ستتجه أنظار القارة الإفريقية إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، التي ستحتضن بداية العام القادم؛ القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الإفريقي، في ظرفية استثنائية تطبعها تحولات عميقة في ملف الصحراء المغربية، عقب صدور القرار الأممي رقم 2797 الذي رسخ لأول مرة أولوية مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأساس واقعي ووحيد للحل السياسي، حيث إن القرار الأممي الأخير أعاد ترتيب الأوراق داخل الفضاء الإفريقي، إذ من المرتقب أن يشكل ورقة ضغط حاسمة بيد الرباط خلال القمة المقبلة، لطرح مسألة إنهاء عضوية جبهة “البوليساريو” التي ما تزال تمثل آخر مظلة مؤسساتية تمنحها حضورًا رمزيًا داخل المنظمة القارية.
وهذه الدينامية الجديدة تعيد إلى الواجهة صراع النفوذ بين محور الرباط من جهة، وتحالف الجزائر وجنوب إفريقيا من جانب ثاني، في معركة دبلوماسية ينتظر أن تكون من أكثر المواجهات حساسية داخل أروقة الاتحاد الإفريقي منذ عودة المغرب إلى صفوفه قبل عشر سنوات، ما يطرح أيضًا تساؤلات حول إن كانت الرباط ستنجح في تحويل الشرعية الأممية إلى مكسب إفريقي ملموس، وعن الكيفية التي ستتعامل بها العواصم المترددة مع هذا التوجه الجديد الذي يربط الاعتراف داخل المنظمة بشرعية الأمم المتحدة، وكذا الحد الذي يمكن معه أن تُغيِّر موازين التحالفات داخل القارة مسار هذا النزاع الذي بات يتجاوز بُعده الترابي إلى رهانات السيادة والنفوذ الإقليمي.
❖ أساس قانوني
يشدد بلال التليدي، الباحث والمحلل السياسي، على أن أي نقاش حول مستقبل جبهة “البوليساريو” داخل الاتحاد الإفريقي لا يمكن أن ينفصل عن جذور الأزمة القانونية التي طبعت إدخال هذا الكيان إلى منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984.
وأوضح التليدي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن منح ما يسمى “الجمهورية الصحراوية” صفة العضوية جاء في سياق اختلالات واضحة خالفت الميثاق التأسيسي للمنظمة، خصوصًا المادة الرابعة التي تشترط أن يكون العضو “دولة مستقلة ذات سيادة”، وهو شرط لم يكن متحققًا عند الجبهة الانفصالية.
وأشار الباحث والمحلل السياسي، إلى أن هذا الخرق أثار حينها جدلاً قانونيًا امتد أربع سنوات كاملة، قبل أن يقرر المغرب الانسحاب رفضًا لما اعتبره انحرافًا خطيرًا عن القانون المؤطر للعضوية.
وأكد أن ما حدث في تلك المرحلة لم يكن مجرد سوء تقدير سياسي، بل كان نتيجة مباشرة لضغوطات مالية ودبلوماسية جزائرية، سعت إلى استقطاب عدد من الدول عبر تحالف ربط بين الجزائر وجنوب إفريقيا ونيجيريا آنذاك.
ولفت إلى أن هذا التحالف دفع المنظمة نحو قرار منح العضوية للكيان غير الشرعي، رغم معارضة مجموعة واسعة من الدول الإفريقية التي كانت تدعم الموقف المغربي وتعتبر أن شروط العضوية لم تكن متوفرة مطلقًا، معتبرًا أن ذلك الحدث شكّل “الخطأ القاتل” الذي لا يزال يثقل كاهل الاتحاد القاري.
وأضاف أن النقاش القانوني الذي عاشته إفريقيا بين 1979 و1984 ليس مجرد تاريخ، بل هو مرجع أساسي لفهم طبيعة التصحيح الدبلوماسي الجاري اليوم.
وأبرز أن المغرب يعتبر أن المرحلة الراهنة تتيح فرصة تاريخية لتصويب ذلك الخطأ؛ خصوصًا بعد التحولات التي طرأت على الشرعية الدولية، وعلى رأسها القرار الأممي 2797، الذي أعاد تعريف الإطار القانوني والسياسي للنزاع، ما يعزز حجج الرباط داخل المنظمة الإفريقية.
❖ تحول نوعي
يرى بلال التليدي أن القرار 2797 يمثل نقطة تحول غير مسبوقة في مسار النزاع، إذ أنهى نهائيًا السردية التي كانت تعتبر الصحراء “إقليمًا غير متمتع بالحكم الذاتي” أو “تحت إدارة” معينة، وكرس الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كخيار واقعي ووحيد للتفاوض.
وأشار إلى أن هذا التطور لا يُضيف فقط قوة جديدة للموقف المغربي، بل ينسف في الوقت نفسه أساس وجود “البوليساريو” داخل الاتحاد الإفريقي، لأن الكيان غير المعترف به أمميًا فقد الآن آخر سند سياسي كان يبرر حضوره الرمزي داخل المنظمة.
واعتبر أن هذا القرار لا يعيد ترتيب الشرعية القانونية فقط، بل يؤسس لواقع سياسي جديد يضع المغرب في موقع قوة داخل القارة، لافتًا إلى أن المعادلة التي كانت قائمة لعقود، والتي تفترض توازنًا بين سردية “تقرير المصير” والمقاربة المغربية قد انتهت، وحل مكانها تصور وحيد؛ ألا وهو الحل النهائي يكون داخل السيادة المغربية.
من ميناء الداخلة لأنبوب الغاز.. كيف يعزز المغرب مكانة إفريقيا كقوة بحرية عالمية؟
وأبرز الباحث والمحلل السياسي، أن هذا التحول يجعل أي نقاش حول “دولة” جنوب المغرب أمرًا غير وارد، ويقوِّض تمامًا أي تصور انفصالي مرتبط بهذا الأمر في المستقبل، مؤكدًا على أن هذا التحول ينعكس مباشرة على منظمة الاتحاد الإفريقي، التي باتت اليوم مطالبة بالتماهي مع الشرعية الأممية.
وشدد على أن وجود كيان لا تعترف به الأمم المتحدة لم يعد مجرد “استثناء سياسي”، بل أصبح خللاً قانونيًا واضحًا يتعارض مع موقع المنظمة في النظام الدولي، مبرزًا أن النقاش حول طرد الجبهة الانفصالية لم يعد مسألة مبدأ فقط، بل مسألة وقت وترتيبات داخلية لإطلاق المسار.
❖ أولويات مرحلية
يُقر التليدي بأن المغرب لن يتجه نحو معركة الطرد فورًا، رغم صلابة حجته القانونية والسياسية الجديدة، موضحًا أن المرحلة الحالية تركز على ضمان الشروط الصحية لبدء التفاوض مع الجزائر أولاً، باعتبارها الطرف الأساسي في الملف، إلى جانب بقية الأطراف المعنية.
وأشار إلى أن الانشغال الأساسي الآن هو إعداد مقترح مفصل ومحدَّث للحكم الذاتي، بناء على التعليمات الملكية التي وجهت وزارة الخارجية والداخلية ومستشاري الملك إلى التشاور مع الأحزاب السياسية وتقديم ملاحظاتهم خلال عشرة أيام.
تحيين المغرب لمبادرة الحكم الذاتي بمشاركة الأحزاب السياسية.. مقاربة تشاركية أم تحول استراتيجي؟
وأضاف أن المدة الزمنية الواقعية التي يحتاجها المغرب لإعادة صياغة مقترح مفصل هي في حدود شهر تقريبًا، وهو ما يجعل القوتين الدبلوماسية والسياسية منصبتين على تهيئة ملف تفاوضي قوي قبل الانخراط في أي معركة داخل أروقة الاتحاد الإفريقي.
ويرى الباحث والمحلل السياسي، أن المعركة القانونية لطرد “البوليساريو” ستكون أكثر فاعلية بعد تثبيت المقترح الجديد وتحصينه بشرعية سياسية داخلية ودعم دولي متزايد.
وشدد على أن المغرب يتحرك وفق منهجية تدرجية لا تقوم على رد الفعل، بل على استثمار اللحظة الدولية واستباق التحولات داخل القارة، مبرزًا أن مرحلة الشهرين المقبلين هي مرحلة بناء الأرضية وليست مرحلة مواجهة مباشرة، على أن يبدأ المسار الحقيقي لتصحيح الخطأ التاريخي بعد اكتمال الإعداد الداخلي والخارجي.
❖ جنوب إفريقيا
يعتبر التليدي أن الموقف الجنوب إفريقي يشهد اختراقًا مهمًا على مستوى النخب السياسية؛ أبرز تجلياته موقف حزب “رمح الأمة” (uMkhonto WeSizwe Party) بقيادة جاكوب زوما الذي أعلن دعم مغربية الصحراء، إضافة إلى تيارات داخل الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني الإفريقي) طالبت بمراجعة السياسة الخارجية تجاه الرباط.
ولفت الباحث والمحلل السياسي، إلى أن هذا الاختراق رغم أهميته، لم يتحول بعد إلى تغيير في “القناعة السيادية للدولة”، لأن الحكومة لا تزال متمسكة بخطها التقليدي المتحالف مع الجزائر.
ويرى أن أي تغير محتمل في مواقف بريتوريا سيكون مرتبطًا بشكل مباشر بالموقف الجزائري، مشيرًا إلى أن جنوب إفريقيا لن تكون “ملكية أكثر من الملك”، ولن تتخذ موقفًا أكثر تشددًا من الجزائر نفسها، بل ستنتظر ما ستقدمه الجزائر من إشارات حول مدى استعدادها للانخراط في دينامية الحوار التي ترعاها الولايات المتحدة.
وأشار إلى أن الجزائر تعيش لحظة حذر شديد؛ خصوصًا بعد الرسائل التحذيرية التي حملتها مقالات كريستوفر روس، الدبلوماسي الأمريكي الأسبق والمبعوث الأممي السابق في ملف الصحراء؛ حول الصحراء الشرقية، ما يجعلها واعية بحدود المجازفة في التصعيد.
وأكد أن جنوب إفريقيا، رغم عدائها التقليدي للمغرب، ليست في وضع يسمح لها بتصعيد مواقفها حول الصحراء في هذه المرحلة، لأنها تخوض صدامًا دبلوماسيًا مع واشنطن بشأن الملف الفلسطيني، ولا تستطيع أن تضيف ملفًا آخر قد يعمق توترها مع الولايات المتحدة، مبرزًا أن أي تحرك لها سيكون محسوبًا على إيقاع الخطوات الجزائرية، وليس استباقيًا.
❖ مشهد قادم
يرى التليدي أن القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الإفريقي ستكون لحظة فارقة في مسار النزاع، لكنها لن تكون بالضرورة لحظة الحسم النهائي، مبرزًا أن المغرب سيصل إليها مسلحًَا بالشرعية الأممية، وبشبكة واسعة من الاختراقات داخل القارة، فيما سيجد محور الجزائر-جنوب إفريقيا نفسه محاصرًا بتراجع الاعتراف بـ”الجمهورية الوهمية” إلى 13 دولة فقط.
من “المسيرة الخضراء” إلى “عيد الوحدة”.. أي تحول في رمزية السيادة المغربية؟
وأوضح الباحث والمحلل السياسي، أن السيناريوهات المتاحة ستتحدد بناء على ثلاثة عناصر، أولها موقف الجزائر، وثانيها مستوى استعداد الاتحاد لمراجعة قواعد العضوية، وثالثها حجم التأثير الدولي في مسار القمة.
وأشار إلى أن مسار طرد الجبهة لن يكون سهلاً، لكنه سيكون منطقيًا ومتدرجًا، لأنه يجمع بين تصحيح خطأ قانوني تاريخي، وبين التماهي مع الشرعية الأممية الجديدة، مؤكدًا أن المغرب يدخل هذه المرحلة بثقة، مع إدراكه بأن ترتيب البيت الإفريقي يحتاج مهارة ودقة، وليس مجرد استعراض للشرعية.
وشدد على أن التحول العميق الذي أحدثه القرار 2797 سيجعل من قمة فبراير لحظة اختبار حقيقية لموازين القوى داخل القارة، مشيًرا إلى أنه من المنتظر أن تتماهى إفريقيا مع الشرعية الأممية الجديدة؛ بعيدًا عن أي صدام بين منطق القانون ومنطق التحالفات.

