في خطوة تحمل دلالات استراتيجية عميقة، يدرس المغرب بالتعاون مع الولايات المتحدة وفرنسا، إنشاء قاعدة جوية في أقصى جنوب الصحراء المغربية، بهدف شن ضربات جوية ضد الجماعات الإرهابية والمتطرفة في منطقة الساحل، وذلك بالتنسيق المسبق مع البلدان التي يهم هذا الأمر، ولاسيما النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وفق ما أوردته صحيفة “لاراثون” الإسبانية نقلا عن مصادرها.
وتأتي هذه الخطوة في سياق تزايد التهديدات الإرهابية التي جعلت المنطقة بؤرة توتر دولية، وسط تحذيرات من تحولها إلى “أفغانستان جديدة”، ما يثير تساؤلات حول إن كان هذا المشروع سيعكس مقاربة استباقية لضمان الأمن الإقليمي، وعن دلالات هذا الخطوة المرتقبة، ومدى نجاحها في كبح جماح الإرهاب المتفاقم بالمنطقة.
La última barrera de Europa contra el yihadismo:
Marruecos construirá un aeropuerto en el extremo sur del Sáhara para atacar a la yihad en el Sahel. https://t.co/BKEfd4Bj3v— Jacinto V.L.©️ (@Jacinto33192759) March 3, 2025
♦ الدوافع وراء الخطوة
يشير محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، إلى أنه بالرغم من عدم خروج أي جهة رسمية لحدود الساعة لتأكيد او نفي ما جاء في الصحيفة الإسبانية، ولكن هناك عدة مؤشرات تعزز صحة هذا الخبر.
وقال الطيار في تصريح لجريدة “شفاف”، إن إنشاء قاعدة عسكرية في أقصى جنوب الصحراء المغربية، بالتعاون مع الولايات المتحدة وفرنسا، يمثل تحولًا جذريًا وخطوة حاسمة في الاستراتيجية الأمنية المتعلقة بمنطقة الساحل الإفريقي.
???????? ???????? ???????? FLASH | Le #Maroc construit actuellement un #aéroport militaire à l’extrême-sud du #SaharaOccidental.
– Soutenue par les #USA, cette base vise à sécuriser l’entrée vers le #Sahel en déployant #drones et #avions de chasse dans le ciel ouest-africain. L’objectif est… pic.twitter.com/wWK4JUPR4P
— La Revue Afrique (@larevueafrique) March 5, 2025
وأردف رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن هذا المشروع ليس مجرد رد فعل تكتيكي، بل هو رؤية استباقية لمواجهة تهديد متفاقم أثبتت التجارب السابقة فشل التعامل معه بالأساليب التقليدية.وأضاف أنه بالعودة لسنة 2021، انسحبت فرنسا من الساحل بعد أكثر من ثماني سنوات من العمليات العسكرية عبر عمليتي “سيرفال” و”برخان”؛ بهدف معلن هو مكافحة التطرف واستتباب الأمن، لكن النتيجة كانت مخيبة؛ فقد واجهت باريس تحديات جمّة، وتطورت أساليب الجماعات الإرهابية بشكل خطير خلال تواجدها، مما جعل المنطقة أكثر هشاشة.
ولفت إلى أن نفس المصير لاقته بعثة الأمم المتحدة “مينوسما” التي فشلت في مهمتها وانسحبت تاركة فراغًا أمنيًا، مبرزا أن الولايات المتحدة الأمريكية بدورها، كانت تقدم دعمًا لوجستيًا واستخباراتيًا لفرنسا من قاعدتها في النيجر، لكنها انسحبت أيضًا، مما سمح بتوسع النفوذ الروسي عبر مجموعة “فاغنر”، وهو ما أُعلن عنه لاحقًا كقوات خاصة إفريقية تابعة لموسكو.
الاستخبارات المغربية تفك شفرات الإرهاب العالمي.. لماذا تفوقت “لادجيد” على مخابرات دول عظمى؟
♦ دواعي الرهان على المغرب
يرى محمد الطيار أنه في ظل هذا الواقع المعقد، يبرز المغرب كشريك استراتيجي لا غنى عنه للغرب، لأنه يمتلك مزيجًا فريدًا من المقومات؛ في مقدمتها روابط تاريخية عميقة مع دول الساحل، وموقع جغرافي يجعله الحاجز الأخير قبل أوروبا، وخبرة أمنية مثبتة في تفكيك الخلايا الإرهابية.
وأوضح أنه يضاف لما سبق؛ مبادرة الأطلسي التي طرحها المغرب، والتي لاقت ترحيبًا دوليًا واسعًا، لافتا إلى أن هذه المبادرة تهدف إلى فك الحصار عن دول الساحل عبر فتح موانئ وطرق المغرب أمامها، مما يعزز التنمية ويحد من الهشاشة الاجتماعية التي تغذي التطرف.
وشدد رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، على أن تحقيق هذا الهدف يتطلب شرطًا مسبقًا، يتمثل في القضاء النهائي على الجماعات الإرهابية والمتطرفة التي باتت تسيطر على مساحات شاسعة في دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، والتي باتت تهدد حدود موريتانيا الشرقية.
المبادرة الأطلسية.. ما هي الأهداف والمكاسب وما سر غياب موريتانيا والسنغال عن اجتماع مراكش؟
واستطرد أنه اليوم توجد دول مثل بوركينا فاسو لا تسيطر إلا على 30% من أراضيها، ومالي والنيجر تعانيان من هيمنة تنظيمات مثل “ولاية الساحل” التابعة لتنظيم “داعش” و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، التي باتت تهدد حتى الحدود الموريتانية.
وأكد على أن هذا الوضع يجعل إنشاء القاعدة العسكرية ضرورة ذات وجهين؛ الأول يتعلق بتمهيد الطريق لمبادرة الأطلسي ودعم التنمية في الساحل؛ والثاني يرتبط بحماية مصالح الولايات المتحدة وفرنسا بعد انسحابهما المضطر من المنطقة تحت ضغط التحولات الجيوسياسية.
وأشار إلى أن تجربة فرنسا في 2013، عندما تدخلت عبر عملية “سيرفال” لمنع سقوط باماكو بأيدي الإرهابيين، انطلاقًا من قاعدة في بوركينا فاسو، ثم أطلقت “برخان” بـ5000 جندي لثماني سنوات دون جدوى، مبرزة أنها حاولت إنشاء تحالف “جي 5 الساحل” وقوات “تاكوبا”، لكن كل تلك المبادرات باءت بالفشل.
وأكد رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، على أن عودة فرنسا وأمريكا إلى الساحل عبر المغرب، سيمثل ذلك إعادة تموضع استراتيجي، بعد أن خسرتا باريس وواشنطن مواقعهما في كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو وتشاد.
وأوضح أنه مع ذلك، يبقى التهديد الإرهابي خطرًا دائمًا يحيط بالأمن القومي المغربي، لكن الخيارات الاستراتيجية التي تتبناها المملكة حاليا تعزز دورها الريادي في المنطقة، وتخدم بشكل مباشر قضية الصحراء المغربية كورقة قوة سياسية وأمنية.
ولفت الخبير الاستراتيجي إلى أن هذا المشروع ليس مجرد قاعدة عسكرية، بل هو رؤية شاملة تجمع بين الأمن والتنمية والشراكة الدولية، لمواجهة تحدٍ قد يحدد مصير المنطقة والعالم.
ونبه إلى أن الخيارات الاستراتيجية المدروسة تبقى هي العامل الحاسم في مواجهة هذه التهديدات، مبرزا أن هذه المبادرة تعكس مقاربة استباقية وفعالة، تجمع بين البعد الأمني والعسكري وبين الرؤية التنموية المتكاملة لمنطقة الساحل.

