أعلن يونس سكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، أمس الثلاثاء، عن انطلاق ورش تعديل مدونة الشغل، الذي من المتوقع أن يتم في أفق أكتوبر 2025. مؤكدا أن المشاورات القادمة ستشمل النقابات وممثلي المشغلين لدراسة النقاط الأساسية التي ستدرج في المدونة المعدلة.
وأوضح سكوري أن التعديلات المنتظرة تهدف إلى تحسين أوضاع بعض فئات الشغيلة التي تواجه تحديات، بالإضافة إلى تحفيز المشغلين على خلق فرص توظيف جديدة. ومع ذلك، يظل السؤال مطروحًا: هل ستتمكن هذه المراجعة من تحقيق الفوائد المرجوة للعمال دون المساس بحقوقهم المكتسبة؟ وهل ستكون التعديلات المدخلة قادرة على تعزيز استقرار سوق العمل أم ستسهم في زيادة هشاشته؟
♦مبدأ التوازن بين مرونة الشغل وحقوق الأجراء
قال عبد العلي اكميرة، نائب الكاتب العام للكونفدرالية العامة للشغل، إن التعديلات المنتظرة على مدونة الشغل يجب أن تنطلق أولاً من ضرورة الحفاظ على مكتسبات الطبقة العاملة، وتحقيق توازن فعلي بين مرونة الشغل وحقوق الأجراء، مؤكدًا أن أي خطوة إصلاحية ينبغي أن تضع في صلب اهتمامها مصلحة الشغيلة، لا مصلحة الباطرونة.
واعتبر نائب الكاتب العام للكونفدرالية العامة للشغل في تصريح خاص لموقع “شفاف” أن المراجعة المرتقبة يجب أن تكون موضوع تفاوض جماعي مفتوح يضم كل النقابات بدون استثناء، إلى جانب الحكومة كطرف ضامن لمخرجات متوازنة،
وشدد المسؤول النقابي على أن الاستقرار الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق في ظل تغييب صوت النقابات الفاعلة، أو فرض مقاربات أحادية تتماشى مع مصالح أرباب العمل فقط.
♦التخوفات من خلفيات التعديل والسياق السياسي الحاكم
وسجل اكميرة أن السياق العام الذي يتم فيه طرح هذه التعديلات يثير الكثير من التخوفات، خاصة مع التموقع الحالي للحكومة التي، حسب تعبيره، باتت تجمع بين سلطة المال والسلطة السياسية، وهو ما يخل بمبدأ التوازن داخل منظومة العلاقات الشغلية. معتبرا أن تمرير مشروع قانون الإضراب دون توافق نقابي دليل واضح على اختلال موازين القوى لصالح الباطرونة، وضرب لمبدأ الحرية النقابية المنصوص عليه في الدستور.
وأكد المسؤول النقابي، أن التخوف من أن تكون المراجعة مدخلاً للمساس بحقوق الشغيلة يبقى مطروحًا بقوة، لذلك تدعو الكونفدرالية العامة للشغل إلى تشكيل جبهة اجتماعية عريضة للتصدي لأي توجه يهدف إلى تقويض المكتسبات أو الإجهاز على الحق في العمل اللائق.
وأشار نائب الكاتب العام إلى أن مجموعة من المشاريع الجارية، كالتوظيف بالعقد والمجموعات الصحية الترابية، تكشف أن هناك توجهًا عامًا نحو تفكيك المرفق العمومي، واستهداف الوظيفة العمومية بشكل غير معلن، مما يُنذر بتداعيات خطيرة على مستقبل الأمان الوظيفي. مبينا أن القطاع الخاص في ضل غياب الحماية الحقيقية يجعل العمال عرضة للطرد تحت ذرائع واهية، ويدفع بالاستقرار الأسري والاجتماعي نحو المجهول.
♦المطالب النقابية ومقترحات الإصلاح الشامل
وبخصوص الضمانات التي تطالب بها الكونفدرالية في أي تعديل لمدونة الشغل، شدد اكميرة على ضرورة التصريح بجميع العاملين بشكل صريح، وزجر كل من يخرق القانون ويتربح من عرق الكادحين. مطالبا بتمكين مفتشية الشغل من الوسائل البشرية والمادية والقانونية الكافية لأداء مهامها، مع منحها صلاحيات زجرية واضحة تُمكنها من التدخل الناجع عند وقوع أي تجاوزات.
وفيما يخص التوازن بين مرونة الشغل وحماية العامل، أوضح المتحدث أن الخطاب السائد حول “المرونة” لا يُخدم سوى الباطرونة، ويُحوّل سوق الشغل إلى فضاء مفتوح أمام تحكم الرأسمال، حيث يصبح الطرد والإغلاق مجرد قرارات إدارية تُتخذ دون محاسبة، وتُعمق من هشاشة أوضاع الشغيلة.
وتطرق اكميرة إلى موضوع الحد الأدنى للأجور، مؤكدًا أنه من غير المعقول الحديث عن احترام هذا المقتضى القانوني في ظل الارتفاع المهول للأسعار وتفاقم نسب التضخم. معتبرا أن المطالبة برفع الحد الأدنى للأجور لم تعد ترفًا بل أضحت أولوية وطنية، لأن العامل المغربي لم يعد قادرًا على مواكبة متطلبات المعيشة اليومية.
وأضاف المسؤول النقابي، أن غياب احترام مقتضيات مدونة الشغل يعود بدرجة كبيرة إلى اختلال ميزان القوة لصالح الرأسمال، مما يجعل القوانين مجرد نصوص غير مُفعّلة. مؤكدا أن المواطنة الحقة تقتضي التوزيع العادل للثروة، وضمان المساواة أمام القانون، وهي المبادئ التي تُشكل أساس دولة الحق والقانون التي تطمح لها الكونفدرالية.
♦حرية العمل النقابي
وفيما يتعلق بأولويات النقابات في مراجعة المدونة، شدد عبد العلي اكميرة على أن الحرص على ضمان حرية العمل النقابي هو المطلب الجوهري، إلى جانب التنصيص الواضح على آليات الحماية من الطرد، وتحقيق عدالة اجتماعية فعلية من خلال تحسين الأجور وأنظمة التقاعد، وتوفير حماية اجتماعية شاملة، وضبط العلاقة الشغلية عبر نصوص قانونية زجرية تحمي الأجراء من تعسف الباطرونة.
كما أكد المتحدث على ضرورة تقنين شروط التوقيف والطرد والإغلاق، وتوفير بيئة عمل سليمة وآمنة، وتفعيل لجان الوقاية والسلامة، وضمان التزام المقاولات بجعل العنصر البشري في صلب اهتماماتها، لا مجرد وسيلة إنتاج يتم الاستغناء عنها متى شاءت.
وأشار اكميرة إلى أن مدونة الشغل الحالية تعاني من ثغرات كبيرة، أبرزها وجود بنود مبهمة تُستغل من قبل أرباب العمل لتبرير ممارسات غير قانونية. مشيرا إلى غياب إجراءات إلزامية تُجبر المشغلين على الالتزام بالحضور لجلسات الصلح أو تطبيق القانون في حال صدور أحكام لصالح الأجراء.
ولفت المسؤول النقابي إلى أن بعض أرباب العمل لا يحترمون حتى الاستدعاءات الرسمية من مفتشية الشغل، وأن الأخيرة لا تتوفر على الوسائل القانونية لفرض احترام القانون. متسائلا عن جدوى المساطر الحالية إذا كانت المحكمة تحكم لصالح العامل، دون أن يتم تنفيذ الحكم أو احترامه من الطرف الآخر.
وأنهى عبد العلي اكميرة تصريحه بالتأكيد على أن إصلاح مدونة الشغل يجب أن يكون مدخلًا لتكريس العدالة الاجتماعية، وليس لتقنين الهشاشة وتوسيع الهوة بين الفئات، داعيًا إلى فتح حوار وطني واسع يُشارك فيه الجميع من أجل مدونة تضمن الكرامة والعدالة والحرية في فضاء الشغل.

