كشف تقرير صادر عن المعهد المغربي للسياسات أن منظومة الحماية الاجتماعية في المغرب عرفت خلال السنوات الأخيرة تحولا عميقا انتقلت بموجبه من منطق البرامج الاجتماعية المجزأة إلى بناء نظام وطني موحد استهدف تعميم التغطية الاجتماعية على نطاق واسع، مبرزا أن هذا التحول يعكس إعادة تعريف جذرية لدور الدولة في المجال الاجتماعي، حيث انتقلت من فاعل تدخلي محدود إلى ركيزة مركزية في ضمان الحد الأدنى من الأمن الاجتماعي للمواطنين.
وأوضح التقرير أن هذا التحول لم يكن معزولا عن السياق العام، بل جاء نتيجة تراكم اختلالات اقتصادية واجتماعية متداخلة، أبرزها اتساع رقعة الهشاشة الاجتماعية، وارتفاع عدد الفئات النشيطة التي تعيش خارج أي إطار حماية رسمية، مضيفا أن التحولات التي عرفها سوق الشغل وأنماط العمل التقليدية ساهمت في إضعاف قدرة النموذج السابق على الاستجابة لمتطلبات المرحلة.
وسجل التقرير أن جائحة كوفيد-19 شكلت لحظة مفصلية في إبراز حدود المنظومة القائمة، بعدما كشفت أن ملايين العاملين في الاقتصاد غير المهيكل وجدوا أنفسهم خارج أي تغطية صحية أو آلية للتعويض عن فقدان الدخل، مبينا أن هذا الوضع أدى ذلك إلى تعميق النقاش العمومي حول مدى نجاعة النموذج الاجتماعي السابق، وحدود قدرته على الصمود أمام الأزمات الكبرى.
وأضاف التقرير أن هذه الصدمة الاجتماعية والاقتصادية سرعت وتيرة الإصلاح، حيث أصبح تعميم الحماية الاجتماعية خيارا استراتيجيا للدولة، وليس مجرد برنامج قطاعي ظرفي، مبينا أن هذا التوجه، رغم أهميته، اصطدم منذ البداية بواقع اقتصادي معقد، يتسم باتساع نطاق الاقتصاد غير المهيكل، وتداخل الأنشطة غير المنظمة مع البنية الاقتصادية الرسمية.
♦إطار قانوني لإعادة الهيكلة الاجتماعية
أبرز التقرير أن اعتماد القانون-الإطار رقم 09.21 شكل محطة أساسية في مسار إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية، إذ وضع أسس الانتقال نحو تعميم التغطية الاجتماعية بشكل تدريجي، مع ضمان شمول مختلف الفئات الاجتماعية، بما فيها العاملون في القطاع غير المهيكل.
وأفاد أن هذا الإطار القانوني جاء ليعيد تنظيم المنظومة عبر توحيد أنظمة الحماية الاجتماعية، وتوسيع قاعدة الانخراط في التأمين الصحي الإجباري، والتقاعد، والتعويضات الاجتماعية، مظهرا أن هذا التصور اعتمد على مقاربة مزدوجة تقوم على الاشتراك بالنسبة للفئات القادرة على الأداء، والدعم التضامني للفئات الهشة.
ودون التقرير أن هذا التوازن بين المنطقين الاجتماعي والمالي يعكس محاولة واضحة للجمع بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية للمنظومة، مبينا أن هذا الطموح ظل يصطدم بإكراهات ميدانية مرتبطة بطبيعة النسيج الاقتصادي، الذي يتسم بضعف الاستقرار المهني، وغياب الدخل القار لدى فئات واسعة من المواطنين.
كما أشار إلى أن تنزيل هذا الإطار القانوني كشف عن فجوة بنيوية بين التصور التشريعي وأدوات التنفيذ، حيث ظل افتراض إمكانية إدماج جميع الفاعلين الاقتصاديين داخل إطار منظم بعيدا عن واقع يتميز بانتشار واسع لأنشطة غير مهيكلة، تعمل خارج أي نظام جبائي أو مؤسساتي واضح.
وأردف التقرير أن هذا التناقض بين النص القانوني والواقع الاقتصادي أبطأ وتيرة الإدماج، وحد من فعالية السياسات العمومية، رغم التقدم المسجل على مستوى التصميم المؤسساتي.
♦الاقتصاد غير المهيكل وإكراهات الإدماج
أكد التقرير أن الاقتصاد غير المهيكل ظل يشكل أحد العناصر الأساسية في البنية الاقتصادية الوطنية، حيث يضم ملايين العاملين في أنشطة متنوعة تشمل التجارة والخدمات والحرف والبناء والنقل، مضيفا أن هذا القطاع لعب دورا مهما في امتصاص البطالة، وتوفير مصادر دخل لفئات واسعة من المجتمع.
وأظهر أن هذا الاقتصاد ساهم بنسبة تتراوح بين 30 و35 في المائة من الناتج الداخلي الخام، ما يعكس ثقله الحقيقي داخل الدورة الاقتصادية الوطنية. غير أن هذا الثقل الاقتصادي لم يواكبه إدماج اجتماعي أو مؤسساتي، إذ ظل العاملون فيه خارج أنظمة الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية والتقاعد.
ووتق التقرير أن هذا القطاع يتميز بسيادة الوحدات الصغيرة جدا ذات الطابع الفردي أو العائلي، إضافة إلى ضعف التنظيم القانوني، وانخفاض مستويات الإنتاجية، وهشاشة الاستثمارات. كما يتركز في قطاعات أساسية مثل التجارة والخدمات والبناء والنقل، وهي قطاعات تعتمد بشكل كبير على مداخيل غير مستقرة وغير مضمونة.
ولفت إلى أن هذه الخصائص تجعل الاقتصاد غير المهيكل اقتصادا مرنا من حيث التشغيل، لكنه هش من حيث الاستدامة، ما يعقد عملية إدماجه داخل منظومة حماية اجتماعية قائمة على الاشتراكات المنتظمة والاستقرار المهني.
♦تحديات الإدماج والاستدامة الاجتماعية
خلص التقرير إلى أن عملية إدماج العاملين في الاقتصاد غير المهيكل واجهت مجموعة من التحديات البنيوية، في مقدمتها غياب تعريف قانوني دقيق لهذا القطاع، ما خلق صعوبة في تحديد الفئات المستهدفة بدقة، وأضعف من فعالية التدخلات العمومية.
وبين أن التعقيدات الإدارية المرتبطة بعمليات التسجيل والتصريح المهني شكلت عائقا إضافيا أمام انخراط فئات واسعة، خصوصا أصحاب الأنشطة الصغيرة والحرفيين، الذين واجهوا مساطر معقدة وكلفة زمنية وإدارية مرتفعة، ما دفع جزءا منهم إلى الاستمرار خارج المنظومة الرسمية.
واسترسل التقرير أن طبيعة الدخل غير المستقر في هذا القطاع شكلت أحد أبرز العوائق، حيث تميل فئات واسعة إلى تفضيل تلبية الاحتياجات اليومية المباشرة على حساب الالتزام بالاشتراكات الاجتماعية طويلة الأمد. وهو ما يعكس واقعا اقتصاديا أكثر مما يعبر عن رفض إرادي للمنظومة.
ووثق كذلك أن العوامل الاجتماعية والثقافية لعبت دورا مهما في تعقيد مسار الإدماج، حيث ظل الاقتصاد غير المهيكل مرتبطا بشبكات محلية وعلاقات غير رسمية توفر بدائل عملية عن الدولة. كما أن ضعف الثقة في المؤسسات العمومية ساهم في إبطاء عملية الإدماج داخل النظام الرسمي.
وذهب التقرير إلى أن هذه العوامل مجتمعة جعلت من ورش تعميم الحماية الاجتماعية ورشا مركبا، يتجاوز البعد التقني والإداري، ليصبح مرتبطا بإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد.

