تتجه الأنظار نحو بعثة بعثة المينورسو في ظل النقاش المتجدد داخل أروقة مجلس الأمن الدولي حول مستقبل مهامها وحدود دورها في تدبير ملف الصحراء المغربية.
ويأتي هذا الاهتمام في سياق مراجعة أوسع لفعالية البعثات الأممية، بما يعكس تحولات في المقاربة الدولية للنزاعات، وسط تزايد الدعوات إلى تكييف أدوارها مع الواقع الميداني والديناميات السياسية الراهنة
♦إعادة تعريف مهام البعثة
أبرز هشام معتضد خبير في السياسات العامة والتحليل الاستراتيجي، أن النقاش الدائر حول مسار إعادة تقييم بعثة “المينورسو” داخل مجلس الأمن لم يعد محصورا في مسألة التمديد التقني لمهام تقليدية، بل تحوّل بشكل واضح نحو إعادة تعريف وظيفي شامل للبعثة.
وأوضح الخبير في السياسات العامة والتحليل الاستراتيجي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا التحول عكس إدراكا متقدما داخل دوائر القرار الأممي بأن طبيعة النزاع تغيّرت بشكل عميق، ما فرض ضرورة مراجعة الأدوات المعتمدة لتدبيره، مؤكدا أن تقليص المهام لم يكن تعبيرا عن تراجع الدور الأممي، بل جاء في سياق إعادة تركيز هذا الدور نحو دعم مسار سياسي واقعي، وهو ما يخدم بشكل مباشر المقاربة المغربية التي تقوم على نقل مركز الثقل من مراقبة عسكرية جامدة إلى دينامية تفاوضية قابلة للتنفيذ.
وشدد على أن النموذج الأصلي للبعثة، المرتبط بسياق وقف إطلاق النار وخيار الاستفتاء، لم يعد متلائما مع التحولات الميدانية والسياسية التي شهدها الملف خلال السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن الإبقاء على نفس الصيغة الوظيفية كان سيؤدي إلى تكريس حالة الجمود، في حين أن إعادة الهيكلة سمحت بتقليص الفجوة بين الآليات الأممية والواقع السياسي، ومضيفا أن هذا التحول منح المبادرة المغربية موقعاً أكثر تقدماً، بعدما أصبحت تُقدَّم كخيار عملي قابل للتنفيذ، وليس مجرد طرح نظري ضمن خيارات متعددة.
♦تحولات داخل مجلس الأمن
سجل معتضد أن الدينامية التي شهدتها الاجتماعات الأخيرة داخل مجلس الأمن الدولي كشفت عن تحول تدريجي، لكنه عميق، في تموقع الفاعلين الدوليين تجاه هذا النزاع، مبرزا أن هذا التحول لم يتجسد في مواقف صريحة وحادة، بل ظهر في شكل “تقارب صامت” حول مجموعة من المبادئ الأساسية، في مقدمتها أولوية الاستقرار الإقليمي وضرورة تفادي إنتاج بؤر توتر جديدة.
واعتبر أن هذا التقارب يعكس إدراكا جماعيا لحساسية السياق الإقليمي، خاصة في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة التي تعرفها منطقة الساحل، ملفتا إلى أن هذا التحول تجلى بشكل واضح في اللغة المعتمدة داخل القرارات الأممية، حيث تصاعد حضور مفاهيم “الواقعية” و”الاستدامة” كمرجعيات مركزية في معالجة الملف.
وأبان أن هذا التوجه عكس انتقالا في مقاربة المجتمع الدولي من مجرد إدارة النزاع إلى البحث عن حل فعلي يضمن الاستقرار على المدى المتوسط والبعيد، مضيفا أن هذا التطور يصب بشكل مباشر في صالح الطرح المغربي، الذي يقدم نفسه كخيار متوازن يجمع بين الحفاظ على السيادة وضمان الاستقرار الإقليمي.
♦تغير أولويات المجتمع الدولي
أظهر معتضد أن تراجع بعض أشكال الدعم للأطروحات المناوئة لم يكن معزولا، بل جاء في إطار إعادة ترتيب أوسع للأولويات داخل النظام الدولي، مؤكدا أن النزاع لم يعد ينظر إليه كقضية تصفية استعمار تقليدية، بل كملف ذي أبعاد أمنية واستراتيجية معقدة، ترتبط بشكل مباشر باستقرار فضاء جيوسياسي هش.
وذهب إلى أن هذا التحول في زاوية النظر ساهم في إضعاف السرديات التي كانت تستند إلى مقاربات قانونية جامدة، مقابل صعود مقاربات براغماتية تركز على الحلول القابلة للتطبيق، مضيفا أن البيئة الدولية، التي اتسمت بتزايد التهديدات العابرة للحدود، من الإرهاب إلى الهجرة غير النظامية، دفعت القوى الكبرى إلى إعادة تقييم أولوياتها بشكل جذري.
وأبرز أن هذا الواقع جعل من الاستقرار الإقليمي هدفاً استراتيجياً يتقدم على باقي الاعتبارات، وهو ما انعكس على طريقة التعاطي مع النزاع، مؤكدا أن دعم مقترح الحكم الذاتي لم يعد مجرد موقف سياسي، بل تحوّل إلى أداة عملية لإدارة المخاطر الإقليمية، وهو ما يفسر التحول التدريجي في مواقف عدد من الفاعلين الدوليين الذين أصبحوا يبحثون عن حلول قابلة للتنفيذ بدل التمسك بمقاربات تقليدية.
♦تعزيز موقع الطرح المغربي
اعتبر أن تقليص مهام بعثة “المينورسو” ساهم في إعادة توزيع الأدوار بين الفاعلين، حيث تراجع البعد العسكري-الميداني لصالح بعد سياسي-تفاوضي أكثر مرونة، مؤكدا أن هذا التحول منح الرباط هامشا أوسع للتحرك الدبلوماسي، كما قلّص من قدرة الأطراف الأخرى على استثمار الجمود المؤسساتي لإطالة أمد النزاع.
وخلص إلى أن هذا التطور أعاد توجيه الدور الأممي نحو دعم مسار تفاوضي أكثر فعالية، يتماشى مع المعطيات الجديدة التي فرضتها التحولات الإقليمية والدولية، مؤكدا أن هذا المسار عزّز موقع مقترح الحكم الذاتي كخيار جدي وذي مصداقية، ليس فقط بفعل الدعم الدولي المتزايد، بل أيضاً بسبب انسجامه مع منطق إدارة الأزمات في النظام الدولي المعاصر.
وأبرز أن معيار الحسم لم يعد مرتبطاً بالشرعية النظرية، بقدر ما أصبح مرتبطا بمدى قابلية الحل للتنفيذ وقدرته على تحقيق الاستقرار، مشددا أن هذا التحول منح الطرح المغربي أفضلية استراتيجية واضحة، جعلته أقرب إلى التحول إلى إطار مرجعي للحل.
واستنتج أن ما بدا في الظاهر مجرد إعادة ضبط تقني لمهام بعثة أممية، أخفى في العمق تحوّلا سياسيا عميقا في مقاربة النزاع برمته، مشيرا إلى أن التعامل الدولي انتقل من إدارة حالة الجمود إلى محاولة هندسة مخرج تدريجي ومستدام، في إطار توازنات دولية أعادت ترتيب أولوياتها على ضوء التحديات الأمنية والاقتصادية المتصاعدة.
واعتبر أن هذه الدينامية الجديدة منحت المبادرة المغربية موقعا متقدما، ليس فقط كخيار من بين خيارات، بل كجزء من تصور شامل لإعادة الاستقرار إلى منطقة تعيش على وقع تحولات متسارعة ومعقدة.

