في حادث مأساوي هزّ مشاعر ساكنة حي القدس بمنطقة البرنوصي في مدينة الدار البيضاء، تم صباح الثلاثاء الماضي العثور على جثتي سيدة متشردة ورضيعها، حيث بدت عليهما آثار اعتداء وحشي بالحجارة، قرب مبنى مهجور يُستخدم كمأوى عشوائي للفئات الهشة، وهذه الجريمة التي تُرجّح المعطيات الأولية أنها ارتُكبت من طرف شخص يعيش بدوره في وضعية الشارع، أثارت موجة استنكار وغضب لدى الرأي العام الوطني، لما تنطوي عليه من بشاعة وسوداوية؛ خاصة في ظل صمت مريب يطبع تفاعل الجهات المعنية مع هذا النوع من الكوارث الإنسانية.
وتعيد هذه الواقعة المروّعة إلى الواجهة مأساة النساء والأطفال في وضعية التشرد، وسط فراغ قانوني، وهشاشة في منظومات الحماية الاجتماعية، ما يطرح تساؤلات حول إن كانت ستتحول الشوارع إلى مساحات موت بطيء ومعلن لهؤلاء المهمشين، وعن مسؤولية المؤسسات في الاستباق والتكفل ومنع تكرار هذا السيناريو المفجع، وكذا دور كل من الدولة بمؤسساتها ومجالسها، والجماعات الترابية والمجتمع المدني في التصدي لتصاعد هذا النوع من الجرائم.
❖ هشاشة مركبة
تصف آمال الأمين، منسقة ائتلاف “دنيا” لمنع زواج الطفلات، ومسؤولة المشاريع بجمعية حقوق وعدالة، فاجعة البرنوصي بأنها مثال مرعب على ما يمكن أن تؤول إليه أوضاع النساء في وضعية الشارع حين تفشل السياسات العمومية في توفير الحماية والتمكين الاقتصادي والاجتماعي.
وفي تصريح لجريدة “شفاف”، اعتبرت الأمين أن الجريمة تعكس “انتهاكًا مزدوجًا” لحقوق الإنسان، لأنها طالت امرأة في وضعية هشاشة ورضيعًا لا يملك حتى أدوات النجاة في بيئة قاسية وغير آدمية.
فاجعة شاطئ سيدي رحال.. من يوقف خرق قانون الساحل وحماية أرواح المصطافين؟
وقالت الناشطة الحقوقية إن ما جرى لا يمكن قراءته بشكل منعزل عن السياق المجتمعي العام، الذي لا يمنح المرأة؛ خاصة إذا كانت مطلقة أو بدون دعم أسري، فرصًا متساوية في العيش الكريم.
وأردفت مسؤولة المشاريع بجمعية حقوق وعدالة، أن الفقر والتهميش والتمييز المجتمعي غالبًا ما يدفع النساء نحو الشارع، حيث تتضاعف معاناتهن في غياب أي حماية مؤسساتية فعالة.
ووفقًا للأمين، فإن مسؤولية ما وقع لا تتوقف عند الجاني فقط، بل تمتد لتشمل صمت السياسات العمومية التي فشلت في الوقاية والاستباق.
وشددت على أن الحالة الاجتماعية للضحايا تكشف عن فجوات واضحة في المنظومة الحمائية، لا سيما تجاه الأمهات العازبات أو النساء اللائي وجدْن أنفسهن خارج دوائر الدعم الرسمي.
❖ عنف مضاعف
تلفت آمال الأمين إلى أن النساء في وضعية الشارع لا يواجهن فقط خطر التشرد، بل يكنّ عرضة بشكل يومي ومزمن لمختلف أشكال العنف، بما في ذلك الاستغلال الجنسي والاغتصاب، والانتهاك الجسدي والنفسي، مؤكدة أن هذه الحالات لا تُوثّق بشكل رسمي، ما يُبقيها في خانة المسكوت عنه.
وتشير إلى أن أغلب النساء المتشردات هن ضحايا لسياقات متشابكة تبدأ من هشاشة النشأة، وتنتهي بانهيار مساراتهن التعليمية أو العائلية، ما يجعلهن أهدافًا سهلة للوقوع في علاقات استغلال أو اغتصاب، لتُنجبن أطفالًا غير معترف بهم قانونيًا أو اجتماعيًا، معتبرة أنه في غياب المأوى والدعم، يتحوّل الشارع إلى فضاء قسري لتربية هؤلاء الأطفال أو التخلي عنهم.
استغلال القاصرين المغاربة بإسبانيا.. عطب في الرعاية أم فشل في التنسيق الدولي؟
وترى الأمين أن النظام القانوني المغربي لا يمنح الأمهات العازبات سوى القليل من الأدوات لحماية أنفسهن وأبنائهن، حيث تحكم بعض المقتضيات الجنائية على المرأة من منطلق “الفساد الأخلاقي” أكثر من اعتبارها ضحية انتهاك، موضحة أن ذلك يزيد من تفاقم وضعية هؤلاء النساء، حيث يُنظر إليهن بوصمة عار بدل منحهن فرصة للإدماج والدعم.
❖ فشل السياسات
تُسلّط آمال الأمين الضوء على ما تصفه بـ”الخلل البنيوي” في تعاطي الدولة مع قضايا التشرد والهشاشة، خاصة في صفوف النساء والأطفال، منتقدة غياب التنسيق بين القطاعات الحكومية، حيث تشتغل كل وزارة بمفردها دون رؤية موحّدة أو منظومة تدخل مندمجة، ما يؤدي إلى تكرار الجهود دون أثر ملموس.
وتوضّح أن الدولة، رغم ما تعلنه من مبادرات، تظل رهينة منطق الكم على حساب الكيف، حيث يُقدّر النجاح بعدد “السِّلال الغذائية الموزعة” أو “عدد الأسر المستفيدة”، بينما تُغفل معايير الجودة والتمكين.
وتستغرب مسؤولة المشاريع بجمعية حقوق وعدالة؛ كيف أن دعمًا ظرفيًا كمنح وجبة أو غطاء يُعتبر “إنجازًا”، في حين أن المطلوب هو خلق فرص للعيش الكريم والتكوين والتمكين الاقتصادي.
وتستحضر نموذج “المآوي الجماعية المؤقتة” التي تُنشأ خلال التظاهرات الدولية أو المناسبات، لتُخلي المدن من المشردين، دون أن تراعي التمايز العمري أو الجنسي أو النفسي داخل هذه الفئات.
وأشارت الناشطة الحقوقية، إلى أنه غالبًا ما تتحول هذه الفضاءات إلى أماكن تنعدم فيها شروط السلامة النفسية والجسدية، بل قد تسهم في تحويل الضحايا إلى جانحين لاحقًا.
❖ ثغرات قانونية
تنتقد آمال الأمين الفراغ القانوني الحاصل فيما يتعلق بحماية الأمهات العازبات والأطفال المولودين خارج إطار الزواج، معتبرة أن التشريعات الحالية تُكرّس الإقصاء بدل الإدماج، موضحة أن غياب الاعتراف بالنسب، وحرمان الطفل من أوراق الهوية، يعني حرمانه من التعليم والرعاية الصحية والكرامة.
وتقول إن المغرب يُغضّ الطرف عن آلاف الأطفال الذين يعيشون “خارج الاعتراف الرسمي”، مما يجعلهم غير مرئيين قانونيًا ولا مستفيدين من أي برنامج اجتماعي أو حق من الحقوق الأساسية، معتبرة أن مسؤولية الدولة هي أن تعيد لهؤلاء الاعتبار كمواطنين لا كأرقام هامشية في تقارير المناسبات.
مدونة الأسرة.. تباين في الآراء حول مضامين التعديلات ودعوات لتعزيز التوازن الأسري
وتؤكد الناشطة الحقوقية أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ بمراجعة النصوص القانونية من منظور حقوقي يُراعي مصلحة الطفل أولًا، ويمنح النساء المعنيات إمكانية الإدماج بدل الوصم.
وتشير مسؤولة المشاريع بجمعية حقوق وعدالة، إلى أن خطاب “العيب والعار” لا يمكن أن يكون أساسًا لتشريع عصري وإنساني يعالج الظواهر الاجتماعية بما يليق.
❖ الدولة والمجتمع
تدعو الأمين إلى مقاربة متعددة الأبعاد، تشمل الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، لبلورة رؤية مندمجة لحماية النساء في وضعية هشاشة.
وتشدد على أن العمل المدني لم يعد “مكمّلًا”، بل أصبح “بديلاً اضطراريًا” في ظل تقاعس الجهات الرسمية، خصوصًا في المناطق القروية وشبه الحضرية.
وتحذّر الناشطة الحقوقية من استمرار التركيز على مدن معينة وترك هوامش البلاد خارج البرامج، ما يُعمّق الفوارق المجالية ويعيد إنتاج نفس الظواهر في أماكن مختلفة.
واقعة مراكش.. شبكات الاتجار بالبشر تستغل براءة الأطفال فمن يتحمل مسؤولية حماية الطفولة؟
وتدعو مسؤولة المشاريع بجمعية حقوق وعدالة، إلى اعتماد هندسة اجتماعية تراعي الخصوصيات الجهوية في التخطيط والتنفيذ، وتضع حاجيات السكان في قلب أي سياسة عمومية.
وتخلص آمال الأمين إلى أن تحقيق تنمية اجتماعية حقيقية لن يكون ممكنًا دون مساءلة فِعلية للسياسات، وتعبئة فعلية للموارد، وتنسيق فعّال بين الفاعلين، مع جعل مصلحة المرأة والطفل مركز الرؤية التنموية، وليس حاشية ملحقة بها.

