في محفل مهيب طبعته مشاعر الوفاء والاعتزاز، احتضن المقر الوطني لحزب التقدم والاشتراكية بالرباط مساء اليوم الثلاثاء حفل تأبين الراحلة الدكتورة هنو العلالي معمر، عضوة مجلس رئاسة الحزب.
وقد شهد اللقاء حضوراً وازناً لشخصيات سياسية وحقوقية وطبية، إلى جانب رفاق الدرب وأسرة الفقيدة، لاستحضار مسار امرأة وهبت حياتها للوطن والإنسان.
فلسفة النضال والقيم الوطنية
في مستهل المداخلات التأبينية أكد مولاي إسماعيل العلوي على عمق فلسفة النضال التي جسدتها الراحلة، مشيرا إلى أنها لم تكن مجرد مناضلة، بل كانت حاملة لرسالة قوامها قيم التقدم والمساواة والنضال السياسي المخلص من أجل الوطن.

وتوجه الأمين العام السابق لحزب التقدم والاشتراكية بالسلام لروحها الزكية ولذكراها التي وصفها بأنها ستبقى حاضرة في قلوب كل من حباهم الله بمعرفتها، مؤكدا أن شخصية “هنو ” ستبقى نبراسا لكل المؤمنين بالقضايا الوطنية العادلة.
الحفر في الصخر لإحداث التغيير
من جهته قال نبيل بن عبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، إن الجسد الحزبي والحقوقي يلتئم اليوم لاستحضار الروح الطيبة لرفيقة بصمت تاريخه بطابع متفرد واصفا الراحلة بالمناضلة الاستثنائية التي أبهرت كل من تقاسم معها ردحا من الزمن وقسطا من التجارب، مشيرا إلى أنها غادرت الحياة وهي تضطلع بمسؤوليتها في مجلس الحزب بعد مسار مشرف يثبت أن الحزب أنجب قامات إنسانية شامخة.

وأضاف بن عبد الله أن الفقيدة استحقت مكانة بارزة في النضال الوطني الديمقراطي، حيث اختارت الطريق الأصعب بالنزول للميدان والحفر في الصخر لإحداث فرق حقيقي في حياة النساء والفتيات.
وأبرز أنها كانت نموذجا ملهما للجمعيات والتعاونيات، حيث عشقت كل شبر من تراب وطنها، وفتحت بمبادراتها الرمزية الباب أمام عشرات المبادرات الأخرى .
كما لفت إلى أن نشأتها في “والماس” صقلت شخصيتها المتصالحة مع ذاتها، الهادئة والصبورة، منوها بدور والدها الذي آمن بحقها في التعليم، وصولا إلى نيلها الدكتوراه في الطب بكلية الطب والصيدلة بمونبلييه، حيث تخرجت طبيبة عامة قبل أن تتخصص في أمراض النساء والتوليد سنة 1971 وتعود بعدها للاشتغال في المناطق النائية حبا في خدمة الآخرين وتخفيف آلامهم.
“ماما هنو”.. صوت الكرامة والتعليم
أكدت أمينة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في معرض حديثها عن مناقب الفقيدة أنه من الصعب حصر كل المبادرات التي شاركت فيها الراحلة، واصفة إياها بالناشطة الفاعلة التي تركت أثرا إنسانيا لا يمحى.
وقالت بوعياش ” إننا نودع اليوم زميلة الأطباء، ورفيقة السياسيين، وصوتا رائدا للفاعلين الحقوقيين” مؤكدة أن “ماما هنو” كانت سندا للفتيات يصعب تعويضه، وصوتا ملهما للمدافعات عن حقوق الإنسان .

وشددت على أن لحظات التأبين هي اعتراف بما زرعته من إيمان عميق بالكرامة في كل موقع مثنية على التزامها الميداني، خاصة في منطقة “والماس” وتأسيسها لـ “جمعية إيلي” لتمدرس الفتيات القرويات، حيث كانت تردد دائما مقولة “إن المكان الطبيعي للفتاة هو المدرسة”، مؤكدة أن ذاكرة إسهاماتها ستظل متواصلة في وطن يراكم تجارب العظماء.
المسار العلمي والجرأة السياسية
من جهة أخرى قال الدكتور محمد العلالي، في كلمة باسم مجلس الأطباء الخبراء القضائيين، إن “هناك من الناس من تبدأ حياتهم الحقيقية بعد الوفاة، لأن الروح تحررت وانبعثت حرة طليقة”، مؤكدا أن الدكتورة هنو كانت وجها بارزا في المجال الطبي.
وأوضح أنها شقت طريقا وعرة من قريتها الأمازيغية إلى كلية “مونبلييه” بفرنسا، لتصبح عضوة في الهيئة الوطنية للأطباء وخبيرة قضائية في العلوم الطبية والصحية.

وأشار إلى نضالها في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، مؤكدا أنها كانت امرأة صالحة ووطنية غيورة، سجلت صفحات حياتها بالمناقب والصداقة الصادقة.
وأضاف أنها تركت إرثا كمناضلة اجتماعية وسياسية دافعت عن حق المرأة في التعليم عبر مسيرة 84 سنة من الكفاح والزهد في الدنيا، مؤكدا أن نبراس فكرها سيظل ينير الطريق لأبنائها وأحفادها.
الجسارة في المواقف والبهجة في العطاء
أوضح نجل الفقيدة، يونس معمر، أن والدته كانت تمتاز بالتفاؤل والقدرة على إحياء الأمل، وتغرس في الجميع الإيمان بأن المغرب يتطور.
وأوضح معمر في مداخلته خلال الحفل التأبيني أنها كانت تخاطب القلوب بلطف مع لمحة من السخرية الذكية، وتمتاز بـ “الجسارة” مستشهدا بمراسلتها لسفير المغرب بفرنسا بعد اختفاء بنبركة، ورفضها منحة “كلية كولومبيا” بنيويورك لكي لا تدرس عند من تصفهم بـ “الإمبرياليين”.

وختم الدكتور معمر قوله بأن والدته ارتبطت بزوجها “وجدي” وأنجبت ستة أبناء، وكانت تستمع دائما لضميرها مؤكدا أن فلسفتها كانت تقوم على أن البهجة والسعادة في العطاء وليست في الأخذ، وهو ما جسدته في مشروع مدرسة الفتيات بوالماس، رافعة شعار “المرأة حجابها العلم والعفة”، حتى صار لها اليوم ما يناهز ألفي فتاة ينادينها بلقب “ماما”.
لحظة الوفاء والختام
وفي ختام هذا المحفل المهيب، وتتويجا للحظات الاعتراف والامتنان لِما قدمته الفقيدة من تضحيات جسام في سبيل الوطن وقضايا المرأة والتمكين، شهد الحفل لحظة وفاء بليغة تمثلت في تقديم تذكار رمزي لأبناء وأحفاد الدكتورة هنو العلالي معمر .
وقد كانت هذه الالتفاتة تكريما لمسارها الحافل بالمواقف الجسورة وسيرتها العطرة التي بصمت تاريخ النضال المغربي.

وفي مشهد اختلطت فيه مشاعر الفخر بشموخ الراحلة بمرارة فقدان قامة إنسانية نادرة، تجدد العهد على الحفاظ على إرثها النضالي والحقوقي، لتظل ذكراها شعلة متقدة في وجدان عائلتها الصغيرة ورفاق دربها، ونبراسا يضيء طريق الأجيال القادمة.

