تشهد التحركات الأمريكية بشأن المرحلة اللاحقة للحرب في غزة تطورًا لافتًا، بعدما دخل المغرب دائرة المشاورات التي تقودها إدارة الرئيس دونالد ترامب بهدف تشكيل قوة دولية تُنشر داخل القطاع، وفق ما كشفته صحيفة “Corriere della Sera” الإيطالية، حيث تأتي هذه الخطوة في سياق مساعٍ دبلوماسية مكثفة لإعطاء دفعة عملية للخطة الأمريكية المكونة من عشرين بندًا، الهادفة إلى ضمان تثبيت وقف إطلاق النار ودفع الجيش الإسرائيلي إلى مغادرة معظم الأراضي، بعد انسحاب عدة دول خليجية من المشاورات وتوجه واشنطن نحو خيارات دول إسلامية وآسيوية أخرى.
وتفتح هذه المشاورات بابًا واسعًا أمام تساؤلات حول دلالات إدراج المغرب في هذا المسار الجديد؛ خاصة في ظل مواقفه الواضحة من الحرب، القائمة على ضرورة وقف دائم للنار، وإعادة إعمار القطاع وعودة النازحين، وفتح مسار سياسي يؤدي إلى حل الدولتين، كما يثير دخول الرباط على خط هذه المشاورات نقاشًا حول موقعها داخل التوازنات الدولية الجديدة، ومدى قدرة واشنطن على الدفع نحو صيغة متعددة الجنسيات تحقق استقرارًا فعليًا في غزة، وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستكشف عن صيغة توافقية تُراعي حساسية الملف ومواقف الأطراف الإقليمية والدولية.
❖ سيناريوهات غامضة
يرى بلال التليدي، الباحث والمحلل السياسي، أن إدراج اسم المغرب ضمن قائمة الدول المرشحة للمساهمة في قوة دولية داخل قطاع غزة لا يُعد سابقة في حد ذاته، فقبل أشهر فقط جرى تداول سيناريوهات مرتبطة بتهجير فلسطينيين نحو المغرب، قبل أن يتضح عدم صحتها، ما يعكس حجم الضبابية المحيطة بكل ما يعلن بشأن ترتيبات “اليوم التالي” للحرب.
وأشار التليدي في تصريح لجريدة “شفاف”، إلى أن هذا النمط من التسريبات يعكس استمرار محاولة بعض الأطراف الزج بالمغرب في ترتيبات غير ناضجة سياسيًا ولا موضوعيًا.
المغرب وريادة الدعم الإنساني لفلسطين… هل تفتح المبادرات أفق الوساطة السياسية؟
وأبرز أنه رغم التسارع الإعلامي والدبلوماسي حول تشكيل قوة متعددة الجنسيات تتولى فصل القوات أو تثبيت وقف إطلاق النار، فإن المشهد لا يزال بعيدًا عن الوضوح؛ سواءً من حيث الدول المشاركة أو طبيعة المهام أو الصلاحيات المتوقعة.
وشدد الباحث والمحلل السياسي، على أن غياب وضوح الرؤية يجعل كل السيناريوهات البارزة اليوم في المشهد؛ أقرب للتكهنات أكثر من كونها مسارات سياسية واقعية.
وأضاف أن جوهر الإشكال يكمن في أن أي قوة محتملة لا يمكن انبثاقها دون توافق “ثلاثي إلزامي”، يشمل الفلسطينيين وإسرائيل ومصر، وهي معادلة معقدة بالنظر إلى اختلاف حسابات الأمن القومي لكل طرف، وافتقار الفلسطينيين حاليًا لوزن تفاوضي قادر على فرض شروط متوازنة داخل هذا المسار.
❖ معادلة الأطراف
يشدد التليدي على أن إسرائيل تُعد العامل الأكثر حسمًا في بلورة أي قوة محتملة، لأنها ترى في قطاع غزة ساحة لصراع يرتبط مباشرة بتقديرات أمنها القومي، ولهذا تتحفظ تل أبيب على مشاركة دول بعينها، مبرزًا أن قبول أو رفض أي دولة لن يتم إلا وفق معايير إسرائيلية صارمة.
ولفت الباحث والمحلل السياسي، إلى أنه تنضاف لهذا العامل معطيات مرتبطة بمصر، التي تمثل منذ اتفاقيات كامب ديفيد؛ الشريك الأمني المباشر في إدارة الحدود مع غزة.
وأردف أن القاهرة لن تقبل مشاركة أي قوة دون أن تتماشى مع تصوراتها لأمنها القومي؛ خصوصًا فيما يرتبط بالمناطق الحدودية وحركة الأنفاق وممر فيلادلفيا، مبرزًا أن هذا ما يجعل موافقتها شرطًا لا يمكن تجاوزه.
وأما الطرف الفلسطيني، فيراه التليدي الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، بالنظر إلى استمرار الانقسام الداخلي، وغياب قيادة موحدة قادرة على صياغة موقف متماسك من فكرة وجود قوة أجنبية على أراضي القطاع، وهو ما يجعل التوافق على طبيعة القوة ومهامها مسألة بالغة التعقيد.
❖ موقع المغرب
يؤكد التليدي أن المغرب يتمتع بمصداقية راسخة لدى جميع الأطراف، سواء الفلسطينية أو المصرية أو الإسرائيلية، وذلك بالنظر إلى دوره التاريخي في الوساطة، والتزامه الثابت تجاه القضية الفلسطينية، ومشاركته التقليدية في عمليات حفظ السلام تحت مظلة الأمم المتحدة.
وشدد الباحث والمحلل السياسي، على أن هذه المصداقية لا تعني استعداد الرباط للانخراط في أي مبادرة غير مكتملة الشروط، مثلما هو بارز حاليًا في هذه الحالة.
وأشار إلى أن المغرب، بحكم تجربته واستراتيجيته الدبلوماسية، لا يدخل أي مسار إلا بعد نضج كل عناصره، وتوفر رؤية واضحة حول تركيبته وأهدافه ومخرجاته.
بين إدانة العدوان الإسرائيلي والوساطة الفعالة.. هل ينجح المغرب في تحقيق التوازن الدبلوماسي؟
واعتبر الحديث عن مشاركة مغربية في المرحلة الراهنة “سابق لأوانه” ما دامت الصورة غير مكتملة؛ سواءً على مستوى التوافق السياسي أو الشرعية القانونية أو الإطار العملياتي.
واستطرد أنه من جهة أخرى، تنبع مركزية المغرب من كون مواقفه تجاه غزة واضحة ومعلنة، ومرتبطة بمحددات وضعها الملك محمد السادس، وعلى رأسها وقف دائم لإطلاق النار، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين، وفتح مسار سياسي يؤدي إلى حل شامل وعادل.
وأكد على أنه بناءً على المحددات والمعايير التي يضعها المغرب؛ فإن أي مشاركة للرباط لا يمكن أن تتناقض مع هذه الثوابت أو تتحول إلى خدمة غير مباشرة لأجندة توسعية إسرائيلية.
❖ شروط المشاركة
يحدد التليدي مجموعة من الشروط التي تجعل أي مشاركة مغربية رهينة بمدى تحققها؛ أولها وضوح هوية الدول المشاركة، مبرزًا أن تركيبة القوة عامل حاسم في تقييم جدوى المشاركة، إذ لا يمكن للمغرب أن ينخرط في مجموعة غير متجانسة أو لا تتقاسم معه الرؤية ذاتها بشأن مستقبل غزة.
وأضاف أن الشرط الثاني يتعلق بطبيعة الصلاحيات الموكلة لهذه القوة، وحول إن كانت ستتولى مهام رقابية على المقاومة الفلسطينية، أم ستكون جزءًا من ترتيبات سياسية تمهد لحل الدولتين.
ونبه إلى أن هذا التفريق في نوعية الصلاحيات يبقى جوهري، لأنه يحدد ما إذا كانت المشاركة تخدم مسارًا سياسيًا عادلاً أم تتحول إلى تكريس لميزان قوى مختل لصالح إسرائيل.
وأما الشرط الثالث وفق التليدي، فيرتبط بالأفق السياسي المنتظر من وجود قوة كهذه؛ فإذا كانت جزءًا من مبادرة دولية تسعى إلى بناء سلام إقليمي، فقد يكون للمغرب دور فاعل فيها، أما إذا كانت مجرد قوة فصل أو قوة شرطة تكميلية لا تخدم مسار الحل النهائي، فيُرجح التريث المغربي إلى حين اتضاح الصورة.
❖ سياق الانسحابات
حول المعطيات الإعلامية التي أشارت إلى انسحاب دول خليجية من المشاورات، مثل قطر والإمارات والسعودية، إضافة إلى رفض إسرائيل لأي دور تركي، يرى التليدي أن هذه التطورات تزيد من هشاشة المسار، لأنها تعكس غياب توافق فعلي بين القوى المؤثرة، مما يجعل الحديث عن مشاركة مغربية حاليًا أقرب لتسريبات إعلامية منه إلى مفاوضات رسمية مكتملة.
المغرب يعيد الزخم لمسار حل الدولتين من بوابة الرباط.. أي دور في زمن الانهيارات الإقليمية؟
وأضاف أن انسحاب هذه الدول يكشف عن إدراكها لعدم نضج الفكرة، ولأن مشاركتها كانت ستضعها أمام كلفة سياسية عالية في حال تحولت القوة إلى طرف مباشر في ملاحقة مجموعات المقاومة، مبرزًا أن إسرائيل نفسها لا تقدم ضمانات تُبنى عليها ثقة سياسية طويلة المدى.
وبناء على ذلك، يعتبر الباحث والمحلل السياسي أن دخول المغرب هذا المسار دون وضوح كامل سيبدو خيارًا غير واقعي، لأن الرباط تتحرك وفق منطق استراتيجي بعيد عن الانفعالات الظرفية، ومبني على حسابات دقيقة للمصالح وتوازنات القوى.
❖ تقدير استراتيجي
يرى التليدي أن القرار المغربي، في حال وصول المشاورات إلى مرحلة متقدمة، سيكون مبنيًا على تقدير استراتيجي يأخذ بعين الاعتبار ثلاثة أبعاد؛ تتمثل في الانسجام مع الثوابت الوطنية، وحماية المصالح الإقليمية، والحفاظ على صورة المغرب كفاعل مساند للقضية الفلسطينية وليس كطرف يكرس واقع الاحتلال.
رسالة الملك بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني.. قراءة في الدلالات والأبعاد السياسية
ومن منظور استراتيجي، يشدد على أن المغرب لا يمكنه أن ينخرط في مسار غامض يفتقد للشرعية الدولية الكاملة، ولذلك لن يتعامل مع الفكرة إلا حين تصبح جزءًا من اتفاق شامل، يحظى بموافقة مجلس الأمن، ويدعم قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وأكد الباحث والمحلل السياسي، على أن كل حديث إعلامي لا يستند إلى توافقات رسمية واضحة يبقى “كلام جرائد”، لأن المغرب لا يبني قراراته على التسريبات، بل على معطيات دقيقة ومسارات مؤسساتية مكتملة.

