أبرز الجوانب التي تناولها المجلس الوزاري أيضًا المسألة المرتبطة بتجويد العمل التشريعي وضمان دستورية القوانين.
وأفاد بأن التعديلات الجديدة المتعلقة بالمحكمة الدستورية والدفع بعدم الدستورية تهدف إلى تعزيز مسؤولية البرلمان في إنتاج نصوص قانونية منسجمة مع روح الدستور، تجنبا لتكرار حالات سبق أن شهدتها بعض القوانين مثل المسطرة المدنية، التي أعيدت للبرلمان بعد ملاحظات المحكمة الدستورية.
وأورد أن تجويد العمل التشريعي سيسهم في ترشيد الزمن السياسي، من خلال تفادي العودة المتكررة إلى النقاشات القانونية المطوّلة، التي تُعيق فعالية المؤسسات وتؤخر الإصلاحات.
ولفت إلى أن الخطاب الملكي الأخير كان واضحًا في انتقاده لهذا البطء، ما جعل الحكومة والبرلمان مطالبين بإيجاد حلول عملية لتسريع وتيرة المصادقة على القوانين دون المساس بجودتها أو بمطابقتها للدستور.
وذهب إلى أن هذه الإجراءات تأتي استكمالًا لمسار الإصلاح المؤسسي والسياسي، الذي يهدف إلى رفع منسوب الثقة في المؤسسات المنتخبة وإعادة الاعتبار للعمل البرلماني.
وشدّد على أن المجلس الوزاري أراد أن يوجه رسالة واضحة إلى النخب السياسية والحزبية مفادها أن المرحلة المقبلة تتطلب كفاءات جديدة ونفسًا سياسيًا مختلفًا قادرًا على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية.
ونبه بأن الربط بين الإصلاح السياسي والإصلاح القانوني خطوة ضرورية لتصحيح التوازن داخل النظام التمثيلي، وضمان أن تظل الانتخابات أداة حقيقية لتجديد النخب لا مجرد واجهة شكلية.
وأظهر أن تحسين الإطار القانوني للأحزاب السياسية سيكون له أثر مباشر على عملية انتقاء المرشحين وعلى جودة الممارسة الحزبية، بما يعيد الاعتبار لمفهوم المسؤولية السياسية والالتزام الأخلاقي.
♦تحديات التطبيق وواقع الأحزاب
ذهب شقير إلى أن التحدي الأكبر لا يكمن في مضمون الإجراءات الحكومية، بل في كيفية تنزيلها، مبرزا أن التجارب السابقة أثبتت أن العديد من الإصلاحات يتم الالتفاف عليها أثناء التطبيق.
وأوضح أن القيادات الحزبية المتحكمة في المشهد السياسي ما زالت ترفض التنازل عن مواقعها، وتستغل الآليات القانونية لتجديد ولاياتها أو لضمان بقاء شبكات الولاء داخل التنظيمات.
وبيّن أن الإشكال الحقيقي ليس في القوانين بل في الإرادة الحزبية، لأن القيادات التي تهيمن على القرار داخل الأحزاب قد تستغل الإجراءات الجديدة — مثل دعم الشباب والنساء — لتكريس حضورها بدل تجديد النخب.
واعتبر أن بعض الأحزاب قد تلجأ إلى توظيف هذه التدابير بطريقة انتقائية، بترشيح شخصيات شابة موالية لها شكليًا دون تمكينها فعليًا من القرار أو من مواقع التأثير.
وشدد أن هذا السلوك يهدد بإفراغ الإصلاحات من مضمونها، ويحولها إلى مجرد واجهة تجميلية لا تُحدث التغيير المنشود. وأشار إلى أن تجديد الحياة السياسية لا يمكن أن يتحقق بقرارات فوقية فقط، بل يحتاج إلى إرادة داخلية ديمقراطية داخل الأحزاب، وإلى مراجعة عميقة لطريقة اشتغالها وآلياتها في اختيار المرشحين.
وأبان شقير أن الأحزاب لو كانت تمتلك مؤسسات داخلية ديمقراطية فاعلة، لما احتاجت الدولة إلى التدخل عبر هذه الإجراءات المالية أو القانونية. وأوضح أن القيادات الحالية تُدرك أن انفتاح المشهد على الشباب يُهدد استمرارها، لذلك تسعى إلى تكييف كل إصلاح مع مصالحها الخاصة.
وكشف أن النصوص التنظيمية الجديدة، رغم أهميتها، تظل رهينة بمدى التزام الأحزاب بتطبيقها بروحها لا بحرفها. فالمطلوب، وفق رأيه، هو أن تُفعّل تلك الإصلاحات بما يضمن فعليًا تجديد النخب، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، وإعادة الثقة في الأحزاب والمؤسسات.
وجدد شقير تأكيده على أن الإشكال ليس في التشخيص ولا في الإرادة الملكية أو الحكومية، بل في المنفذ الحزبي، الذي يظل الحلقة الأضعف في المنظومة السياسية.
ودعا إلى أن تتحمل القيادات الحزبية مسؤوليتها التاريخية في إعادة الاعتبار للفعل السياسي، من خلال الانفتاح على الشباب والكفاءات، واعتماد معايير موضوعية في التزكيات، بعيدًا عن الولاءات الشخصية أو المصالح الضيقة.
وخلص إلى أن نجاح هذه المشاريع التنظيمية سيقاس في النهاية بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في تركيبة البرلمان والمشهد السياسي ككل، لأن أي إصلاح لا يُترجم إلى تجديد في الوجوه والخطاب والممارسة، سيبقى مجرد إعلان نوايا.

