في خطوة جديدة تؤكد دينامية التحديث العسكري التي تعرفها القوات المسلحة الملكية، استلم المغرب الدفعة الأولى من ناقلات الجنود المدرعة الأمريكية الصنع “M1117 Guardian”، وذلك في إطار اتفاقية أُبرمت سنة 2024 ضمن برنامج المواد الدفاعية الفائضة (EDA) التابع للبنتاغون (وزارة الدفاع الأمريكية)، وهذه الخطوة تأتي لتدعيم القدرات البرية للمملكة وسد الفجوة بين المركبات الخفيفة والمدرعات الثقيلة، في وقت يتزايد فيه اعتماد الجيوش الحديثة على عتاد متطور يجمع بين الحماية العالية والمرونة العملياتية في البيئات المعقدة.
ولا يختزل وصول هذه المدرعات فقط في بُعده التقني أو التسليحي، بل يطرح أيضا تساؤلات حول أبعاد هذا التطور؛ وإن كان يتعلق الأمر بمجرد تحديث روتيني لترسانة الجيش، أم أنه يعكس تحولا في العقيدة الدفاعية المغربية، وعن مدى اعتبار الصفقة رسالة سياسية ضمنية حول عمق الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، في ظل احتدام التنافس الدولي والإقليمي على النفوذ في منطقة الساحل وشمال إفريقيا، وحول موقع هذه الخطوة في سياق استعدادات المغرب لمتطلبات أمنية كبرى؛ من أبرزها تأمين كأس العالم 2030.
وصول دفعة أولى من مدرعات “M1117 Guardian” الأمريكية للجيش المغربي
❖ دلالات التوقيت
يبرز هشام معتضد، الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية والأمنية، أن وصول الدفعة الأولى من مدرعات “M1117 Guardian” الأمريكية إلى المغرب في هذا الظرف ليس مجرد صفقة تسليحية عادية، بل يحمل في طياته دلالات جيو-استراتيجية عميقة.
وذكر معتضد في تصريح لجريدة “شفاف”، أن العملية جاءت في إطار برنامج المواد الدفاعية الفائضة (Excess Defense Articles)؛ المعروف اختصارًا بـ “EDA”، والذي لا يفتح أبوابه أمام أي دولة إلا إذا كانت شريكًا موثوقًا ومؤثرًا في محيطه الجغرافي.
ولفت الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية والأمنية، إلى أنه بالنسبة للمغرب، هذا الاختيار يرسخ الثقة التي تضعها واشنطن في الرباط كفاعل مركزي في شمال إفريقيا والساحل.
وأردف أن التوقيت نفسه له رمزية بالغة، إذ يتزامن مع تصاعد التوترات الأمنية في الساحل وتنامي التهديدات اللامتماثلة التي تنتجها التنظيمات المسلحة العابرة للحدود.
وأوضح أنه بين 2024 و2025 برزت الحاجة إلى حلفاء قادرين على تقديم حلول عملية على الأرض، والمغرب بات يمثل بالنسبة لواشنطن خطًا أماميًا لاحتواء هذه المخاطر، مبرزًا أنه هنا تبرز المركبات الجديدة كأداة عملية لتمكين القوات المغربية من حماية الحدود الواسعة ومرافقة القوافل وتأمين المناطق الحيوية.
وأضاف أنه على المستوى الرمزي، فإن الكمية الكبيرة ونوعية العتاد الموجه للمغرب تحمل رسالة سياسية مزدوجة؛ ترتبط بدعم عسكري مباشر من جهة، وإشارة واضحة بأن الولايات المتحدة ترى في الرباط شريكًا مستقرًا وفعالاً في مواجهة الاضطرابات الإقليمية؛ خصوصًا في ظل هشاشة العديد من الدول المجاورة وانخراط الجزائر في تحالفات جديدة مع روسيا.
❖ تعزيز العقيدة
يشدد معتضد على أن إدماج مدرعات “M1117” في الترسانة المغربية لا يمكن النظر إليه فقط كتعزيز تقني، بل كتحول في العقيدة الدفاعية للقوات المسلحة الملكية.
وأبرز أن المركبة مصممة أساسًا لمواجهة تهديدات غير تقليدية مثل العبوات الناسفة والألغام الأرضية، وهو ما يتناسب مع طبيعة المخاطر التي تشهدها منطقة الساحل والصحراء.
وأشار إلى أن هذه المدرعات تشكل طبقة وسطى بين العربات الخفيفة من نوع “هامفي” والمدرعات الثقيلة مثل “أبرامز”، مما يمنح المغرب قدرة أكبر على المناورة في بيئات مختلفة.
المغرب بين رهان السيادة الدفاعية ومخاطر التحديات الأمنية في منطقة الساحل
وأردف أنها قادرة أيضًا على تأمين الحدود الطويلة، وحماية القوافل اللوجستية، والمشاركة في العمليات الاستطلاعية والنارية في آن واحد، موضحًا أن هذا التنوع في الاستخدام يفتح الباب أمام تطوير تكتيكات جديدة أكثر مرونة وفاعلية.
والعقيدة الدفاعية المغربية، بحسب معتضد، باتت تتحرك نحو اعتماد مقاربة “العمليات الشبكية” (Network Operations)، حيث يتم توظيف المدرعات كعناصر استطلاع متقدمة ومرتبطة بشبكة من الاستخبارات والقيادة والتحكم.
وأكد على أن هذا يعكس انتقالا من الاعتماد على تكتيكات المواجهة التقليدية إلى أساليب أكثر تكيفًا مع طبيعة التهديدات اللامتماثلة، وهو تحول استراتيجي في ذاته.
❖ شراكة مع واشنطن
يرى معتضد أن صفقة المدرعات عبر برنامج “EDA” ليست مجرد معاملة تجارية، بل تعبير عن عمق الشراكة الأمنية بين المغرب والولايات المتحدة، مبرزًا أنه من خلال هذه الصفقات، إضافة إلى التمارين المشتركة مثل “الأسد الإفريقي”، يتم ترسيخ مكانة المغرب كشريك موثوق لدى البنتاغون و”أفريكوم”.
وأكد الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية والأمنية، على أن هذه العلاقة بين الرباط وواشنطن تجاوزت منذ فترة منطق البيع والشراء إلى منطق الشراكة العملياتية والتدريبية.
المناورات البحرية المغربية ـ الأمريكية.. هل تعزز أمن الموانئ أم تعكس تنافسًا إقليميًا متصاعدًا؟
ولفت إلى أن هذه الشراكة ليست تحالفًا مؤسسيًا مثل حلف “الناتو”، بل تظل مرتبطة بالمصالح الاستراتيجية المتبادلة، بما فيها مكافحة الإرهاب، وحماية الاستثمارات الغربية، وأمن الممرات البحرية.
ونبه إلى أنه إذا تغيرت هذه الأولويات، فإن العلاقة قابلة لإعادة التشكيل، مشددًا على أنه مع ذلك، فإن ثبات المغرب واستقراره السياسي يجعلان منه شريكًا أكثر جاذبية بالنسبة لواشنطن مقارنة بدول أخرى في المنطقة.
وأردف أنه بهذا الشكل، يترسخ موقع المغرب كحليف رئيسي خارج إطار “الناتو”، وهو وضع يمنحه امتيازًا استراتيجيًا في علاقاته الدولية، لكنه يفرض في الوقت ذاته تحديات تتعلق بكيفية الحفاظ على هذا الوضع وضمان استمراريته عبر الالتزام الدائم بالمعايير الأمنية والعسكرية العالية.
❖ تحديات الإدماج
يشير معتضد إلى أن استلام المدرعات لا يعني بالضرورة جاهزيتها الفورية للاستخدام العملياتي، فهناك تحديات موضوعية على مستوى اللوجستيك والصيانة.
وأضاف أن المدرعة “M1117” تعتمد على أنظمة أمريكية متطورة تحتاج إلى قطع غيار متخصصة وورش صيانة مدربة، وهو ما يفرض على المغرب الاستثمار في البنية التحتية العسكرية الداعمة لها.
واستطرد أن التحدي الثاني يكمن في التدريب، حيث إن تحويل هذه المدرعات من مجرد عربات دورية إلى عناصر محورية في العمليات الشبكية يستدعي تحديثًا لمناهج التدريب وتطوير تكتيكات جديدة تشمل دمجها مع وحدات المشاة والاستخبارات.
وأكد الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية والأمنية، على أن ما سبق يتطلب وقتًا وجهدًا وموارد كبيرة؛ خاصة وأن طبيعة المسرح الصحراوي المغربي تتطلب تعديلات تقنية إضافية لضمان الأداء الأمثل للمركبات.
وأشار إلى أنه التكييف مع الظروف المناخية والجغرافية الصعبة يظل تحديًا لا يستهان به، مبرزًا أن حرارة الصحراء والطرق الوعرة تفرض تعديلات ميدانية وصيانة متواصلة، ما يجعل إدماج المدرعات في العقيدة العملياتية المغربية عملية معقدة، لكنها ضرورية في الوقت ذاته لتطوير القدرات الدفاعية للمملكة.
❖ موازين القوى
على صعيد التوازنات الإقليمية، يؤكد معتضد أن امتلاك المغرب لهذه المدرعات يمنحه تفوقًا تكتيكيًا في حماية الحدود وردع التهديدات، لكنه لا يعني بالضرورة قلب موازين القوى الاستراتيجية بشكل جذري.
ولفت الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية والأمنية، إلى أن الجزائر بدورها تستثمر في تحديث ترسانتها العسكرية عبر شراكات قوية مع روسيا؛ ما يجعل السباق بين البلدين مفتوحًا على احتمالات متعددة.
وذكر أنه من زاوية أخرى، فحضور روسيا المتنامي في المنطقة عبر عقود تدريبية وصفقات تسليحية يضيف بُعدًا آخر للتنافس، موضحًا أن واشنطن عبر دعمها للمغرب بمثل هذه المعدات تسعى إلى خلق توازن مع النفوذ الروسي، لكنها لا تستطيع إلغاؤه بالكامل.
سباق أوروبي على تزويد المغرب بغواصتين عسكريتين.. لماذا تراهن المملكة على هذا النوع من السلاح؟
وأبرز على أنه بهذا الأمر؛ تصبح الساحة الإقليمية مسرحًا لتنافس متعدد الأطراف، يكون فيه المغرب مطالبا بالاستثمار ليس فقط في العتاد بل أيضا في قدراته الاستخباراتية والتكنولوجية.
وشدد على أن التأثير الحقيقي لهذه الخطوة يعتمد على قدرة المغرب على إدماج هذه المدرعات ضمن منظومة شاملة تجمع بين العتاد الحديث، والعقيدة الدفاعية المتطورة، والقدرات الاقتصادية التي تضمن استدامة التشغيل والصيانة.

