شكل “اليوم التواصلي الوطني للمحاسبين المهنيين”، المنعقد اليوم السبت 14 فبراير بالدار البيضاء تحت شعار “نحو تنظيم عادل، منصف وشامل للمهنة”، محطة مفصلية لتسليط الضوء على الأزمة البنيوية التي يعيشها مئات المحاسبين خارج لوائح الاعتماد.
ويأتي هذا اليوم التواصلي في إطار مواكبة النقاش العمومي والتشريعي الجاري حول تعديل القانون 127.12 المنظم للمهنة، والذي تم تغييره وتتميمه بـ القانون 53.19.
وتروم هذه التحركات لفت انتباه المؤسسة التشريعية إلى فئة واسعة من المحاسبين الممارسين فعلياً والمسجلين بالضريبة المهنية منذ سنوات، والذين وجدوا أنفسهم خارج لوائح الاعتماد، ليس للمطالبة بامتيازات خاصة، بل للمساهمة في إصلاح قانوني متوازن يراعي الواقع الاقتصادي والمهني للمملكة.

شهادة الميدان
وفي مستهل الندوة، أكد السيد يوسف كروم أن تنظيم المهنة لا يمكن أن يكتمل بسياسة “الإقصاء”، مشددا على أن المحاسبين المهنيين اشتغلوا لسنوات طوال كمرافقين للمقاولات الصغرى والمتوسطة، وكانوا صلة الوصل الحقيقية بين الإدارة والملزمين، خاصة خلال الأوراش الكبرى مثل ورش الرقمنة وفترة جائحة كورونا.
وأضاف كروم أن المهنيين يجدون أنفسهم اليوم أمام “مفترق طرق” يهدد سنوات من الاجتهاد والمبادرة، معتبرا أن أي نموذج تنموي لا يمكن أن ينجح بعدد محدود من المهنيين، بل يتطلب إدماج كافة الكفاءات الوطنية لتعزيز قوة الوطن وتحقيق الإصلاح الحقيقي الذي يبدأ بالإنصات للممارسين في الميدان.
الإشكالات التشريعية والتنزيل التنظيمي
و تميز اللقاء بتقديم مذكرة تقنية مفصلة تهدف إلى لفت انتباه المؤسسة التشريعية لوضعية المهنيين خارج لوائح الاعتماد.
من الناحية التقنية، توقفت المذكرة عند مسار القانون 127.12 الصادر سنة 2012 ودخوله حيز التنفيذ في 2015، وصولا إلى تعديله بالقانون 53.19 في دجنبر 2019. ورغم التوجه التشريعي لتنظيم المهنة، إلا أن التنزيل العملي أفرز إشكالات عميقة، منها ضعف التواصل حول مساطر إيداع الملفات، واعتماد شروط ذات أثر رجعي، وغياب فترة انتقالية واضحة.
وقد أدى ذلك إلى رفض ملفات عديدة لأسباب شكلية، مما تسبب في إقصاء فاعلين أساسيين يؤدون ضرائبهم بانتظام، وهو ما يضرب مبدأ “الثقة المشروعة” ويهدد استقرار مكاتب المحاسبة ويخلق حالة من الاحتقان المهني لا تخدم استقرار القطاع.

الأبعاد الاقتصادية والخصاص المهني
على المستوى الاقتصادي، تشير الأرقام إلى مفارقة صارخة؛ حيث يواجه النسيج المقاولاتي المغربي المكون من ملايين المقاولات خصاصاً بنيوياً بوجود حوالي 4700 مهني فقط (بين خبراء ومحاسبين معتمدين)، أي بمعدل يقارب 490 مقاولة لكل محاسب. هذا العجز يتعارض مع طموحات الدولة في تحسين مناخ الأعمال، وتعميق إدماج القطاع غير المهيكل، وتعزيز الشفافية الجبائية.
لذا، فإن إدماج المحاسبين المهنيين خارج اللوائح يحقق استقرارا اجتماعيا، ويوسع قاعدة التأطير المحاسبي، ويحارب الممارسة العشوائية، تماشياً مع التوجه الحكومي الداعي لدمج الفاعلين بدل تهميشهم.
المستجدات التشريعية والمطالب العملية
وفيما يخص الحراك التشريعي، توجد حاليا داخل لجنة المالية والتنمية الاقتصادية ثلاثة مقترحات قوانين لتعديل القانون 127.12، تقدمت بها فرق (الأصالة والمعاصرة في ماي 2025، الحركي في يوليوز 2025، والاشتراكي في دجنبر 2025).
وبناء عليه، يطالب المهنيون ببرمجة مستعجلة لهذه المقترحات لبناء حل سريع ينهي حالة الإقصاء، مع ضرورة اعتماد صيغة تعديل منصفة تحترم روح المادة الأولى من القانون، وإقرار فترة انتقالية لتسوية وضعية ذوي التجربة المثبتة. وتخلص المذكرة إلى أن اقتراب نهاية الولاية التشريعية يفرض تسريع المعالجة، لأن التأخير قد يؤدي إلى تجميد الملف والعودة إلى نقطة الصفر، في وقت يحتاج فيه الوطن إلى تكاتف جميع كفاءاته لإنجاح الأوراش الإصلاحية الكبرى.

