دخل المغرب مرحلة متقدمة من توطين الصناعة الدفاعية، مع تسلم القوات المسلحة الملكية الدفعة الأولى من المدرعات القتالية “WhAP 8×8” المصنعة محليًا بمصنع برشيد، في إطار شراكة استراتيجية مع المجموعة الهندية “Tata Advanced Systems”، إذ يجسد هذا الحدث انتقال المملكة من منطق الاستيراد إلى واقع الإنتاج، ضمن رؤية شمولية تستهدف تعزيز القدرات العسكرية الوطنية، وبناء قاعدة صناعية دفاعية قادرة على تلبية الحاجيات الاستراتيجية للقوات المسلحة، مع إرساء أسس صناعة عسكرية بمعايير دولية وقابلية للتطوير والتصدير.
ويطرح هذا التطور الصناعي والعسكري أسئلة عميقة حول حدود التحول الذي يشهده المغرب في مجال التصنيع الدفاعي، ومدى قدرته على ترجمة هذا الإنجاز إلى استقلالية استراتيجية مستدامة في بيئة إقليمية متوترة، كما يفتح الباب أمام التساؤل بشأن انعكاسات هذا المسار على توازنات القوة الإقليمية، ودور الشراكات غير التقليدية؛ خاصة مع قوى صاعدة كالهند، في إعادة تشكيل خريطة التسلح والتحالفات، وكذا الكيفية التي يمكن بها للمغرب توظيف هذا المكسب الصناعي لتعزيز حضوره الأمني والاقتصادي داخل إفريقيا وخارجها.
“صُنع في المغرب”.. القوات المسلحة تتسلم أولى مدرعات “WhAP 8×8” من مصنع برشيد
❖ التحول الدفاعي
يؤكد هشام معتضد، الخبير في العلاقات الدولية والباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، أن تسلم القوات المسلحة الملكية للدفعة الأولى من مدرعات “WhAP 8×8” المصنعة محليًا؛ يشكل منعطفًا حاسمًا في مسار تحديث العقيدة الدفاعية المغربية.
وأبرز معتضد في تصريح لجريدة “شفاف” أن الأمر لم يعد مرتبطًا بمجرد اقتناء تجهيزات قتالية جديدة، بل بتغيير جذري في فلسفة بناء القوة، لافتًا إلى أن الحدث يعكس الانتقال من مفهوم الدفاع القائم على الاستيراد إلى مشروع سيادي يضع المغرب ضمن الدول التي تمتلك أدوات إنتاج جزء من عتادها العسكري.
وأردف الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، أن هذا التحول يرتكز على رؤية ملكية واضحة للأمن القومي، تقارب الدفاع بوصفه استثمارًا استراتيجيًا طويل الأمد، لا قرارًا ظرفيًا.
مدرعات مغربية الصنع.. هل تتحول الرباط إلى قوة صناعية عسكرية إقليمية؟
واستطرد أنه لذلك ينظر المغرب إلى امتلاك آليات الإنتاج العسكري بوصفه رافعة لرفع الجاهزية العملياتية وتعزيز المرونة اللوجستية والتحكم المستقل في احتياجات منظومته الدفاعية.
وأوضح أن هذا الإنجاز يقدم برهانًا عمليًا على أن السيادة الدفاعية ليست مجرد شعار سياسي، بل مسار مؤسساتي متدرج يقوم على بناء قاعدة صناعية وتقنية محلية، ويمنح الدولة هامش قرار أوسع في مواجهة البيئات المتغيرة والتهديدات المتنامية.
❖ قيمة السيادة
يشدد هشام معتضد على أن أهمية تصنيع مدرعات “WhAP 8×8” لا تكمن في العدد فقط، بل في قيمة المعرفة والتكنولوجيا المرافقة لها، مبرزًا أن المغرب تمكن من تطوير قدرات وطنية في الصناعات الدفاعية، تشمل الهندسة والإنتاج والصيانة والتطوير.
وأكد والباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، على أن هذا الأمر يقلص تبعية المملكة للموردين الأجانب ويحد من هشاشتها الاستراتيجية في فترات الأزمات الدولية.
وأبرز أن التصنيع المحلي يتيح إمكانية ضبط سلاسل الإمداد العسكرية، بما يعزز استقلالية القرار الدفاعي، ويمنح القوات المسلحة مرونة أكبر في التخطيط وإدارة الانتشار وفق مصالح الدولة الوطنية لا وفق حسابات الخارج.
وفي السياق ذاته، شدد الخبير في العلاقات الدولية على أن توطين المعرفة التقنية؛ يمثل خطوة نوعية في بناء سيادة وظيفية يمكن تطويرها عبر الزمن.
تدشين أضخم مركب لصناعة محركات الطائرات.. هل يدخل المغرب عصر السيادة الصناعية؟
ولفت إلى أن هذه السيادة تتمظهر اليوم كمكسب ملموس في منظور الردع، حيث تعكس القدرة على امتلاك قوة مستدامة بدل الاعتماد على دورات إمداد غير آمنة.
والقوة المتجددة، بنظر الباحث في المجال العسكري، تعد أكثر فعالية من القوة المكدسة؛ خصوصًا عندما تكون مرفوقة بمنظومة صيانة وتحديث ذاتية.
❖ شراكة استراتيجية
يرى معتضد أن الشراكة مع الهند تتجاوز بعدها الصناعي الضيق لتلامس تحولات جيوسياسية أوسع، موضحًا أن اختيار فاعل دفاعي من قوة آسيوية صاعدة يؤكد توجه المغرب نحو تنويع شراكاته الدفاعية ومصادر تسلحه.
وأشار الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، إلى أنه توجه لا يعارض علاقات المغرب المتجذرة مع شركائه الغربيين، بل يضيف إليها أبعادًا جديدة قائمة على تقاسم المنفعة ونقل التكنولوجيا.
المغرب يتهيأ لبناء صناعة عسكرية محلية.. فهل اقتربت المملكة من مرحلة الاستقلال العسكري؟
وشدد على أن هذه الخطوة تبرز قدرة المغرب على إدارة توازن دقيق في تحالفاته الدولية؛ فهو يبني تعاونًا مع قوى صاعدة دون المساس بصلابته الاستراتيجية مع شركائه التقليديين.
واعتبر الخبير في العلاقات الدولية، أن هذا التوجه يمنح المملكة المغربية مجالًا للمناورة الدبلوماسية، ويحد من إمكانية ممارسة ضغوط خارجية في ملفات حساسة.
وأضاف أن الهند بدورها تعتمد مقاربة شراكات دفاعية تقوم على الإنتاج المشترك لا التزويد المشروط، ما يوفر للمغرب فرصة فريدة لاكتساب تكنولوجيا متقدمة وتكوين خبرات محلية، في إطار تعاون وثيق ومبني على الثقة المتبادلة والآفاق الواسعة.
❖ رسائل ردعية
إقليميًا، يؤكد معتضد أن هذا التطور الصناعي يرسل رسالة واضحة مفادها أن المغرب لا يكتفي بتعزيز قدراته العسكرية، بل يعمل على تأمين مصادرها مستقبلًا.
وأبرز أن هذا الردع الصامت أكثر أثرًا وفعالية في الحسابات الإقليمية من أي سباق علني نحو التسلح، لأنه يعكس قدرة على الاستدامة والمرونة في آن واحد.
وأوضح أن هذه الرسائل تكتسب أهميتها في سياق جيوسياسي متوتر، تزداد فيه التهديدات غير التقليدية في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، معتبرًا أن امتلاك قدرة إنتاجية، حتى لو كانت ضمن مجالات محددة، يمنح المغرب موقعًا متقدمًا في معادلات الأمن الإقليمي كدولة فاعلة ومسؤولة.
من ميناء الداخلة لأنبوب الغاز.. كيف يعزز المغرب مكانة إفريقيا كقوة بحرية عالمية؟
ويطهر هذا المسار، وفق تحليل الخبير، أن المغرب يزاوج بين بناء القوة الصلبة وتطوير أدوات الدبلوماسية الدفاعية، ما يمنحه قدرة متوازنة على التأثير والردع وتحصين المصالح الوطنية بعيدًا عن المزايدات.
❖ نفوذ إفريقي
يعتبر معتضد أن هذا المشروع يفتح آفاقًا جديدة لتعزيز حضور المغرب كفاعل مؤثر في أمن القارة، عبر توفير حلول عسكرية مكيفة مع حاجيات الدول الإفريقية، وبناء شراكات قائمة على التكوين والخبرة والدعم اللوجستي.
ولفت إلى أن هذه المقاربة تمنح المغرب قدرة على توظيف الصناعة الدفاعية كأداة للنفوذ الناعم، قائمة على الثقة والتعاون المستدام، ما يعزز موقعه كمنصة إقليمية لتصدير المعرفة والابتكار الدفاعي.
وأكد الخبير في العلاقات الدولية، أن المملكة تستفيد من موقعها الجغرافي وصلابتها السياسية ووزنها الاقتصادي في توسيع هذا الدور، بما يرسخ مكانتها كشريك دفاعي موثوق به في إفريقيا جنوب الصحراء.
❖ رافعة اقتصادية
يشدد هشام معتضد على أن هذا التطور الصناعي لا يمكن فصله عن الرؤية الاقتصادية للمغرب، التي تراهن على الصناعات الدفاعية كقطاع ذي قيمة مضافة عالية.
وأوضح الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، أن هذه الرؤية تخلق وظائف مؤهلة، وتطور منظومات بحث وتكوين متقدمة، وتستقطب استثمارات مرتبطة بالصناعات التكنولوجية.
ويمثل هذا التوجه وفق معتضد، نقلة نوعية في تصور الدولة للعلاقة بين الأمن والتنمية، حيث يتحول الدفاع من مجرد كلفة مالية إلى محرك تنموي وتعزيز للابتكار الصناعي.
وأبرز أن هذا الربط بين التصنيع الدفاعي والاقتصاد الوطني يتيح تقوية تنافسية الصناعات المدنية كذلك، بحكم تبادل الخبرات ورفع مستوى التكنولوجيا المعتمدة في الإنتاج.
❖ مرحلة جديدة
يبرز هشام معتضد أن مدرعات “WhAP 8×8” المصنعة بالمملكة المغربية لا تشكل نهاية المسار بل بداية مرحلة جديدة من التفكير الدفاعي المغربي.
توطين الصناعات الدفاعية بالمغرب.. خيار سيادي واستراتيجية جيوأمنية متعددة الأبعاد
وأردف الخبير في العلاقات الدولية، أن هذه المرحلة تبنى فيها السيادة عبر خطوات واقعية متدرجة، ضمن رؤية ملكية هادئة ودقيقة، لكن عميقة في أثرها الاستراتيجي.
وشدد على أن المغرب اليوم يعلن بوضوح أن مستقبل قوة جيشه لن يصنع خارج حدوده فقط، بل داخلها أيضًا، بأيدي موارده البشرية، وبشراكات انتقائية تخدم مصالحه القومية، وترسخ موقعه قوةً إقليميةً ذات اعتبار وتأثير.

