أبدت قبائل أيتوسى بإقليم أسا الزاك تحفظها على إجراءات التحفيظ العقاري، مؤكدة على ضرورة إشراكها في أي عمليات تتعلق بأراضي أجدادها ضمن الإطار القانوني والمؤسساتي المعتمد.
وأوضح ممثلو القبائل أن هذا الموقف يعكس حرص السكان على متابعة مصالحهم وحماية حقوقهم العرفية والتاريخية، دون التأثير على السياسات العامة للدولة.
وأشار ممثلو القبائل إلى أن أهمية الملف تتجلى في سياق استراتيجية الدولة للتحفيظ العقاري والتنمية الاقتصادية بالأقاليم الجنوبية، التي تهدف إلى إدماج الأراضي في الدورة الاقتصادية وفتح آفاق استثمارية جديدة توفر فرص عمل للسكان المحليين والشباب، بما يعزز التنمية المستدامة.
كما أبدى المصدر ذاته أن تفاعل السكان مع هذه السياسات يمثل نموذجا لكيفية التوازن بين تنفيذ المشاريع الاستثمارية وضمان استفادة المواطنين، ضمن إطار يحافظ على ثوابت الوحدة الترابية ويضمن احترام الحقوق القانونية والاجتماعية لجميع السكان.
♦الاستثمار بين الدعم والتحفظ
أكد الدكتور الحسين احريش، البرلماني السابق والقيادي بتنسيقية الأطر للاستشارة القانونية والتتبع، أن الاستثمار في الأقاليم الجنوبية، بما فيها المشاريع البريطانية في مجال الهيدروجين الأخضر، يشكل أولوية وطنية لا يمكن أن يعارضها أي مواطن صالح.
وأوضح القيادي بتنسيقية الأطر للاستشارة القانونية والتتبع في تصريح لجريدة “شفاف”، أن خطاب الملك خلال السنوات الأخيرة ركز على دعم الاستثمار والتنمية في هذه المناطق، وأن المواطنين والقبائل، مثل قبائل آيتوسا وإقليم أسا الزاك، يضعون مصالح البلاد فوق كل اعتبار، ويرفضون أي تصرف يتعارض مع إرادة الملك.
وشدد احريش على أن موقفهم ليس معارضا للاستثمار، بل موقف متحفظ يهدف إلى ضمان حقوق ذوي الأراضي والفئات المحلية التي لم تستفد من المشاريع السابقة.
وأشار إلى أن التجارب السابقة للاستثمار العمومي في المنطقة لم تحقق أثرا إيجابيا للمواطنين، بل اقتصرت الفوائد على فئات محدودة، وهو ما يخلق فقدان الثقة لدى السكان في الخطاب المحلي، مع استمرار الثقة في الملك باعتباره الضامن الوحيد للعدالة الوطنية.
ولفت احريش إلى أن الاستثمار يجب أن يكون متوافقا مع المبادئ الوطنية، وأنه لا يمكن أن يكون هناك أي شك حول موقفهم من دعم الاقتصاد الوطني، مع الاحتفاظ بحق التعبير عن الملاحظات والتحفظات حول تدبير القضايا المتعلقة بالحقوق والأراضي.
وأضاف أن المستثمرين الأجانب، ومن ضمنهم الشركات البريطانية، مطالبون بالالتزام بالقوانين الوطنية وضمان استفادة المواطنين المحليين من مشاريع التنمية، مؤكدا أن الجميع يجب أن يربحوا: الدولة والمستثمرون والقبائل والمواطنون على حد سواء.
ودعا إلى إعطاء إشارة إيجابية للاستثمارات، شريطة مراعاة الشروط الوطنية والعدالة الاجتماعية، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية التي تشمل الملكية والوحدة الترابية والإسلام والخيار الديمقراطي.
♦معوقات محلية وتنموية
أظهر احريش أن أحد أبرز الإشكالات يتمثل في سلوك بعض الفاعلين المحليين الذين يتعاملون مع الأصوات الموضوعية على أنها إزعاج، ويعوقون الوصول إلى قرارات عادلة ومنصفة.
ونبه إلى أن هناك تباينا في سرعة التنمية بين المناطق المختلفة، حيث تتحرك بعض المناطق بوتيرة متقدمة بينما تبقى أخرى متأخرة، مما يؤدي إلى تفاوت في توزيع الثروة والتنمية البشرية.
وأبان المتحدث إلى أن هناك قصورا في معالجة البطالة والفقر، مشيرا إلى أن الحديث عن التنمية لا يجب أن يقتصر على الخطاب السياسي، بل يجب أن يصل إلى المواطنين على أرض الواقع.
وكشف بأن التفاعل مع الدولة يجب أن يكون ضمن إطار الثوابت الوطنية، مع المطالبة بمعالجة الاختلالات التي تعيق التنمية وتحرم المواطنين من الاستفادة الفعلية من المشاريع.
وأورد احريش أن المواطنين لديهم الحق في التعبير عن آرائهم بحرية، وأن هذا التعبير لا يعني معارضة للمصلحة الوطنية أو خطابات الملك، بل هو وسيلة لضمان العدالة والمساواة في الاستفادة من التنمية.
وتابع أن بعض التجارب السابقة أظهرت أن المشاريع العمومية، رغم أنها تستهدف التنمية، غالبا ما استفادت منها فئات محدودة على حساب الأغلبية، وهو ما يخلق إحباطا لدى المواطنين ويضعف ثقتهم في الفاعلين المحليين.
وحث أحريش على تعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة المشاريع الاستثمارية، مع ضمان إشراك السكان المحليين بشكل فعال في كل مراحل التخطيط والتنفيذ، لضمان توزيع عادل ومنصف للفوائد الاقتصادية والتنموية.
♦تحديات النخب والسياسة المحلية
بين احريش أن المغرب حقق مكاسب دبلوماسية مهمة في ملف الصحراء، بما في ذلك اعترافات دولية بالإدارة المغربية للمنطقة، لكنها لم تواكب دائما مكاسب داخلية على مستوى التنمية المحلية.
ولمح إلى أن النخب السياسية في الأقاليم الجنوبية لا تدير الملفات بنفس الدينامية التي يقود بها الملك ملف الصحراء، مشيرا إلى استمرار مظاهر الريع ووجود شخصيات فوق القانون، وهو ما يؤثر على صورة البلاد ويعوق التنمية.
وأبدى إلى أن بعض القضايا مثل الأراضي والتحفيظ ما زالت تحيط بها صعوبات، وأن الحديث عنها قد يعرّض الشخص لتهم الانفصال أو التشكيك في الولاء الوطني، وهو ما اعتبره خللا يجب تجاوزه.
وزاد احريش أن حرية التعبير والحوار داخل المؤسسات وخارجها، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، ضرورية لتقوية الجبهة الداخلية وتعزيز موقف المغرب على الصعيد الخارجي.
وجزم على أن التحديات لا تتعلق فقط بالاستثمار، بل تشمل معالجة الاختلالات الداخلية في توزيع التنمية ومكافحة البطالة والفقر، مع الحرص على إشراك جميع المواطنين في الاستفادة من المشاريع التنموية.
وذهب احريش إلى أن قبائل أيتوسى ثابتون على موقفهم المتمثل في دعم الاستثمار والتنمية، مع التزام المراقبة والمساءلة لضمان حقوق السكان المحليين، وحماية مصالح البلاد، في إطار الثوابت الوطنية التي تظل المرجعية الأساسية لكل السياسات والاستثمارات.
ورجّح المتحدث أن الترسانة القانونية المنظمة للعقار في المغرب توفر إمكانية بلوغ حلول وسط، مبيّنا أن مسطرة التحفيظ الجماعي تشكّل آلية مجانية تتيحها القوانين الوطنية للقبائل والأفراد والجماعات المالكة للأراضي المشاعة، بما يكفل لهم تحفيظًا منظمًا وجماعيًا.
وأوضح أن الدولة يمكنها، عند إطلاق مشاريع استثمارية، أن تعتمد مسار التفاوض مع القبيلة ومع ذوي الحقوق على أساس منطق “رابح-رابح”، معتبرا أن خيار التحفيظ الجماعي يُطرح كبديل عملي من قبل التنسيق المحلي ورجال الأرض لمعالجة الإشكال.
واستخلص في ختام حديثه أن الموقف لا يتجه إلى معارضة الاستثمار، وإنما يرفض إدراج أراضي القبائل ضمن أملاك الدولة أو الأملاك المخزنية

