كشف مؤشر مدركات الفساد العالمي لسنة 2025، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، عن استمرار تموقع المغرب ضمن المراتب المتدنية عالميًا، بعد احتلاله المرتبة 91 من أصل 182 دولة، بحصيلة 39 نقطة من أصل 100، رغم تسجيل تحسن نسبي مقارنة بسنة 2024 التي حل فيها في المرتبة 99، وهو معطى يعكس مفارقة لافتة بين الترتيب الرقمي والمسار العام لمحاربة الفساد.
ويترافق هذا التصنيف مع سياق داخلي يتسم بتصاعد انتقادات المجتمع المدني، خاصة جمعية “ترانسبرانسي المغرب”، التي تحذر من تراجع الالتزامات التشريعية والمؤسساتية في مجال الشفافية، ما يثير تساؤلات حول جدوى الإصلاحات المعلنة، وحدود الإرادة السياسية في مواجهة الفساد البنيوي، ومدى انعكاس هذا الوضع على الثقة في المؤسسات والاستقرارين الاقتصادي والاجتماعي.
ترانسبرانسي المغرب تحذر من آثار الاختيارات التشريعية على مكافحة الفساد
❖ قراءة المفارقة
يعتبر عز العرب أحاجي، رئيس الهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية بالمغرب، أن الانتقال بثماني مراتب لا يعني بالضرورة انتصارًا في معركة النزاهة، بل قد يعكس ببساطة أن المغرب يتعثر بوتيرة أقل من دول أخرى شهدت تدهورًا أكبر.
وأبرز أحاجي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن مؤشر مدركات الفساد، يظل مؤشرًا إدراكيًا يقيس الانطباع العام لدى الخبراء ورجال الأعمال، ولا يقيس بشكل مباشر حجم الفساد الفعلي أو تحولات بنيته الداخلية.
وأشار رئيس الهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية بالمغرب، إلى أن التحسن الطفيف قد يكون نتيجة استقرار نسبي في بعض مؤسسات الرقابة، دون أن يعني ذلك انحسارًا حقيقيًا للظاهرة.
وأضاف أن المجتمع المدني لا ينظر إلى الأرقام المجردة، بل يقرأ البنية العميقة للحكامة، لافتًا إلى أنه بينما قد تعكس المؤشرات الدولية تحسنًا نسبيًا، فإن الفاعلين الحقوقيين يلمسون تباطؤًا في تنزيل الإصلاحات الجوهرية، وتأخرًا في إصدار قوانين تنظيمية أساسية، فضلاً عن استمرار أنماط من اقتصاد الريع في بعض الصفقات الكبرى دون مساءلة صارمة.
ويرى أن ما يوصف بالخطاب المتشائم ليس سوى إنذار مبكر، مبرزًا أن المجتمع المدني لا يمارس دور المعارضة، بل يضطلع بوظيفة التحصين الاستباقي للمؤسسات.
ولفت إلى أن تجاهل هذه الأصوات التحذيرية قد يؤدي إلى تآكل الثقة في الدولة ومؤسساتها، وهو أخطر من أي ترتيب متدنٍ في أي تصنيف دولي مهما كانت قيمته.
❖ اختيارات تشريعية
في تقييمه لتأثير التشريعات الأخيرة، يقر أحاجي بوجود بعد مزدوج؛ إذ لا يمكن إنكار أن بعض القوانين وفرت أدوات مهمة للمراقبة، غير أن تطبيقها ظل محدوداً.
واستحضر في هذا السياق القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، الذي منح المجتمع المدني آلية قانونية لمساءلة الإدارة والاطلاع على المعطيات المرتبطة بالصفقات والقرارات، لكنه يؤكد أن الإشكال يكمن في بطء التفعيل وكثرة الاستثناءات.
هيئة النزاهة تكشف تراجعًا “متزايد السلبية” في مؤشرات مكافحة الفساد
واستطرد أن تطوير الترسانة القانونية المتعلقة بصفقات الجماعات الترابية أتاح إمكانية الطعن في بعض الصفقات المشبوهة، غير أن المساطر المعقدة وطول أمد التقاضي يحدان من فعالية هذه المقتضيات.
ونبه رئيس الهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية بالمغرب، إلى أن النصوص لا تتحول تلقائيًا إلى ممارسات ما لم تواكب بإرادة سياسية واضحة وتفعيل قضائي صارم.
وأشار إلى أن عدد من المعيقات التي قيدت الفعل الرقابي؛ من بينها التضييق على التمويل الأجنبي للجمعيات، ما أثر على استقلاليتها وقدرتها على إعداد تقارير موازية ومتابعة الملفات الكبرى.
وأبرز أن استمرار غياب حماية قانونية فعالة للمبلغين عن الفساد، رغم الوعود المتكررة، وهو ما يجعل بعضهم عرضة للملاحقة أو الضغوط بدل التشجيع.
وأضاف إلى ذلك؛ التأخر في تفعيل بعض المؤسسات الدستورية المرتبطة بالحكامة، وهو ما يعمق الإحساس بجمود مؤسساتي لا ينسجم مع روح دستور 2011.
❖ إصلاح المنظومة
فيما يتعلق بالسبل الكفيلة بإعادة الاعتبار لمنظومة مكافحة الفساد، يقترح أحاجي مقاربة ثلاثية الأبعاد، تبدأ بإرادة سياسية صريحة لا تخضع للحسابات الظرفية.
وشدد على أن محاربة الفساد، ينبغي أن تتحول إلى مؤشر أداء حكومي واضح، يقاس بمدى تفعيل آليات الرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة، لا بمجرد الشعارات الانتخابية.
تقرير حكومي يرصد تفشي الفساد في مأذونيات سيارات الأجرة.. فمن يتحمل المسؤولية وأين يكمن الحل؟
وعلى المستوى المؤسساتي، يؤكد على ضرورة إخراج الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة من دائرة الجمود، عبر تعيين قيادة فاعلة ومنحها صلاحيات أوسع تمكنها من الانتقال من دور استشاري محدود إلى وظيفة أكثر تأثيراً في الرصد والتحقيق والإحالة.
وأما على المستوى المجتمعي، فيرى أن المرحلة تقتضي شراكة حقيقية بين الدولة وجمعيات الحوكمة، تقوم على الاعتراف المتبادل بالأدوار لا على منطق الوصاية أو التضييق.
واقترح إطلاق برنامج وطني لتعزيز النزاهة، يدمج التربية على القيم، وتبني تقارير المجتمع المدني كمدخل للإصلاح، مع التعجيل بإقرار حماية قانونية صريحة للمبلغين عن الفساد.
وأكد على البعد الدولي، معتبرًا أن استعادة المصداقية تمر عبر انخراط جاد في آليات المراجعة الدولية؛ خاصة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وإظهار الإصلاحات بشكل عملي لا الاكتفاء بتحسين الأرقام.
ولفت إلى أن المعركة الحقيقية ليست مع تصنيف سنوي، بل مع بنية فساد منهجي قد يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي إذا لم يواجه بإصلاح عميق وشجاع.

