تخوض المركزيات النقابية، اليوم وغدًا، إضرابًا وطنيًا يشمل مختلف القطاعات، احتجاجًا على تمرير مشروع قانون الإضراب.
وأوضحت النقابات أن قرارها بتنفيذ هذا الإضراب الإنذاري جاء نتيجة عدم التزام الحكومة بالاتفاقات السابقة مع النقابات المركزية
وأضافت النقابات أن تجاهل الحكومة للتعديلات المقترحة، هو ما دفعها إلى التصعيد دفاعًا عن المكتسبات النقابية التي ترى أنها مهددة بالتراجع.
♦قانون مجحف يسلب حقوق الطبقة العاملة
قال عبد الله غميميط، الكاتب العام الوطني للجامعة الوطنية للتعليم، إن النقابة التي يمثلها، بصفتها نقابة قطاعية في مجال التعليم، بادرت إلى التنسيق مع مجموعة من النقابات القطاعية الأخرى، من بينها النقابة المستقلة لأساتذة القطاع العام، النقابة المستقلة للممرضين، الأطر الإدارية والتقنية في قطاع الصحة، نقابة مفتشي الشغل، الجامعة الوطنية لقطاع الفلاحة، نقابة البحارة، الهيئة الوطنية للتقنيين.
وأوضح غميميط في تصريحه لجريدة “شفاف”، أن هذه المكونات مجتمعة شكلت جبهة مغربية ضد قانون الإضراب والتقاعد، منذ السادس من ماي 2024.
وأضاف الفاعل النقابي، أن هذه المبادرة جاءت عقب إحالة مشروع قانون الإضراب على مؤسسات الحوار الاجتماعي، حيث كان الحوار مطبوعاً بالسرية، ولم تكن هناك معطيات واضحة حول مضامين المشروع، رغم كونه قانوناً يمس بشكل مباشر حقوق الشغيلة.
وأشار المتحدث إلى أن النسخة التي تم اعتمادها في البداية هي ذاتها التي صادق عليها المجلس الوزاري عام 2016، والتي اعتبرتها الجبهة المغربية ضد قانون الإضراب والتقاعد تراجعية وخطيرة.
وأكد غميميط أن النقابة طالبت الحركة النقابية بتوحيد الصفوف وإطلاق مبادرات موحدة، غير أن التفاعل مع هذه الدعوة لم يكن في المستوى المطلوب.
وأردف قائلاً: “لذلك، قامت الجبهة المغربية بعدة تحركات نضالية، شملت وقفات مركزية وجهوية، ومسيرات احتجاجية، وشاركت في المسيرة الوطنية ليوم 19 يناير. كما تأسست بالموازاة مع ذلك جبهة وطنية للدفاع عن الحق في الإضراب، ضمت أحزاباً ونقابات وجمعيات مدنية”.
وأبان المتحدث أن ممارسة الإضراب حق مشروع في مواجهة محاولات الحكومة لتقييد الحريات النقابية، إلا أن الوعي بضرورة النضال الجماعي لم يكن حاضراً لدى جميع الأطراف في الوقت المناسب. واستدرك قائلاً: “لكن من الأفضل أن تأتي متأخراً من ألا تأتي أبداً”.
♦قوانين تسعى لتكميم الأفواه
وانتقد غميميط طريقة المصادقة على القانون داخل البرلمان ومجلس المستشارين، مشيراً إلى أن هذه المصادقة لم تحظَ بتوافق واسع، حيث شارك في عملية التصويت 124 نائباً فقط من أصل 395، وهو ما يطرح، بحسبه، تساؤلات حول مدى شرعية هذا الإجراء.
واعتبر أن هذا القانون ليس ضرورياً، مؤكداً أن الإضرابات في المغرب تتم بشكل منظم ولا تخرج عن الأطر القانونية. مضيفا ” أننا اليوم نواجه حكومة غير مسؤولة، لا اجتماعية، تسعى إلى فرض قوانين استعبادية لتكميم أفواه الشغيلة ومنعهم من الدفاع عن حقوقهم، سواء في القطاع العام أو الخاص.. و هذا القانون يكرس الاستبداد الاقتصادي والاجتماعي، ويهدف إلى حماية المشغلين من أي مطالب عمالية، سواء كان المشغل هو الدولة أو القطاع الخاص”.
ولفت غميميط إلى أن الحكومة تسارع الزمن لتمرير هذا القانون، دون مراعاة تبعاته الاجتماعية الخطيرة، محملاً إياها المسؤولية الكاملة عن هذا الوضع.
كما وصف غميميط قانون الإضراب بـ”التراجعي والخطير”، ومبرزاً أنه يعزز سياسة التضييق على الحريات العامة، ومضيفاً: أن الحريات السياسية والإعلامية مقيدة، والحريات النقابية أيضاً تُستهدف بشكل ممنهج. والدولة تمارس التمييز بين الأحزاب والجمعيات، حيث تُمنع القوى المعارضة الحقيقية من الوصول إلى الإعلام العمومي أو تنظيم أنشطتها في الفضاءات العامة، وها هي اليوم توسع نطاق هذا القمع ليشمل العمل النقابي”.
وأوضح الفاعل النقابي، أن هذا الوضع سيؤدي إلى حالة من الغبن والاحتقان الاجتماعي، حيث سيتم حرمان فئات واسعة من حقها في الإضراب والتنظيم النقابي، خاصة في القطاع الخاص، مما سيجعل ممارسة الإضراب أمراً شبه مستحيل. ومؤكدا أنه حتى في القطاع العام، سيصبح تأثير الإضرابات محدوداً بفعل مقتضيات هذا القانون.
واعتبر غميميط، أن هذا الوضع يعكس طبيعة الديمقراطية “المزيفة”، على حد تعبيره، مشدداً على أن الحكومة تسعى إلى فرض هيمنة الأقلية من أرباب العمل على الأغلبية من العمال والموظفين والمستخدمين والفقراء والكادحين، من خلال قوانين قمعية تقيد حرية التعبير والتنظيم.
♦الإضراب رسالة
وشدد على أن الإضراب العام هو رسالة واضحة إلى الحكومة بأن الطبقة العاملة لن تقبل بهذه التراجعات، قائلاً: “الطبقة العاملة هي التي تنتج الثروة الوطنية، ومن حقها أن تستفيد منها”.
وأضاف أن على الحكومة اليوم مطالبة بالتراجع عن هذا المشروع، وفتح حوار مسؤول مع المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية، في إطار تفاوضي ثلاثي يضم المشغلين والنقابات والدولة.
وأكد غميميط أنه في حال استمرت الحكومة في تعنتها، فإن النضال سيستمر بجميع الوسائل المشروعة، من خلال إضرابات قطاعية وجهوية، ومسيرات وطنية، للضغط من أجل سحب هذا القانون.
وأوضح قائلاً: “كما أسقطنا مشاريع ومراسيم سابقة، سنواصل المعركة حتى تحقيق مطالبنا.. الكرة الآن في ملعب الحكومة، وعليها أن تتحمل مسؤوليتها قبل أن تتفاقم الأوضاع”.

