تطرح قضية استغلال الأطفال والإخلال بالحياء العام اليوم ملفا معقدا في المغرب، بعد رصد حالات متعددة على مواقع التواصل الاجتماعي آخرها قضية آدم بنشقرون وأمه.
النيابة العامة عملت متابعة أم أدام بنشقرون وإيداعها السجن بطنجة عن مجموعة من التهم، من بينها الاتجار بالبشر والإضرار بالأطفال، في حين لم يتم متابعة الابن لعدم الاختصاص القضائي.
وتضع هذه القضية أسئلة حول كيفية تحقيق التوازن بين حماية الأطفال والمجتمع من السلوكيات الضارة، وضمان حقوق الأفراد المكفولة دستوريا وقانونيا، مع التزام النيابة العامة بتحريك الدعوى العمومية دون تمييز أو استثناء في مثل هذه الملفات الحساس
♦حماية الأطفال من الاستغلال
يشير رئيس الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب محمد رشيد الشريعي إلى أن الإجراءات التي أخذتها النيابة العامة في حق مؤثر على مواقع التواصل الاجتماعي وأمه، تستهدف حماية الأطفال والمجتمع، بعيدا عن التسييس أو استغلال الحدث إعلاميا.
وأكد الشريعي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن القانون المغربي يخول النيابة العامة تحريك الدعوى العمومية دون الحاجة لتلقي شكاية رسمية، ما يجعلها قادرة على التدخل الاستباقي عند رصد أي سلوكيات تهدد سلامة الأطفال أو الأخلاق العامة.
وأضاف أن تحريك المتابعة القضائية يجب أن يكون شاملا، بحيث يجميع الحالات المشابهة، حتى لا تصبح الاستثناءات قاعدة، ويضمن بذلك حماية المجتمع من أي تأثير سلبي محتمل على النشء.
وقال الفاعل الحقوقي إن من الإجراءات الوقائية الضرورية هو مراقبة المحتوى الرقمي الذي ينشره المؤثرون، خصوصا ما يتضمن القدوة السيئة أو تشجيع الأطفال على سلوكيات غير مناسبة.
وأوضح الشريعي أن أي تأخير في التحرك القضائي قد يؤدي إلى تفاقم تأثير هذه المواد، خصوصا مع انتشارها السريع عبر المنصات الاجتماعية، مما يجعل دور النيابة العامة أساسيا في حماية المجتمع واستعادة التوازن القانوني والأخلاقي.
♦مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات
يبين الشريعي أن مساءلة جميع الأطراف المعنية، سواء الأسر أو المؤثرين الرقميين، أمر ضروري لمنع انتشار السلوكيات الضارة.
ودعا إلى تطبيق القانون بشكل متساو على جميع الحالات، وعدم الاكتفاء بتحريك الدعوى فقط عند الضجيج الإعلامي أو عند رفع الشكايات داخل البرلمان.
وشدد على أن النيابة العامة يجب أن تكون صارمة في مواجهتها للقضايا الاجتماعية ذات التأثير الواسع، وأن تتجنب الانتقائية التي تقلل من فعالية النظام القضائي.
وأشار الشريعي إلى أن حرية التعبير محمية، لكنها تتوقف عند حدود انتهاك حقوق الأطفال أو تشجيعهم على السلوكيات غير اللائقة.
وأبرز أن القانون يمنح النيابة العامة الحق في التدخل فورا عند رصد أي تجاوز، سواء عبر الجرائد أو وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس دورها في الوقاية والمساءلة على حد سواء.
وأضاف أن مساءلة المسؤولين لا تقتصر على الأفراد، بل تشمل الفضاء الرقمي والمؤسسات التعليمية والهيئات الحقوقية، لضمان تنسيق الجهود وحماية الأطفال والمجتمع، مع تعزيز الثقة في قدرة القضاء على ردع أي سلوكيات تضر بالنشء أو تشجع الانحراف الاجتماعي.
♦وقاية المجتمع من المخاطر
ركّز الشريعي على أهمية الوقاية كأداة أساسية لحماية الأطفال والمجتمع من السلوكيات السلبية المنتشرة، مشدد على ضرورة توعية الأسر والمجتمع المدني، بالتعاون مع المدارس والهيئات الحقوقية، حول تأثير السلوكيات السيئة على النشء، خاصة ما يُعرض على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأظهر أن تحريك الدعوى العمومية بشكل استباقي يعزز الوقاية القانونية، ويوقف انتشار المواد التي تهدد سلامة الأطفال أو تشجع على القدوة السيئة.
وأكد أن تنفيذ هذا الإجراء القانوني بشكل متسق يرسخ الثقة في النظام القضائي ويضمن المساواة بين جميع الحالات، دون استثناء أو تمييز.
ولفت إلى أن النيابة العامة مطالبة بتوسيع رقابتها لتشمل جميع المؤثرين الذين ينشرون محتوى ضارا، سواء على المستوى الاجتماعي أو الثقافي، لمنع تعزيز القدوة السلبية أو الترويج للثراء غير المشروع بين الأطفال.
وأبان الشريعي أن الوقاية تشمل أيضا متابعة المؤثرين على وسائل التواصل بشكل مستمر، لمنع تكرار الانتهاكات أو الإيذاء النفسي للأطفال، وأن هذا النهج الاستباقي لا يقل أهمية عن العقوبات القانونية، لأنه يسهم في تشكيل مجتمع واعٍ يحمي أفراده من التأثيرات الضارة قبل وقوع الأذى.
♦رقابة فعالة للتصرفات الرقمية
يكشف الشريعي أن الرقابة القانونية والإجرائية على السلوكيات الرقمية ضرورة ملحة لحماية المجتمع من الانتهاكات، خاصة تلك المرتبطة بالأطفال والمؤثرين الرقميين.
وأفاد أن النيابة العامة يمكن لها أن تبدأ بتحريك الدعوى العمومية ضد الحالات التي تم رصدها، مستفيدة من القانون المغربي الذي يسمح لها بالتحرك دون شكايات رسمية.
وذهب إلى أن الرقابة تشمل التأكد من عدم استغلال الأطفال للربح المالي أو النفسي، ومنع نشر المحتوى الذي يعزز القدوة السيئة أو يخرق الحياء العام.
وركز الشريعي على أهمية التنسيق بين السلطات القضائية والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني، لضمان متابعة دقيقة للمؤثرين الذين يسهمون في نشر سلوكيات ضارة.
وأوضح أن القانون يخول النيابة العامة توسيع نطاق التحقيق، بما في ذلك القضايا التي تظهر تأثيرها السلبي عبر الإنترنت، لضمان حماية الأطفال والمجتمع من أي إساءة أو استغلال محتمل.
وأورد أن الرقابة تشمل منع التشجيع على الانحرافات أو الترويج للثراء غير المشروع، مع تطبيق الإجراءات القانونية بشكل متساوٍ على جميع الحالات، بغض النظر عن مكانتها الاجتماعية أو تأثيرها الإعلامي.
واعتبر أن هذه الإجراءات ضرورية لوقف انتشار الظواهر السلبية، وحماية المجتمع المغربي من التأثيرات السلبية المتزايدة على الأطفال عبر المنصات الرقمية.
♦حرية التعبير والمسؤولية القانونية
وفي الأخير، رأى محمد رشيد الشريعي على أن حرية التعبير لا تشمل السلوكيات التي تؤثر سلبا على الأطفال، أو تشجعهم على أفعال غير مناسبة، أو تنتهك الحياء العام، أو تروج للقدوة السيئة عبر المنصات الرقمية.
وأبرز أن هذا التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية يفرض على المؤثرين والمواطنين مراعاة تأثير كلامهم وسلوكهم، خصوصا في ظل انتشار المحتوى الرقمي بشكل واسع وسريع.
وشدد على أن الحرية الشخصية تتوقف عند حدود سلامة الآخرين، ويصبح القانون أداة لتحديد ما يندرج ضمن التعبير المشروع وما يتجاوز ذلك ليصبح تهديداً للمجتمع.
وخلص في الأخير إلى أن النيابة العامة مطالبة بضمان عدم الانحياز أو التمييز عند تحريك الدعوى العمومية، بحيث يشمل ذلك جميع الحالات المشابهة، سواء تعلق الأمر بالأطفال أو المؤثرين أو الأحداث التي تثير جدلا واسعا، لضمان حماية المجتمع والموازنة بين الحقوق الفردية والمسؤولية العامة.

