أنهت مؤشرات الأسعار بالمغرب سنة 2025 على وقع استقرار نسبي في مستويات التضخم، بعدما أفادت معطيات المندوبية السامية للتخطيط بأن متوسط التضخم الأساسي السنوي، الذي يستثني المواد ذات الأثمان المحددة والمواد المتقلبة، بلغ حوالي 0.8 % مقارنة بسنة 2024، ويعكس هذا المعطى تراجعًا ملحوظًا في وتيرة الضغوط السعرية، مدفوعًا بانخفاض بعض أثمان المواد الغذائية، مقابل استقرار نسبي في المواد غير الغذائية، وذلك في سياق اقتصادي يتسم بتقلبات خارجية مستمرة وبتفاوت واضح في نسب ارتفاع الأسعار بين المدن المغربية.
وفي مقابل هذا المنحى الإيجابي الظاهر، يظل النقاش مفتوحًا حول ما إذا كان هذا الاستقرار يعكس تحسنًا فعليًا في القدرة الشرائية للأسر أم مجرد هدوء ظرفي في دينامية الأسعار؛ خاصة مع استمرار ارتفاع كلفة بعض المواد والخدمات الأساسية في عدد من المدن، وكما يبرز التساؤل حول مدى نجاعة السياسات العمومية والنقدية في ترسيخ هذا الاتجاه على المدى المتوسط، وحول قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة أي موجات تضخمية محتملة مرتبطة بتقلب الأسواق العالمية للطاقة والغذاء.
مؤشر التضخم الأساسي السنوي يسجل زيادة بنسبة 0,8% خلال سنة 2025
❖ دلالات الرقم
يمثل تسجيل معدل تضخم في حدود 0.8 %، وفق قراءة محمد أفزاز، الخبير والمحلل الاقتصادي المقيم في قطر، خبرًا إيجابيًا على مستوى مؤشرات الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي؛ خاصة من زاوية انعكاسه على صورة المالية العامة وقدرة الدولة على التحكم في الضغوط السعرية.
وأبرز أفزاز في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا المستوى المنخفض يعكس في الظاهر نجاحًا في احتواء موجات الارتفاع التي شهدتها الأسعار خلال فترات سابقة، ويمنح إشارات طمأنة للأسواق والفاعلين الاقتصاديين حول اتجاه الاقتصاد نحو قدر من التوازن النسبي.
وغير أن هذا الرقم بحسب الخبير والمحلل الاقتصادي، لا ينبغي التعامل معه باعتباره مؤشرًا مباشرًا على تحسن فعلي في القدرة الشرائية للأسر، لافتًا إلى أن المعيار الحاسم في هذا السياق يظل مرتبطًا أساسًا بتطور الأجور ومستويات الدخل، ومدى قدرتها على مجاراة أو تجاوز وتيرة ارتفاع الأسعار.
وأشار إلى أن انخفاض التضخم في حد ذاته، لا يعني تلقائيًا وبشكل مباشر أن المواطنين يشعرون بارتياح اقتصادي أو بقدرة أكبر على الاستهلاك، ما دام نمو المداخيل لا يسير بالوتيرة نفسها.
ولفت إلى أن تباطؤ التضخم يعكس في جوهره تحسنًا تقنيًا أكثر منه تعبيرًا عن استقرار اقتصادي محصن ومستدام، مبرزًا أن الاقتصاد القوي هو الذي يحقق توازنًا بين انضباط الأسعار وتحفيز الطلب وتحسن الأجور، بما يسمح بدورة نمو صحية وقادرة على مواجهة الصدمات الداخلية والخارجية دون أن تعود الضغوط التضخمية للارتفاع بشكل مفاجئ.
❖ سياسات الفائدة
يربط محمد أفزاز هذا التباطؤ في التضخم بنجاح نسبي للسياسات النقدية التي اعتمدها البنك المركزي (بنك المغرب)، وعلى رأسها رفع معدلات الفائدة كآلية لكبح الطلب وتهدئة وتيرة الاقتراض الاستهلاكي.
وأوضح أنه كلما ارتفعت أسعار الفائدة، كلما تم امتصاص جزء أكبر من السيولة النقدية المتداولة في السوق، لتعود إلى البنوك في شكل ودائع، ما يحد من النزعة الاستهلاكية القائمة على القروض.
وهذا التوجه النقدي، بحسب التحليل ذاته، ساهم في السيطرة على مستويات السيولة في الأسواق، وبالتالي في تخفيف الضغوط على الأسعار.
خفض سعر الفائدة.. قراءة في تأثيراته المرتقبة على المقاولات والاستثمار وفرص الشغل
وأردف أن ذلك يعد مؤشرًا على نجاعة أدوات السياسة النقدية في تحقيق أحد أهدافها الرئيسية، والمتمثل في الحفاظ على استقرار الأسعار ضمن هوامش مقبولة تضمن التوازن بين العرض والطلب.
وأشار الخبير والمحلل الاقتصادي، إلى دور السياسات المالية والاقتصادية التي حافظت على دعم عدد من المواد الأساسية، ما ساهم في تحييد جزء من أثر التضخم المستورد.
وأبرز أن هذا المسار تزامن مع تراجع أسعار النفط وبعض السلع الاستراتيجية في الأسواق العالمية، وهو ما وفر هامشًا إضافيًا للسلطات من أجل الحد من انتقال الصدمات الخارجية إلى السوق الداخلية.
❖ سلوك المستهلك
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، يلفت محمد أفزاز إلى عامل لا يقل أهمية، يتمثل في حذر الأسر في الاستهلاك، وهو ما يعكس تراجعًا في الطلب الداخلي، معتبرًا أن التقشف النسبي في الإنفاق قد يكون من جهة، نتيجة لسياسات الفائدة المرتفعة التي تجعل الاقتراض أقل جاذبية، لكنه من جانب آخر قد يعكس مخاوف تتعلق بالقدرة الشرائية وبالآفاق الاقتصادية المستقبلية.
وأبرز أن هذا السلوك الاستهلاكي، وإن ساهم في كبح التضخم، يطرح في المقابل تساؤلات حول انعكاساته على دينامية النمو الاقتصادي، موضحًا أن الطلب الداخلي يُعد أحد المحركات الأساسية للنشاط الاقتصادي، وأي ضعف مستمر فيه قد يحد من قدرة الاقتصاد على تحقيق معدلات نمو مستدامة قائمة على الاستهلاك والاستثمار معًا.
وأكد أن العلاقة بين التضخم والنمو ليست علاقة خطية بسيطة، بل توازن دقيق، مبرزًا أن معدلات تضخم متدنية جدًا قد تعكس في بعض الأحيان، ركودًا في الطلب وضعفًا في الدورة الاقتصادية، بينما معدلات مرتفعة بشكل مفرط قد تقوض القدرة الشرائية وتخلق حالة من عدم اليقين المالي.
❖ نمو استثماري
في هذا السياق، يشير محمد أفزاز إلى أن النمو الذي حققه المغرب خلال سنة 2025، والذي بلغ حوالي 4.7 % مع توقعات ببلوغه نحو 5 % خلال السنة الجارية، يستند بالأساس إلى الإنفاق الاستثماري المرتبط بمشاريع كبرى، وعلى رأسها مشاريع البنية التحتية المرتبطة بتنظيم كأس العالم.
وهذا النمو وفق التحليل ذاته، لا يعكس بالضرورة انتعاشًا قويًا في الاستهلاك الداخلي بقدر ما يعكس دينامية استثمارية تقودها الدولة والقطاع الخاص لتنفيذ التزامات استراتيجية طويلة الأمد، وهو ما يمنح الاقتصاد دفعة قوية على مستوى الطلب الكلي، لكنه يطرح في المقابل تحدي ضمان توزيع آثار هذا النمو على مختلف الفئات الاجتماعية.
وأضاف الخبير والمحلل الاقتصادي، أن سنة 2026 قد تشهد عاملاً إضافيًا داعمًا للنمو، يتمثل في الانتعاش المتوقع للقطاع الفلاحي بعد سنوات من الجفاف، مشيرًا إلى أن عودة الأمطار وتحسن الموسم الزراعي من شأنهما رفع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، وتعزيز الدخل في العالم القروي، بما ينعكس إيجابًا على الطلب الداخلي.
❖ سيناريوهات 2026
بخصوص آفاق التضخم خلال سنة 2026، يرسم أفزاز ثلاثة سيناريوهات رئيسية؛ أولهم يفترض فيه استمرار استقرار أسعار النفط والسلع الاستراتيجية عالميًا، وتحسن أداء القطاع الزراعي، إلى جانب مواصلة سياسة نقدية حذرة، حيث في هذه الحالة، قد يستقر التضخم في حدود 1 إلى 2 %، وهو مستوى يعكس توازنًا نسبيًا بين استقرار الأسعار ودعم النشاط الاقتصادي.
وأما السيناريو الثاني، الذي يعتبره الأكثر توازنًا، فيفترض تسجيل معدل تضخم يتراوح بين 2 و2.5 %، حيث إن هذا المستوى من وجهة نظره، يعكس وضعًا صحيًا للاقتصاد، يجمع بين انضباط الأسعار، وتحفيز الاستهلاك ودعم النمو، على غرار ما تعتمده العديد من البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة.
مشروع قانون مالية 2026 بين طموح النمو وتقليص العجز.. هل تنجح الحكومة في تحقيق المعادلة الصعبة؟
وأوضح أنه في المقابل، يبقى السيناريو السلبي قائمًا في حال تجدد الصدمات الخارجية؛ سواءً عبر ارتفاع أسعار الطاقة أو السلع الأساسية، وتقلص دعم الأسعار، وعودة السياسة النقدية إلى مزيد من التيسير، مبرزًا أنه في هذه الحالة، قد تعود الضغوط التضخمية إلى الواجهة، بما يفرض تحديات جديدة على الاستقرار المالي والاجتماعي.
❖ مقارنة دولية
يعزز أفزاز تحليله بمقارنة مع ممارسات البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة، مثل البنك المركزي الأوروبي والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، حيث يُعتبر معدل تضخم يتراوح بين 2 و2.5 % المستوى الإيجابي الأمثل.
وأردف الخبير والمحلل الاقتصادي، أن هذا المستوى يعكس في الوقت نفسه؛ انضباطًا للأسعار وتحسنًا في القدرة الشرائية وارتفاعًا في الأجور وتحفيزًا للطلب، بما يؤدي إلى استقرار معدلات النمو.
استثمارات المونديال.. هل ستضيف أعباءً إضافية على ميزانية الدولة وما أثرها على الاقتصاد الوطني؟
وفي هذا الإطار، يرى الخبير أن معدلات تضخم أقل من 2 % لا تعني بالضرورة مؤشرًا إيجابيًا على صحة الاقتصاد المحلي، تمامًا كما أن معدلات تفوق 2.5 أو 3 % قد تطرح تحديات كبيرة أمام الاقتصاد المغربي؛ سواءً على مستوى الاستقرار النقدي أو الاجتماعي.
واستطرد أنه بناءً على ما سبق، فإن قراءة رقم 0.8 % يجب أن تتم ضمن هذا الإطار المقارن، الذي يوازن بين متطلبات الاستقرار ومتطلبات النمو، بدل الاكتفاء بالنظر إليه كرقم إيجابي أو سلبي في حد ذاته.
❖ أفق المونديال
في رؤيته الاستشرافية الأوسع، يعتبر محمد أفزاز أن العامل الحاسم في مسار أداء الاقتصاد المغربي خلال الخمس سنوات المقبلة سيكون تنظيم كأس العالم.
وأوضح أن التزامات المغرب بتنفيذ اشتراطات الاتحاد الدولي لكرة القدم على مستوى تطوير البنية التحتية الرياضية والنقل والصحة، ستدفع إلى إنفاق مليارات الدولارات.
ويتحدث الخبير عن تقديرات تشير إلى إنفاق قد يصل إلى نحو 100 مليار دولار على مدار خمس سنوات، بمعدل يقارب 20 مليار دولار سنويًا، بمشاركة القطاعين العام والخاص ومتدخلين آخرين.
تدشين أضخم مركب لصناعة محركات الطائرات.. هل يدخل المغرب عصر السيادة الصناعية؟
وأضاف أن ذلك يشمل مشاريع كبرى، مثل رفع القدرة الاستيعابية للمطارات لتصل إلى نحو 80 مليون مسافر، وتوسيع شبكة القطار فائق السرعة، وغيرها من الأوراش الاستراتيجية.
وتابع أنه إلى جانب ذلك، يبرز دور قطاعات ريادية أخرى في دعم النمو المستدام، مثل صناعة السيارات والطيران، وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، وإيرادات السياحة.
وأشار إلى أن المغرب حقق رقمًا قياسيًا في 2025 باستقباله نحو 19.8 مليون سائح، ليصبح الوجهة السياحية الأولى في إفريقيا، مع طموح للوصول إلى 26 مليون سائح في أفق 2030.
❖ آفاق النمو
يشير محمد أفزاز إلى أن المغرب، رغم التحديات القائمة، مرشح لتحقيق معدلات نمو تتراوح بين 4.5 و5 % خلال السنوات المقبلة، موضحًا أن هذا الأداء سيكون مدفوعًا بمزيج من العوامل، أبرزها مشاريع المونديال، والقطاعات الصناعية الرائدة، واستمرار ارتفاع تحويلات المغاربة في الخارج وانتعاش السياحة.
المؤشرات الاقتصادية للمغرب.. هل تكفي السياسة النقدية لتحريك الطلب في ظل تآكل القدرة الشرائية؟
وشدد على أن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان أن يواكب هذا النمو تحسن ملموس في القدرة الشرائية وفي مستويات الأجور، حتى يتحول الاستقرار التقني في التضخم إلى استقرار اقتصادي واجتماعي مستدام يشعر المواطن بآثاره المباشرة في حياته اليومية.
ونبه الخبير والمحلل الاقتصادي إلى أن قراءة رقم التضخم تبقى مدخلاً لفهم أعمق لمسار الاقتصاد الوطني، وليس غاية في حد ذاتها، ضمن معادلة دقيقة تجمع بين الاستقرار والنمو والعدالة الاجتماعية، والتحصين أمام تقلبات الداخل والخارج.

