في خطوة دبلوماسية لافتة، أعلنت جمهورية كينيا، اليوم الاثنين، دعمها الصريح للمخطط المغربي للحكم الذاتي بالصحراء، معتبرة إياه “المقاربة المستدامة الوحيدة” لحل هذا النزاع الإقليمي، وجاء هذا الموقف في بيان مشترك صدر عقب لقاء رسمي جمع بين وزير الخارجية ناصر بوريطة، ونظيره الكيني، الوزير الأول ووزير الشؤون الخارجية موساليا مودافادي، وذلك بالتزامن مع افتتاح أول سفارة كينية بالرباط، في مؤشر واضح على بداية مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية بين البلدين.
وهذا الإعلان السياسي القوي من نيروبي يندرج في سياق إقليمي يتسم بتغير مواقف عدد من الدول الإفريقية إزاء ملف الصحراء، في ظل دينامية دولية متصاعدة تدعم مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بقيادة مباشرة من الملك محمد السادس، ما يطرح تساؤلات حول إن كان يُشكل الموقف الكيني نقطة تحول داخل الفضاء الأنغلوفوني الإفريقي، وعن مساهمة هذه الخطوة في تسريع وتيرة سحب الاعترافات بجبهة “البوليساريو” الانفصالية داخل القارة.
موقف كيني جديد : نيروبي تدعم مخطط الحكم الذاتي المغربي كحل وحيد لقضية الصحراء
♦ تتويج لمسار دبلوماسي
يرى أحمد نور الدين، الخبير في العلاقات الدولية وشؤون الصحراء، أنه في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها الدبلوماسية الإفريقية بشأن قضية الصحراء المغربية، برزت كينيا مجددًا كدولة محورية في ميزان الاعترافات المتصاعدة بمغربية الصحراء.
وقال أحمد نور الدين في تصريح لجريدة “شفاف”، إنه بعد تأرجح في المواقف خلال السنوات الأخيرة، أكدت كينيا رسميًا موقفها الداعم للوحدة الترابية للمملكة، مرجعًا ذلك لنجاح المغرب في تفكيك الأسس الدعائية التي بُني عليها الطرح الانفصالي.
وأوضح الخبير في العلاقات الدولية، أن الاعتراف الكيني الأخير لم يأتِي من فراغ، بل هو تتويج لمسار طويل من العمل الدبلوماسي المغربي، الذي لا يسعى فقط لإقناع الدول بشرعية مغربية الصحراء، بل يفضح الخلفيات الاستعمارية سابقًا، والتوظيف السياسي من طرف الجزائر لاحقاً لقضية مختلقة.
وأردف أنه بعد انتخاب الرئيس الكيني الحالي وليام روتو سنة 2022، كان واضحًا ميله نحو دعم الوحدة الترابية للمغرب، وعبر عن ذلك علانية في تدوينة على موقع الرئاسة في إحدى شبكات التواصل، غير أن التدخلات الجزائرية عبر دبلوماسية “شراء الذمم” حالت دون ترجمة ذلك إلى خطوات رسمية، مبرزا أنه بعد اتضاح الصورة تعود نيروبي إلى موقفها الطبيعي.
♦ سقوط القناع
يؤكد نور الدين أن الجزائر فقدت أي مشروعية أخلاقية في الدفاع عما تسميه “تقرير المصير”، إذ “لا يمكن لنظام يمنع شعبه، البالغ 45 مليون نسمة، من حق الاختيار عبر سلسلة انقلابات عسكرية منذ 1965، أن يدّعي دفاعه عن تقرير مصير أربعين ألف محتجز في تندوف”.
واعتبر الخبير في شؤون الصحراء، أن العالم بات يدرك زيف هذه الشعارات، خاصة مع افتضاح الطبيعة العسكرية للنظام الجزائري وأجندته لتقويض وحدة المغرب الإقليمية كمشروع رئيسي للدولة الجزائرية لتصفية حسابات اقليمية مرتبطة بالحدود الحقة للمملكة قبل دخول الاستعمار الفرنسي الذي اقتطع اجزاء واسعة من المغرب.
وشدد على أن المغرب كان سباقًا إلى المطالبة بتقرير المصير منذ سنة 1960، بل وأدخل ملف الصحراء في اللجنة الرابعة لتصفية الاستعمار سنة 1963، أي قبل تأسيس “البوليساريو” وقبل حتى استقلال الجزائر.
في ظل التقارب الأمريكي الفرنسي .. هل تتجه المينورسو نحو تغيير جذري ؟
ولفت الخبير في العلاقات الدولية، أن خطاب الملك محمد الخامس كان في محاميد الغزلان علامة فارقة في تأكيد هذه المطالبة، أما الجزائر فقد تبنّت الملف لاحقًا في إطار استراتيجيتها لإضعاف المغرب وقطع ارتباطه الجغرافي بعمقه الإفريقي والحيلولة دون المطالبة بباقي اراضيه المقتطعة .
في السياق ذاته، شدد نور الدين على أن الجزائر بدأت تفقد كل حلفائها في هذا الملف، وباتت معزولة إقليميًا وإفريقيا وعربيا ودوليا، وأكبر دليل هو ما تعيشه من ازمات متتالية مع دول الساحل وفرنسا والامارات العربية وقبلها اسبانيا على خلفية الصحراء.
واعتبر أن الزمن السياسي لم يعد في صالح الجزائر، خاصة بعد فضح ازدواجية خطابها، وتراجع قدرتها على شراء المواقف عبر الريع الطاقي، في مقابل صعود نموذج دبلوماسي مغربي متعدد الأبعاد، يجمع بين الاقتصاد والأمن والترافع السياسي الهادئ والممنهج.
♦ الاختراق الاستراتيجي والتحديات المقبلة
يعتبر نور الدين أن المغرب بعد سنوات من الغياب النسبي عن شرق إفريقيا والبلدان الأنغلوساكسونية واللوزوفونية (الدول الناطقة بالبرتغالية)، بدأ يستعيد موقعه ببطء وثبات، متجاوزًا النفوذ الجزائري في هذه المناطق.
وأضاف أن كينيا واحدة من المحاور التي اشتغل عليها المغرب بدقة، موضحا أن افتتاح سفارة كينيا في الرباط، هو تأكيد لهذا التحول النوعي.
ولا يغفل الخبير في العلاقات الدولية؛ التحديات التي ما تزال قائمة، خاصة في ظل استمرار بعض الدول تحت نفوذ جنوب إفريقيا، التي تُعد آخر دولة إفريقية اعترفت بـ”البوليساريو” نهاية سنة 2004 .
ويشير إلى أن تغيّر الحكومة في جنوب إفريقيا، خصوصًا مع تراجع شعبية الحزب الحاكم ودخوله في تحالفات جديدة، قد يفتح باب مراجعة موقفها، إذا تحرك المغرب تجاه القوى الحية في هذا البلد، وهو ما سينعكس مباشرة على ثلاث أو أربع دول تدور في فلكها السياسي والدبلوماسي في جنوب القارة.
التقارب الجزائري-الفرنسي والأزمة مع ثلاثي الساحل.. قراءة استراتيجية في ظل النفوذ المغربي المتزايد
وأبرز الخبير في شؤون الصحراء أن المغرب استطاع كسر المحور الثلاثي المناهض له، المكوّن من الجزائر ونيجيريا وجنوب إفريقيا، عبر تطوير علاقات استراتيجية مع أبوجا.
واعتبر أن الاستثمارات المغربية في مجال الفوسفاط والأسمدة التي جعلت نيجيريا تتبوأ المرتبة الأولى في إنتاج الأسمدة بإفريقيا جنوب الصحراء؛ كانت مفتاحًا لهذا التحول، بالإضافة الى المشروع الاستراتيجي لأنبوب الغاز الأطلسي الذي يتقدم بخطوات متأنية ولكنها موثوقة.
وشدد المتحدث ذاته، على أن الحياد الإيجابي لنيجيريا اليوم لا يعني التردد، بل تمهيد للاعتراف، مشيرا إلى أن هذا الأمر الأخير لا يعد سوى مسألة وقت فقط، قبل أن يحل مسؤولو الدبلوماسية النيجيرية بالرباط للاعتراف بمغربية الصحراء.
ونبه أيضا إلى أن إثيوبيا لها خصوصية باعتبارها مقر الاتحاد الإفريقي، لكن المغرب يراهن على تنويع أدوات الاشتغال معها، سواء عبر التعاون العسكري، أو عبر الاستثمارات الاقتصادية او من خلال اتفاقيات استراتيجية في مجالات تدريب الجيش والاستخبارات والتصنيع العسكري.
وأوضح الخبير في العلاقات الدولية، أن الطابع الرمزي لإثيوبيا كبلد المقر يجعل اعترافها مؤجلاً نسبيًا إلى حين تحقيق تقدم ملموس داخل أجهزة الاتحاد الإفريقي لطرد الكيان الوهمي.
قرار مجلس الأمن حول الصحراء المغربية.. هكذا كرس القرار انتصار الدبلوماسية المغربية وعرى فشل الجزائر
وأبدى نور الدين تفاؤله إزاء الدول الكبرى المتبقية بالقارة الإفريقية مثل تنزانيا، التي كانت قد استقبلت زيارة ملكية سنة 2016، في خطوة أولى لتبديد الجليد السياسي.
وأكد أن المغرب يواصل خطواته في هذا الاتجاه بصبر استراتيجي، مع توقع تحولات قريبة في مواقف هذه الدول، أما باقي الدول اللوزوفونية، فغالبيتها أصبحت إما في حالة حياد أو بدأت تراجع موقفها.
♦ معركة الطرد
وفق نور الدين، فالوقت قد حان للانتقال من منطق الدفاع إلى الهجوم داخل المؤسسات القارية، وفي مقدمتها الاتحاد الإفريقي، عبر المطالبة بتجميد عضوية الكيان الوهمي أو طرده.
واستند الخبير في العلاقات الدولية، في مطلبه الخاص بطرد “البوليساريو” من هذه المنظمة القارية؛ إلى المادة 32 من ميثاق الاتحاد الإفريقي، التي تنص على تجميد عضوية الدول التي تعطل دساتيرها، مثل حالات الانقلاب التي أدت حاليا إلى تجميد عضوية ثلاث دول في منطقة الساحل.
واستغرب من قبول الاتحاد بكيان لا يملك دستورًا ولا يملك مقومات دولة ولا سيادة، لأنه داخل التراب الجزائري، وفوق ذلك لا ينظم انتخابات حرة وليس فيه تداول للسلطة على الجبهة وميليشياتها، وفي الوقت الذي يُجمد فيه دولًا قائمة الذات، كمالي والنيجر وبوركينا فاسو وغيرهم بسبب الانقلابات.
ولفت الخبير في شؤون الصحراء، أن هذا الامر الأخير لوحده مبرر كافٍ لطرد الكيان الوهمي من الاتحاد الإفريقي؛ الذي هو اتحاد يضم الدول وليس التنظيمات أو الحركات الانفصالية.

