كشف فؤاد يعقوبي، المختص في علم النفس الاجتماعي في السياق المغربي، أن الخطاب الديني بالمغرب يمر بأزمة فهم نفسي واجتماعي تتطلب إعادة النظر في وظيفته وتأثيراته.
وأوضح المختص في علم النفس الاجتماعي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن رجل الدين يشغل موقعا مركزيا ليس فقط كفاعل ديني، بل كعنصر مؤثر في تشكيل الوعي الجمعي والتمثلات الاجتماعية المتعلقة بالخير والشر والمسموح والممنوع والخلاص والعقاب.
وأشار إلى أن قراءة الخطاب الديني لا تقتصر على محتواه العقدي أو الفقهي، بل تتعلق بوظائفه النفسية والاجتماعية وآثاره على الصحة النفسية للأفراد وأنماط الضبط الاجتماعي.
ولفت يعقوبي إلى أن سلطة رجل الدين، المستمدة من ارتباطه بالمقدس، تمنحه قدرة رمزية على التأثير في السلوك والوجدان دون المرور عبر المؤسسات العلمية أو التربوية أو الصحية، مضيفا أن هذه السلطة تتحول أحيانا من وظيفة إرشادية إلى أداة توجيه قسري للضمير الجمعي.
وبيّن أن جزءا كبيرا من الخطاب الديني في الفضاء العمومي يعتمد على التخويف والتركيز على العقاب الأخروي وتضخيم ثنائية الحلال والحرام بعيدا عن السياقات النفسية والاجتماعية للأفراد، ما يجعل منه أداة للضبط الاجتماعي المبني على الخوف.
وذهب المتخصص إلى أن الخوف يُعد من أسرع الانفعالات لإنتاج الامتثال السلوكي، خاصة في المجتمعات التي تعاني هشاشة اقتصادية وضعفا في شبكات الحماية الاجتماعية وتآكل الثقة في المؤسسات، مضيفا أن الخطاب الديني في هذه الظروف يتحول إلى ملاذ نفسي مشروط بالطاعة، حيث يُستبدل الأمان الواقعي بأمان أخروي قائم على التهديد المستمر.
وأظهر يعقوبي أن خطورة الخطاب الديني لا تقتصر على محتواه فقط، بل تشمل الخلفية المعرفية والنفسية لمنتجه، مشيرا إلى أن غالبية رجال الدين لم يتلقوا تكوينا في علم النفس أو الصحة النفسية أو التواصل العلاجي، ما يجعلهم يتعاملون مع المعاناة الإنسانية من زاوية أخلاقية معيارية تُختزل فيها الاضطرابات النفسية في ضعف الإيمان أو قلة الصبر أو البعد عن الله.
وأبان أن هذا الاختزال تبسيط مخِل وخطير، لأنه ينفي البعد النفسي للألم ويحمّل الفرد مسؤولية معاناته بدل مساعدته على فهمها ومعالجتها.
ونبه يعقوبي إلى أن هذا الخلل يظهر بوضوح في التعامل مع المرض النفسي، حيث يتم إنكار طبيعته العلمية وربطه بتفسيرات غيبية أو أخلاقية، مما يعزز الوصم الاجتماعي ويحول دون طلب المساعدة المتخصصة, مبينا أن الدراسات في علم النفس الاجتماعي تؤكد أن الوصم المرتبط بالمرض النفسي يُعد من أبرز العوامل المعيقة للعلاج، وأن الخطابات التي تؤطر الاكتئاب والقلق والتفكير الانتحاري ضمن ثنائية الإيمان والكفر تعمق الشعور بالذنب والعار، وقد تزيد من مخاطر الانعزال والانهيار النفسي.
وذكر المتخصص أن قبول المجتمع لهذا الخطاب يعكس البنية النفسية-الثقافية التي لا تزال تتسم بحضور قوي للثقافة السلطوية، حيث يُنظر إلى الخطاب العمودي باعتباره أكثر شرعية من الحوار الأفقي، وأن الخوف من النبذ الاجتماعي يجعل الكثيرين يتجنبون مساءلته لما يحمله من قداسة تمنحه حصانة رمزية تحول دون نقده.
وأشار أيضا إلى أن الحاجة إلى المعنى في زمن الأزمات تجعل الأفراد يفضلون خطابًا قاسيًا يقدم تفسيرا جاهزا للمعاناة على خطاب علمي يتطلب جهدًا معرفيًا ومواجهة مؤلمة للواقع.
وشدد يعقوبي على أن نقد الخطاب الديني من منظور نفسي اجتماعي لا يعني الدعوة لإقصاء الدين من المجال العمومي، بل يهدف إلى إعادة الاعتبار لوظيفته الإنسانية، إذ يمكن للدين أن يشكل عامل حماية ودعم نفسي إذا أُطر بخطاب واع نفسيا، بدل أن يكون مصدر ضغط أو تهديد.
وأفاد أن ذلك يتطلب إدماج مقاربات علم النفس في تكوين رجال الدين وتمكينهم من أدوات الفهم النفسي للمعاناة، والانتقال من خطاب الإدانة إلى خطاب المرافقة، ومن منطق التخويف إلى بناء المعنى والمسؤولية.
وأكد يعقوبي أن الرهان الحقيقي يكمن في قدرة الخطاب الديني على التحرر من آليات الضبط القائمة على الخوف والانخراط في مشروع إنساني يُعيد للإنسان قيمته وكرامته النفسية، مشيرا إلى أن انفصال الخطاب الديني عن المعرفة النفسية يحول الرسالة من طمأنينة إلى عبء نفسي، ومن سند أخلاقي إلى عامل ضغط يعمّق الجراح بدل أن يضمدها.

