تشهد موانئ الجنوب المغربي حالة شلل غير مسبوقة، بعد قرار مهنيي الصيد الساحلي التوقف الجماعي عن الإبحار، احتجاجًا على الارتفاع الحاد في أسعار الغازوال، في خطوة تعكس عمق الأزمة التي باتت تهدد استمرارية هذا القطاع الحيوي، حيث يأتي هذا التصعيد في سياق اقتصادي متوتر، تتداخل فيه كلفة الإنتاج المرتفعة مع تراجع المردودية البحرية.
وفي ظل هذه التطورات، تتزايد المخاوف من تداعيات واسعة على سلاسل التوريد وأسواق السمك؛ خاصة مع تسجيل مستويات قياسية في أسعار الوقود بعدد من موانئ الجنوب، ما يضع الجهات الوصية أمام اختبار التدخل العاجل لإعادة التوازن، والاستجابة لمطالب المهنيين الرامية إلى ضمان الحد الأدنى من شروط الاستمرار.
❖ تراجع المردودية
يوضح عادل السندادي، نائب الكاتب الوطني للرابطة الوطنية للصيد البحري، أن أولى تجليات تأثير ارتفاع أسعار الغازوال تظهر بشكل مباشر على مردودية البحارة؛ خاصة وأن هذه الفئة لا تشتغل بنظام الأجور القارة، بل تعتمد على نظام الحصة من المداخيل.
وأبرز السندادي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن البحار يتحمل بشكل غير مباشر جزءًا من تكاليف الرحلة البحرية، بما في ذلك مصاريف المحروقات، التي يتم اقتطاعها من عائدات بيع المصطادات.
وأضاف أن هذه الوضعية تجعل أي ارتفاع في كلفة الوقود ينعكس سلبًا على هامش ربح البحار، الذي يتقلص بشكل ملحوظ؛ خصوصًا في ظل تراجع كميات المصطادات.
وأردف نائب الكاتب الوطني للرابطة الوطنية للصيد البحري، أن العائد الإجمالي أصبح غير قادر على تغطية المصاريف المتزايدة، مما يضع البحارة في وضع اقتصادي هش.
وأشار إلى أن هذه المعادلة المختلة، التي تجمع بين ارتفاع التكاليف وانخفاض الإنتاج، تجعل من الاستمرار في النشاط أمرًا صعبًا، إن لم يكن مستحيلاً في بعض الحالات، وهو ما يفسر تصاعد الاحتجاجات والدعوات إلى التوقف عن العمل.
❖ أزمة السردين
يؤكد السندادي أن مراكب صيد السردين تعيش وضعًا أكثر تعقيدًا، حيث تواجه أزمة مزدوجة تتمثل في قلة المصطادات وارتفاع تكاليف التشغيل، موضحًا أن هذه الفئة من المراكب، التي تشكل جزءًا مهما من النسيج الاقتصادي البحري، أصبحت مهددة بالتوقف الشامل.
وأضاف أن المهنيين يتداولون فعليًا خيار التوقف الجماعي إلى حين إيجاد حلول ملموسة، بالنظر إلى صعوبة الاستمرار في ظل الأسعار الحالية للغازوال، فتكلفة الخروج إلى البحر لم تعد مضمونة النتائج، في ظل غياب رؤية واضحة حول إمكانية تحقيق أرباح.
الراحة البيولوجية بالصيد البحري.. هل توازن الدولة بين حماية المخزون وحقوق البحارة؟
ولفت إلى أن الدعوات التي تطالب برفع أسعار السمك لتعويض الخسائر تبقى غير واقعية، بالنظر إلى طبيعة السوق، حيث تتحكم آليات العرض والطلب، إلى جانب تدخل الوسطاء، في تحديد الأسعار، مما يحد من قدرة البحارة على فرض أثمنة تغطي التكاليف.
❖ اختلال السوق
يبرز السندادي وجود اختلالات واضحة في سوق بيع السمك، حيث تلعب شبكات الوسطاء دورًا حاسمًا في تحديد الأسعار، بعيدًا عن أي معايير مضبوطة تضمن توازنًا بين مصالح المنتجين والمستهلكين.
وأوضح نائب الكاتب الوطني للرابطة الوطنية للصيد البحري، أن عملية البيع داخل الأسواق تخضع لمنطق “الدلالة”، حيث يتم التنافس على المصطادات وفق العرض والطلب.
بيع السمك بثمن زهيد بمراكش.. كيف فضحت الواقعة تضخم سلسلة الوسطاء وغياب الرقابة وجشع التجار؟
وأكد أن هذا الواقع يجعل البحارة الحلقة الأضعف في السلسلة، إذ لا يستطيعون التحكم في الأسعار النهائية، حتى في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما يؤدي إلى استمرار معاناتهم، رغم أي زيادات محتملة في أسعار البيع.
وفي المقابل، حذر السندادي من أن هذه الاختلالات قد تنعكس أيضًا على المستهلك، حيث قد يستغل بعض المتدخلين ارتفاع أسعار المحروقات لتبرير زيادات مفرطة في أسعار السمك، تتجاوز بكثير الارتفاع الحقيقي في التكاليف، مما يخلق إشكالية مزدوجة تمس المنتج والمستهلك معًا.
❖ مطلب الدعم
يشدد عادل السندادي على ضرورة تدخل الدولة بشكل عاجل لإيجاد حلول عملية لهذه الأزمة، مؤكدًا أن أحد الخيارات المطروحة يتمثل في تقديم دعم مباشر للبحارة، يضمن الحفاظ على الحد الأدنى من هامش الربح لديهم.
وأبرز نائب الكاتب الوطني للرابطة الوطنية للصيد البحري، أن هذا الدعم يجب أن يراعي خصوصية القطاع، خاصة في ظل تراجع المردودية.
وأردف أن أي دعم يتم تقديمه عبر أرباب المراكب قد لا يصل بالضرورة إلى البحارة، وهو ما يثير مخاوف حقيقية لدى هذه الفئة، التي سبق لها أن عانت من إقصاء مماثل في تجارب سابقة، مشددًا على ضرورة اعتماد آليات شفافة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه.
وأشار إلى أن المقاربة المعتمدة في دعم قطاعات أخرى مثل النقل، قد لا تكون مناسبة لقطاع الصيد البحري، بالنظر إلى اختلاف بنيته وطبيعة علاقات الشغل داخله، مما يستدعي صياغة حلول خاصة ومبتكرة.
❖ تمييز غير مبرر
يثير السندادي مسألة التفاوت في أسعار المحروقات بين مختلف أصناف الصيد، معتبرًا أن الصيد الساحلي لا يستفيد من نفس الامتيازات التي تحظى بها أنشطة أخرى، مثل الصيد في أعالي البحار.
واعتبر نائب الكاتب الوطني للرابطة الوطنية للصيد البحري، أن هذا التمييز غير مبرر، خاصة بالنظر إلى الأهمية الاجتماعية والاقتصادية للصيد الساحلي.
أسعار السمك في المغرب.. كيف كشف “مول الحوت” لعبة المضاربات والاحتكار؟
وأوضح أن هذا القطاع يوفر فرص شغل مهمة، خاصة في نشاط صيد السردين، الذي يشغل عددًا كبيرًا من اليد العاملة، ويساهم بشكل كبير في الاقتصاد الوطني، خصوصًا في موانئ الجنوب.
وأكد على ضرورة فتح نقاش حقيقي حول هذه الاختلالات، واعتماد سياسات عمومية منصفة تأخذ بعين الاعتبار دور الصيد الساحلي، وتضمن استدامته، بما يحفظ مصالح البحارة ويحقق التوازن داخل المنظومة البحرية ككل.

