عاد ملف الصحراء المغربية إلى واجهة النقاش الدولي، ليس فقط بفعل الجمود الذي يطبع المسار الأممي منذ سنوات، بل أيضًا على ضوء رهانات جيوسياسية جديدة تحاول الولايات المتحدة الأمريكية من خلالها البحث عن مداخل غير تقليدية لإعادة تحريك نزاع إقليمي طال أمده.
وفي هذا السياق، سلطت صحيفة “الإندبندنت” (El Independiente) الإسبانية الضوء على احتمال تعويل واشنطن على دولة قطر للعب دور الوسيط بين المغرب وجبهة “البوليساريو” وخلفها الجزائر، في أفق الدفع نحو تسوية سياسية تستند إلى مخرجات القرار الأممي الأخير رقم 2797، الذي كرس مبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي وجاد.
????Qatar, ¿el mediador entre Marruecos y los saharauis?
✍️@Fcarrionmolinahttps://t.co/z60gBn8H89
— El Independiente (@elindepcom) December 14, 2025
❖ وساطة سابقة
تشير صحيفة “الإندبندنت” في تقريرها، إلى أنه قبل أن يرتبط اسم قطر بملفات كبرى كغزة وأفغانستان واليمن، كانت الدوحة قد سجلت حضورًا لافتًا في أحد أكثر النزاعات حساسية في منطقة المغرب العربي.
وأبرزت أنه مطلع الألفية الثالثة، وتحديدًا سنة 2004، لعبت قطر دور الوسيط في الإفراج عن حوالي مائة أسير حرب مغربي كانوا محتجزين لدى جبهة “البوليساريو” في مخيمات تندوف جنوب الجزائر.
وهذه العملية، التي انتهت بنقل الجنود المحررين إلى مدينة أكادير، لم تكن مجرد مبادرة إنسانية، بل شكلت مؤشرًا مبكرًا على قدرة قطر على التحرك بهدوء داخل ملفات شديدة التعقيد، يسودها انعدام الثقة والتجاذب السياسي.
ووفق الصحيفة الإسبانية، رسخت تلك المحطة صورة الدوحة كفاعل قادر على التواصل مع جميع الأطراف دون استفزاز أو انحياز معلن.
❖ نهج دبلوماسي
لا تنظر قطر إلى الوساطة باعتبارها تحركًا ظرفيًا أو استجابة عابرة للأزمات، بل كخيار استراتيجي مؤطر دستوريًا، إذ ينص الدستور القطري، في مادته السابعة، على تشجيع حل النزاعات الدولية بالوسائل السلمية.
وعلى هذا الأساس، بنت الدوحة منذ سنة 2004 سياسة خارجية قائمة على إدارة الأزمات، وخفض التصعيد، وصناعة التوافقات الجزئية بدل البحث عن حلول نهائية متعذرة.
وتعزز هذا التوجه أكثر منذ عام 2023، مع إحداث مناصب وزارية خاصة بالوساطة داخل وزارة الخارجية القطرية، وتوسيع شبكة المبعوثين الخاصين، في مسعى واضح لمأسسة هذا الدور على الرغم من محدودية الحجم الديمغرافي للدولة.
❖ تجارب عالمية
تُظهر التجربة القطرية في الوساطة سجلًا حافلًا بالتدخلات في نزاعات دولية وإقليمية متعددة؛ سواءً بين دول فيما بينها أو بين دول وفاعلين غير دوليين.
وتوسطت الدوحة في ملفات شائكة شملت فلسطين والسودان واليمن ولبنان ودارفور وجيبوتي وإريتريا، إضافة إلى دورها المحوري في اتفاق الدوحة بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، ثم في قضايا إنسانية لاحقة كلمّ شمل العائلات بين روسيا وأوكرانيا.
الجزائر بعد قرار الأمم المتحدة بشأن الصحراء المغربية.. نهاية عزلة أم بداية مراجعة؟
وهذا الرصيد جعل من قطر فاعلًا دبلوماسيًا مقبولًا لدى أطراف متخاصمة، خصوصًا أنها تضع شرطًا أساسيًا لتدخلها؛ ألا وهو قبول جميع الأطراف المعنية بدورها كوسيط.
❖ غياب التكليف
رغم هذا التاريخ، تؤكد الدوحة رسميًا، أن أي وساطة حالية في ملف الصحراء المغربية غير مطروحة، حيث صرح المتحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، لصحيفة “الإندبندنت”، بأن بلاده تحتفظ بعلاقات ممتازة مع كل من المغرب والجزائر، لكنها لم تُطلب للقيام بأي دور في هذا النزاع.
ويعزز هذا الموقف تحليل راشد المهندي، نائب رئيس مركز السياسات الدولية في قطر، الذي أوضح أن النزاع اليوم مستقر عسكريًا، ويجري أساسًا في المجال السياسي والإعلامي، وأن أي وساطة مستقبلية ستظل رهينة بطلب صريح من الأطراف.
❖ القرار الأممي
الزخم الجديد الذي يحيط بفرضية الوساطة القطرية يرتبط بشكل وثيق بصدور القرار الأممي رقم 2797 عن مجلس الأمن، والذي جدد التأكيد على أولوية الحل السياسي، واعتبر مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب إطارًا جادًا وواقعيًا، مع الدعوة إلى مفاوضات دون شروط مسبقة.
تحوّل موقف جنوب إفريقيا تجاه قضية الصحراء المغربية.. انفتاح ظرفي أم مراجعة جيوسياسية عميقة؟
وغير أن هذا القرار رغم أهميته، لم يخرج عن الصيغة التوافقية المعتادة داخل مجلس الأمن، حيث حافظ على “الإشارة إلى مبدأ تقرير المصير، ما يترك هامشًا واسعًا للتأويل ويغذي استمرار الخلاف”.
❖ موقف “البوليساريو”
من جهتها، تبدي جبهة “البوليساريو” استعدادًا مبدئيًا للنقاش، لكنها تضع خطوطًا حمراء واضح، فهي ترحب بأي مساهمة تحترم “طبيعة النزاع” وتلتزم الحياد.
تحيين المغرب لمبادرة الحكم الذاتي بمشاركة الأحزاب السياسية.. مقاربة تشاركية أم تحول استراتيجي؟
وترفض الجبهة بشكل صريح أي وساطة أمريكية، معتبرة أن واشنطن ليست طرفًا نزيهًا، وتؤكد تمسكها الحصري بإطار الأمم المتحدة.
ولفتت الصحيفة الإسبانية، إلى أن هذا الموقف يعكس حجم الشكوك التي تحيط بأي مبادرة خارج المسار الأممي؛ سواءً كانت قطرية أو غيرها.
❖ تحفظات دولية
يشاطِر عدد من الأكاديميين والمحللين هذا الحذر، إذ يرى خبراء، مثل جاكوب موندي (أستاذ دراسات السلام والصراع في جامعة كولجيت الأمريكية) وريكاردو فابياني (المدير المؤقت لبرنامج مجموعة الأزمات للشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، أن إيجاد وسيط إقليمي يحظى بثقة جميع الأطراف أمر بالغ الصعوبة، في ظل التوتر التاريخي بين المغرب والجزائر، وتراكم الفشل في الجولات السابقة.
ورغم اعترافهم بأن قطر قد تكون “المرشح الإقليمي الأقل إثارة للتحفظات”، إلا أنهم يشككون في قدرتها على اختراق جدار الجمود دون دعم صريح وقوي من مجلس الأمن.
❖ أفق معقد
في مغرب عربي يعاني من انغلاق الحدود، وتعطل التكامل الإقليمي، واستمرار سباق التسلح، تبدو الوساطة أقرب إلى طموح سياسي منها إلى مسار قابل للتحقق السريع.
الجهوية الموسعة والأحزاب السياسية.. هل يقود تنزيل الحكم الذاتي إلى نظام شبيه بإسبانيا؟
وتمتلك قطر وفق “الإندبندنت” الخبرة والعلاقات والمرونة الدبلوماسية، لكنها تفتقد حتى الآن، إلى التفويض والبيئة السياسية الملائمة.
وهكذا، تظل الدوحة وسيطًا محتملًا، لا وسيطًا فعليًا، في نزاع لا يزال رهين قرارات أممية غير مفعّلة، وحلول لا تحظى بالإجماع، وتوازنات دولية تجعل من الصحراء المغربية إحدى أعقد قضايا شمال إفريقيا وأكثرها استعصاءً على التسوية.

