صادق مجلس الأمن، أمس الجمعة، على قرار جديد حول الصحراء المغربية، أكد فيه دعمه لمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007، باعتبارها حلاً واقعياً وذا مصداقية لإنهاء نزاع دام لأكثر من نصف قرن.
القرار، الذي حظي بتأييد واشنطن وباريس ولندن، اعتبرته الرباط تتويجاً لمسار دبلوماسي متزن، فيما رأت فيه جبهة البوليساريو “استبعاداً لحق تقرير المصير”، واعتبرته الجزائر استمراراً لانحياز مجلس الأمن للموقف المغربي.
كما يكرس القرار الأممي الجديد، وفق محللين، تحولاً في المقاربة الدولية تجاه الملف، من التركيز على خيارات الاستفتاء إلى دعم الحل السياسي التوافقي، لكنه في الوقت ذاته يضع المنطقة أمام تحديات جديدة مرتبطة بكيفية تنزيل هذا التوجه على أرض الواقع، في ظل توتر العلاقات المغربية الجزائرية واستمرار الجمود داخل الاتحاد المغاربي.
بولس يؤكد التزام واشنطن بسلام دائم في الصحراء ويثني على المقترح المغربي
♦قرار أممي يكرّس السيادة المغربية
اعتبر المحلل السياسي عباس الوردي أن مصادقة مجلس الأمن على القرار الجديد بشأن الصحراء المغربية تمثل منعطفا تاريخيا في مسار هذا النزاع الطويل، مؤكدا أن الاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية وبمشروع الحكم الذاتي كحلّ وحيد وواقعي، يكرّس من جديد شرعية الموقف المغربي ويضع حداً لمحاولات التشكيك فيه.
وأوضح الوردي في تصريح لجريدة “شفاف، أن هذا القرار جاء ليُتوّج مسارا دبلوماسيا متدرجا وهادئا قاده لملك محمد السادس على مدى سنوات، معتمدا دبلوماسية تقوم على السلم، والانفتاح، والعطاء، بدل المواجهة أو الانغلاق.
وشدّد على أن المملكة المغربية نجحت في إقناع المنتظم الدولي بعدالة قضيتها، من خلال عمل دبلوماسي متزن يستند إلى مرجعية الشرعية الدولية، وإلى مقاربة تنموية عززت استقرار الأقاليم الجنوبية وكرّست حضور الدولة ومؤسساتها على الأرض.
نص الخطاب الملكي بعد تصويت مجلس الأمن على قرار اعتماد مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية
وأضاف الوردي أن القرار الأممي لم يكن وليد لحظة سياسية عابرة، بل ثمرة جهود متراكمة ودعم متواصل من شركاء دوليين وازنين، في مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، صاحبة القلم داخل مجلس الأمن، التي جدّدت تأكيدها على عمق العلاقة التاريخية التي تربطها بالمغرب، إلى جانب فرنسا والمملكة المتحدة ودول إفريقية وعربية وصديقة أخرى.
وبيّن أن هذه المواقف الجماعية تعكس اقتناعا دولي متناميا بأن السيادة المغربية على الصحراء لم تعد موضوع نقاش أو تأويل، بل أصبحت حقيقة ثابتة ترتكز على المعطيات السياسية والتاريخية والقانونية التي قدّمها المغرب منذ طرح مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007.
وأشار الوردي إلى أن المجلس الأممي سجّل من خلال هذا القرار تطورا واضحا في نظرة المجتمع الدولي للنزاع، بعدما تأكد له أن الحل الوحيد الممكن هو الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، وهو ما يتقاطع مع المواقف التي عبّرت عنها عواصم كبرى خلال السنوات الأخيرة.
قرار تاريخي في مجلس الأمن يدعم مقترح “الحكم الذاتي” في قضية الصحراء المغربية
واعتبر أن لحظة التصويت شكلت تأكيدا جديدا على ما يسميه “الانتصار الهادئ”، الذي تحقق عبر صبر سياسي طويل، وإصرار على إقناع العالم بواقعية المقاربة المغربية التي توازن بين حفظ الاستقرار في المنطقة واحترام القوانين الدولية.
♦تحول دبلوماسي يعيد ترتيب الأوراق
يرى الوردي أن هذا القرار الأممي يكشف تحوّلا نوعيا في هندسة المواقف الدولية من قضية الصحراء، إذ لم يعد الحديث يدور حول استفتاء أو حلول متجاوزة، بل حول مشروع الحكم الذاتي كخيار وحيد، يحظى بإجماع واسع داخل مجلس الأمن وخارجه.
وأبان أن حكمة الملك محمد السادس قادت العمل الدبلوماسي المغربي إلى ترسيخ مفهوم “السيادة الواقعية”، التي تتجسد في البنية المؤسساتية للأقاليم الجنوبية، وفي الانخراط الشعبي والاقتصادي الذي جعل من هذه المناطق نموذجاً للتنمية المندمجة.
ولفت الوردي إلى أن هذا الاعتراف الأممي جاء نتيجة تراكم الثقة التي راكمها المغرب داخل المنظومة الدولية، بفضل التزامه بالشرعية واحترامه للآليات الأممية، دون أن ينجر إلى التصعيد أو إلى أي خطوة أحادية من شأنها تعقيد المشهد.
وأكد أن المجتمع الدولي بات يدرك أن المبادرة المغربية هي الوحيدة القادرة على توفير حل سياسي دائم ومتوافق عليه، بالنظر إلى مرونتها وواقعيتها، وإلى قدرتها على ضمان كرامة الساكنة المحلية في إطار السيادة الوطنية.
دعم أمريكي لمقترح الحكم الذاتي بالصحراء… هل سينجح الضغط الدولي في تغيير موقف الجزائر؟
وذهب الوردي إلى أن المنعطف الأممي اليوم لا يحمل دلالة سياسية فحسب، بل يؤكد أيضا أن المنتظم الدولي أصبح يتعامل مع قضية الصحراء باعتبارها ملفا مغربيا صرفا، مرتبطا بوحدة التراب الوطني، لا بنزاع مفتعل كما حاولت بعض الأطراف تسويقه لعقود.
وأظهر أن المغرب سيتجه في المرحلة المقبلة إلى تقديم صياغة أكثر تفصيلاً لمقترح الحكم الذاتي، سواء أمام الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، لتوضيح مضامينه القانونية والإدارية، وتيسير فهم أبعاده الواقعية لدى الفاعلين الدوليين، حتى يتم اعتماده كمرجع رسمي للحل النهائي.
ولمح إلى أن هذا التوجه ينسجم مع رؤية المملكة في دعم المسار الأممي وتكريسه كإطار وحيد لتسوية النزاع، بما يعزز من مصداقيتها على الصعيد الدولي، ويرسخ موقعها كشريك استراتيجي في قضايا السلم والأمن داخل إفريقيا وخارجها.
وشدد الوردي على أن المغرب لا يكتفي بالدفاع عن مصالحه الترابية، بل يقدم نموذجاً لدبلوماسية “الربح المتبادل”، التي تسعى إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي وتفادي أي توترات قد تهدد السلم في المنطقة المغاربية والساحل.
تقرير غوتيريش يجدد الدعوة إلى حل سياسي واقعي للنزاع حول الصحراء المغربية… فهل تقترب لحظة الحسم؟
♦مسار رمزي ومعنى وطني متجدد
يربط الوردي بين صدور هذا القرار الأممي والرمزية التاريخية التي يحملها تزامنه مع الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء والسبعين لاستقلال المغرب، معتبراً أن هذا التلاقي الزمني يجسد وحدة المسار الوطني في الدفاع عن الأرض والسيادة.
وكشف أن هذه المرحلة الجديدة تشكل امتداداً لمسيرة التحرير التي قادها المغاربة جيلاً بعد جيل، من المسيرة الخضراء سنة 1975 إلى المسيرة الدبلوماسية الراهنة التي تُتوج باعتراف أممي غير مسبوق.
وأضاف أن الخطاب الملكي الأخير عبّر عن هذا المعنى العميق حين اعتبر القرار الأممي فتحا مبينا تحقق بعد نصف قرن من الصبر والعمل الدؤوب، وشكّل لحظة وطنية بامتياز تستحق أن تُسجّل في الذاكرة الجماعية للمغاربة.
ونوّه الوردي بالرسائل التي تضمنها الخطاب الملكي، سواء عبر توجيه الشكر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي دعّم هذا المسار منذ اعتراف بلاده بسيادة المغرب سنة 2020، أو عبر الامتنان للدول الصديقة، وعلى رأسها فرنسا وإسبانيا وعدد من العواصم الأفريقية التي ساندت الرؤية المغربية.
واشنطن تؤكد جدية الحكم الذاتي… ما انعكاسات فتح قنصلية على النزاع في الصحراء المغربية؟
واسترسل قائلا: أن الملك جدّد الدعوة إلى تعزيز علاقات حسن الجوار مع الجزائر على قاعدة المصير المشترك، مشيرا إلى أن المغرب لم يغلق يوما باب الحوار، بل ظلّ متمسكا بمبدأ “لا غالب ولا مغلوب”، وبفكرة بناء اتحاد مغاربي متجدد ينهض على التعاون والتنمية.
وذكّر الوردي بالرسالة الملكية الموجّهة إلى سكان مخيمات تندوف، التي دعاهم فيها إلى العودة إلى الوطن الأم والمشاركة في مسيرة البناء المشترك باعتبارهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، وهي دعوة تعبّر عن البعد الإنساني في الرؤية المغربية لحل النزاع.
وخلص إلى أن هذا الاعتراف الأممي لا يمثل فقط تتويجاً دبلوماسياً، بل يعبّر عن نصر وطني جامع يكرّس وحدة الدولة المغربية من طنجة إلى الكويرة، ويؤكد أن المسيرة لم تتوقف عند الحدث التاريخي لسنة 1975، بل تتواصل اليوم في شكلها الجديد: مسيرة التنمية، والشرعية، والاعتراف الدولي.
ويرى في الأخير إلى أن هذا التطور يفتح صفحة جديدة من “الجهاد الأكبر”، أي جهاد البناء والتنمية في الأقاليم الجنوبية، وتثبيت دعائم الأمن والاستقرار، في أفق إغلاق نهائي لملف الصحراء على أساس مشروع الحكم الذاتي كحلّ سياسي نهائي وعملي.
بعد سحب الاعتراف.. الإكوادور تؤكد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية

