قبل أيام من حلول عيد الأضحى، تشهد الأسواق المغربية موجة غير مسبوقة من الإقبال على اللحوم الحمراء، وخصوصًا الكبد و”الدوارة”، في مشهد يناقض بلاغًا ملكيًا كان قد أوصى بالإحجام عن ذبح الأضاحي حفاظًا على القطيع الوطني، وهذا التهافت الشعبي دفع بالعديد من الجزارين إلى الرفع من الأسعار بشكل صاروخي، حيث تجاوز ثمن الكيلوغرام الواحد من اللحم حاجز 120 درهمًا، فيما قفزت أثمنة “الدوارة” إلى حدود 700 درهم في بعض المدن، ما أفرز وضعًا غير متوازن بين العرض والطلب وسط غياب ملحوظ لآليات الرقابة على السوق.
وفي الوقت الذي تبرر فيه بعض الأصوات المهنية هذه الارتفاعات بكلفة الإنتاج وندرة اللحوم ذات الجودة العالية، يرى متتبعون أن السياق الراهن يعيد طرح إشكاليات أعمق مرتبطة بتنظيم سلاسل التوزيع، وفعالية التدخل العمومي، وكلفة تدبير الأزمات في قطاع اللحوم الحمراء، ما يثير مخاوف من استمرار الأسعار في منحاها التصاعدي رغم كل التدابير المُعلنة، وحول تقاطع مسؤوليات الدولة والمهنة في تأمين العدالة السعرية، وعن مستقبل هذه الأسعار بعد مرور العيد.
400 درهم لكل أنثى ماشية مرقمة.. وزير الفلاحة يوضح تفاصيل دعم القطيع والتنسيق مع الداخلية
♦ ارتفاع موسمي حاد
أبرز هشام الجوابري، الكاتب الجهوي لتجار اللحوم بالجملة والمجازر الحضرية بالدار البيضاء، أن سوق اللحوم الحمراء خلال الأيام الأخيرة سجل ارتفاعًا لافتًا في الأسعار، خاصة بالنسبة لمنتجات مثل “الدوارة” ولحوم الأغنام، وذلك بفعل عاملين رئيسيين.
وقال الجوابري في تصريح لجريدة “شفاف”، إن أولى الأسباب يرتبط بتزايد الإقبال الاستثنائي للمواطنين على اقتناء هذه المواد تزامنًا مع إلغاء شعيرة عيد الأضحى، ورغبة جزء من المستهلكين في تخزين كميات من اللحوم قبل موعد العيد.
وأكد الكاتب الجهوي لتجار اللحوم بالجملة والمجازر الحضرية بالدار البيضاء، أن ثمن “الدوارة” انتقل من 300 درهم إلى 700 و800 درهم في بعض المناطق، نتيجة الطلب المرتفع الذي لم يُقابل بعرض كافٍ، ما أدى إلى اختلال في توازن السوق.
فيما يرتبط بالعامل الثاني، أردف أنه في ظل قرار إلغاء شعيرة الأضحى، يبدو أن الأسواق لم تُفرغ تمامًا من مظاهر الطلب المرتبط بالمناسبة، حيث لجأ مواطنون إلى أسواق الأغنام رغبة في التضحية ولو بشكل فردي، ما ساهم بدوره في رفع الأسعار.
وأوضح أن هذا الوضع يثير تساؤلات ضمنية حول قدرة القرار الملكي الهام والمتبصر، من حيث الحفاظ على القطيع، على إحداث الأثر المتوقع إن لم يُرفق بإجراءات تنظيمية موازية، من قبيل ضبط الأسواق ومنع بيع الأكباش.
ولفت الكاتب الجهوي لتجار اللحوم بالجملة والمجازر الحضرية بالدار البيضاء، أن الوضع الحالي يطرح تساؤلات عن مدى فعالية الاستيراد في تعديل كفة السوق، وعمّا إذا كان القطاع مستعدًا فعلًا للدخول في مسار إعادة هيكلة عميق.
♦ ازدواجية الإقبال
يشير هشام الجوابري إلى أن ارتفاع الأسعار الأخير ناتج عن سلوكين متباينين لدى المواطنين، فجزء منهم امتثل لقرار إلغاء عيد الأضحى ولجأ إلى اقتناء اللحوم بشكل مباشر من المجازر والمهنيين، مما خلق ضغطًا على منتوج “الدوارة” ورفع سعره بشكل صاروخي.
وزاد قائلا الكاتب الجهوي لتجار اللحوم بالجملة والمجازر الحضرية بالدار البيضاء، إن الجزء الآخر اختار الحفاظ على طقوس العيد، فاتجه للأسواق المفتوحة لشراء الأكباش، ما أدى إلى انتعاش مؤقت في الطلب وارتفاع إضافي في الأسعار.
ومن وجهة نظر الجوابري، فإن الأسعار الحالية ما هي إلا انعكاس مباشر لمعادلة اقتصادية بسيطة، حيث إنه عندما يفوق الطلب العرض، ترتفع الأسعار، موضحا أن ثمن “الدوارة” مثلًا تضاعف بسبب هذا الضغط، إذ انتقل من 300 درهم إلى 800 درهم.
وشدد على أن هذا الوضع يعكس أهمية القرار الملكي بإلغاء شعيرة الأضحى، مبرزا أنه لو تم الإبقاء عليها؛ كان من الممكن أن تصل أسعار الأكباش إلى أزيد من 10,000 درهم.
♦ فتح المجازر والتنبيه للمواطنين
يدعو الجوابري المواطنين إلى تجنب التهافت على “الدوارة” في الأيام التي تسبق عيد الأضحى، وينصحهم بالانتظار لما بعده بيومين أو ثلاثة حيث تعود الأسعار إلى مستواها الطبيعي.
وطمأن الكاتب الجهوي لتجار اللحوم بالجملة والمجازر الحضرية بالدار البيضاء، المستهلكين إلى أن المجازر العمومية ستظل مفتوحة دون انقطاع، وهو ما يوفر بدائل منتظمة وآمنة دون الحاجة إلى المضاربة أو التخزين العشوائي.
الحكومة تطلق برنامجا لدعم مربي الماشية وإعادة تشكيل القطيع الوطني استجابة لتوجيهات ملكية سامية
وأوضح أن الاستيراد أدى إلى تحقيق نوع من التوازن في السوق، فبعد أن كانت المجازر تعتمد بنسبة تقارب 100% على الذبيحة المستوردة، أصبح الوضع حاليًا متقاسمًا بين المحلي والمستورد بنسبة 50% لكل منهما.
وأكد على ضرورة الحفاظ على هذا التوازن، لأن الاستيراد يسهم في تخفيف الضغط على القطيع الوطني ويسمح بإعادة هيكلة قطاع تربية المواشي.
♦ مراقبة السوق والاحتكار
يعتبر الجوابري أن الدور الأساسي للسلطات في هذه المرحلة هو فرض رقابة صارمة على الأسواق، ومنع الاحتكار والمضاربة، خصوصًا في فترة عيد الأضحى.
واقترح إغلاق أسواق الماشية مؤقتًا ومنع بيع الأكباش للعموم خلال هذه المرحلة، حتى لا تتحول الأسواق إلى بؤر لارتفاع جنوني للأسعار يُجهض مفاعيل القرار الملكي الحكيم.
وفي تحليله للتطورات الراهنة، يؤكد الجوابري أن ارتفاع الأسعار ليس ظرفيًا فقط، بل يعكس اختلالًا هيكليًا يشمل سلاسل الإنتاج والتوزيع.
ويرى أن المغرب، على غرار دول كبرى مثل فرنسا وإيطاليا، اضطر إلى استيراد كميات ضخمة من اللحوم، وهو ما يبيّن أن الأزمة تمتد إلى بنية القطاع نفسه وليست مرتبطة فقط بتقلبات موسمية أو ظرفية.
♦ أسعار ما بعد العيد
يتوقع الجوابري أن تعرف أسعار لحم العجل استقرارًا نسبيًا بعد العيد، إلا أن هذا الاستقرار يظل مشروطًا بمدى التوازن بين العرض والطلب.
ويُنبّه إلى أن ما يُعلن من أسعار الجملة في المجازر لا يعكس الأسعار النهائية عند البائع بالتقسيط، لأن الكلفة تشمل النقل والأجور وكراء المحلات والكهرباء، مضيفا أن المواطن يجب أن يميز بين سعر الجملة وثمن التقسيط حتى لا يقع في مغالطات.
تراجع القطيع الوطني للماشية بـ38%.. هل يمكن أن يؤثر انخفاض أعداد المواشي على إحياء شعيرة عيد الأضحى؟
وذكر أنه حاليًا، يوجد بالمجازر المغربية ثلاثة أنواع من اللحوم، البرازيلي (70-75 درهم)، والإسباني (85-88 درهم)، والمحلي (90 درهم) بالنسبة لثمن الجملة بخصوص الكيلوغرام الواحد.
وتابع أنه بالنسبة للحوم الأغنام، فإن الأسعار تتراوح بين 70 و110 دراهم في البيع بالجملة؛ حسب الوزن والجودة، مشيرا إلى أن هذا التنوع يعكس تعدد اختيارات المستهلكين، وأن الأهم هو ضمان وفرة المنتوج على المستوى الوطني.

