يشهد المغرب خلال الأيام الأخيرة اضطرابات جوية غير مسبوقة، اتسمت بتساقطات مطرية كثيفة وسيول جارفة وثلوج مهمة، إلى جانب رياح قوية وأمواج عاتية، ما خلف خسائر بشرية ومادية جسيمة بعدد من الأقاليم، أبرزها فاجعة مدينة آسفي التي أودت بحياة العشرات، في سياق مناخي استثنائي جاء بعد سنوات متتالية من الجفاف، حيث أعادت هذه الأحداث القاسية إلى الواجهة هشاشة البنيات التحتية في عدد من المدن والمجالات الترابية، وحدود قدرتها على استيعاب الظواهر الجوية القصوى التي باتت تتكرر بوتيرة مقلقة.
وتثير هذه الكوارث المتلاحقة تساؤلات عميقة حول ما إذا كان ما يعيشه المغرب اليوم مجرد انعكاس مباشر لتغيرات مناخية عالمية، أم نتيجة تراكم اختلالات بنيوية في التخطيط الحضري والتنموي، ومدى جاهزية السياسات العمومية لمنطق الاستباق والوقاية، كما يفتح ما حدث النقاش حول حدود المقارنة مع كبرى المدن العالمية التي تواجه بدورها فيضانات مدمرة رغم قوة بنياتها التحتية، وحول ما إذا كانت المآسي الأخيرة تكشف فجوة بين الخطاب الرسمي حول التنمية المستدامة وواقع تدبير المخاطر المناخية على المستوى المحلي.
❖ مناخ متحول
يبرز المصطفى العيسات، الخبير في المجال البيئي والتنمية المستدامة والمناخ، ومدير المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والتكوينات “سنيفكو”، أن الفيضانات الأخيرة التي شهدتها مدن ومناطق مغربية متعددة، مثل مراكش والدار البيضاء ومناطق أخرى خلال خريف 2023 و2024، تظهر أن المغرب دخل مرحلة من التحولات المناخية العميقة، حيث لم يعد نمط التساقطات المطرية كما كان في العقود السابقة.
وقال العيسات في تصريح لجريدة “شفاف”، إننا مع هذه التطورات المناخية في السنوات الأخيرة؛ لم نعد أمام أمطار منتظمة وضعيفة تمتد زمنيًا، بل أمام أمطار قصيرة ومركزة وعنيفة؛ قادرة في وقت وجيز على إغراق مدن بأكملها.
وأكد أن هذا التحول ليس معزولاً عن السياق الإقليمي والدولي، إذ تُجمع تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) على أن حوض البحر الأبيض المتوسط يُعد من أكثر المناطق هشاشة أمام التغيرات المناخية، مع تسجيل ارتفاع واضح في تواتر وحِدة الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حر وجفاف، إلى عواصف رعدية وفيضانات فجائية.
وأضاف أن تغير المناخ لا يخلق الكوارث بشكل مباشر، لكنه يرفع بشكل كبير من احتمالية حدوثها، مشيرًا إلى أن دراسات حديثة بينت أن احتمال وقوع أمطار غزيرة مشابهة لتلك التي عرفها المغرب في نونبر 2023 تضاعف ما بين مرتين وخمس مرات بفعل الاحترار العالمي، وهو ما يجعل هذه الظواهر مرشحة للتكرار، وليس مجرد أحداث استثنائية عابرة.
❖ تمدد عشوائي
يرى المصطفى العيسات أنه إلى جانب العامل المناخي، يبرز العامل البشري، وبالأخص التخطيط الحضري، كأحد المحددات الأساسية في تحويل الظواهر الجوية إلى كوارث إنسانية، مشددًا على أنه لا يمكن فهم حجم الخسائر المسجلة دون التوقف عند طبيعة التوسع العمراني الذي عرفته المدن المغربية خلال العقود الأخيرة.
ولفت إلى أن التوسع الحضري تم في كثير من الحالات دون احترام مسارات الأودية التاريخية أو مناطق الفيضان التقليدية، مع السماح بالبناء في مجالات يُفترض أن تظل متنفسًا طبيعيًا للمياه.
وأردف مدير المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والتكوينات “سنيفكو”، أن انسداد المجاري المائية؛ سواءً بسبب النفايات أو الأشغال غير المراقبة أو البناء العشوائي، ساهم في تقليص قدرة المدن على تصريف مياه الأمطار.
واستطرد أن تسطيح التربة وتكاثر الأسطح غير المنفذة، مثل الإسفلت والخرسانة، داخل المجال الحضري، قلص بشكل كبير من القدرة الطبيعية للتربة على امتصاص المياه؛ ما يسرع الجريان السطحي ويحول الأمطار القصيرة إلى سيول جارفة.
وأوضح الخبير في المجال البيئي والتنمية المستدامة والمناخ، أنه مع غياب أو تقادم أنظمة تصريف المياه في عدد كبير من المدن المتوسطة والصغيرة، تصبح الفيضانات نتيجة شبه حتمية.
❖ مسؤولية مشتركة
يؤكد المصطفى العيسات أن الفيضانات الأخيرة ليست نتيجة مباشرة لتغير المناخ وحده، ولا يمكن تحميل “غضب الطبيعة” كامل المسؤولية، مبرزًا أن هذا المشهد هو نتاج تآزر بين عاملين؛ تغيرات مناخية تُضخم المخاطر من جهة، وضعف التخطيط الحضري وغياب الحوكمة المائية من جانب ثاني.
بعد فيضانات الجنوب الشرقي.. أيّ دور سيلعبه صندوق التضامن ضد الكوارث؟
ويقدر مدير المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والتكوينات “سنيفكو”، أن ما بين 40 و60 % من حدة الكارثة يعود إلى عوامل بشرية قابلة للتعديل والمعالجة، في حين يظل العامل المناخي بمثابة مُضخم للمخاطر لا يمكن التحكم فيه مباشرة، لكن يمكن التكيف معه عبر سياسات استباقية ومرنة.
وأشار الخبير في المجال البيئي والتنمية المستدامة والمناخ، إلى أنه من هنا؛ يبرز الفرق بين الخطر الطبيعي الذي قد يكون حتميًا، والكارثة الإنسانية، التي غالبًا ما تكون نتيجة قرارات بشرية متراكمة.
❖ بنية هشة
عند تقييم قدرة البنيات التحتية الحالية بالمغرب على التكيف مع نمط الأمطار القصيرة والعنيفة، يلفت المصطفى العيسات إلى أن القدرة محدودة جدًا، منبهًا إلى أن معظم شبكات تصريف المياه والسيول صُممت في سياق مناخي مختلف، واستندت إلى معطيات تاريخية لم تعد صالحة في ظل الواقع المناخي الجديد.
وأوضح مدير المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والتكوينات “سنيفكو”، أن العديد من المدن؛ خاصة خارج المراكز الكبرى، تفتقر إلى أنظمة فعالة لتصريف مياه الأمطار، وتعتمد على مجارٍ تقليدية سرعان ما تفقد قدرتها على الاستيعاب.
الهشاشة العمرانية والفجوة التنموية… هل يكفي الاستثمار لحماية الجهات الداخلية من الكوارث الطبيعية؟
وأضاف أن تقارير رسمية؛ سواءً صادرة عن وزارة التجهيز والماء أو عن مؤسسات دولية كالبنك الدولي، تشير إلى أن ما لا يقل عن 50 % من الشبكات الحضرية الحالية غير قادرة على مواجهة الظروف المناخية الراهنة، فضلاً عن تلك المتوقعة مستقبلاً.
ويُضاف إلى ذلك بحسب العيسات؛ غياب رؤية متكاملة تربط بين التخطيط الحضري وإدارة المخاطر، وسياسات التكيف مع التغير المناخي، ما يجعل التدخلات غالبًا مجزأة ورد فعلية بدل أن تكون استباقية وشمولية.
❖ نماذج واعدة
رغم هذا التشخيص القاتم، يشير المصطفى العيسات إلى وجود استثناءات مشجعة، خاصة في بعض المشاريع الحديثة، كالمدن الجديدة أو الأحياء المصنفة ضمن الأحياء المستدامة، حيث بدأ إدماج أنظمة تصريف حديثة، واعتماد ما يعرف بالبنية التحتية الخضراء؛ مثل الأحواض الامتصاصية والأسطح الخضراء.
ولفت الخبير في المجال البيئي والتنمية المستدامة والمناخ، إلى أن الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، والاستراتيجية الوطنية للتكيف مع التغيرات المناخية 2022، أقرتا بوجود هذه الثغرات، ودعتا إلى إعادة هندسة البنية التحتية وفق مقاربة “المناخ أولاً”.
واعتبر مدير المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والتكوينات “سنيفكو”، أن التحدي الحقيقي المطروح اليوم يظل في الانتقال من مستوى الرؤية إلى مستوى التنفيذ الفعلي على الصعيدين الجهوي والمحلي.
❖ حلول محلية
لتفادي تحول الظواهر الجوية القصوى إلى كوارث إنسانية متكررة، يشدد المصطفى العيسات على ضرورة تقليص الهشاشة المجتمعية وتعزيز القدرة على الصمود.
ويقترح في هذا السياق حزمة من الآليات العملية القابلة للتطبيق محليًا؛ في مقدمتها إعداد خرائط دقيقة للمخاطر، ودمجها بشكل إلزامي في وثائق التعمير والتخطيط.
ودعا إلى إرساء أنظمة إنذار مبكر محلية، حتى بوسائل بسيطة كالهاتف المحمول أو التطبيقات الرقمية، إلى جانب تدريب الفرق المحلية والوقاية المدنية والجمعيات على الاستجابة السريعة.
حرارة الصيف المفرطة بين تبخّر السدود وحرائق الغطاء النباتي.. فأيّ خطّ دفاع للمغرب؟
وشدد على ضرورة إيلاء أهمية خاصة للحلول القائمة على الطبيعة، مثل إعادة تأهيل الأودية والمجالات الرطبة، وإنشاء أحواض احتجاز مؤقتة خارج النسيج الحضري، وتشجيع الأسطح الخضراء في المباني.
وفي الجانب التشريعي، يشدد الخبير على ضرورة منع البناء في ممرات الأودية والمناطق المعرضة للفيضانات، وفرض معايير بناء تأخذ بعين الاعتبار إدارة مياه الأمطار، وربط التراخيص العمرانية بدراسات تأثير مناخي صارمة.
وأكد الخبير في المجال البيئي والتنمية المستدامة والمناخ، على أهمية تقوية الحوكمة والمشاركة المجتمعية، عبر إشراك المواطنين في صيانة المجاري، وضمان الشفافية في تمويل مشاريع البنية التحتية المناخية.
❖ وقاية أم كارثة
يلفت المصطفى العيسات إلى أن الفيضانات ليست كوارث طبيعية بحتة، بل تعبير عن فشل في الإدارة والتكيف، موضحًا أن المغرب يمتلك رؤى واستراتيجيات متقدمة؛ من النموذج التنموي الجديد إلى استراتيجيات التكيف المناخي، لكن الإشكال الحقيقي يكمن في التنفيذ المحلي والتمويل والرقابة.
إعلان زلزال الحوز واقعة كارثية.. ماذا يعني ذلك وماهي الآثار القانونية للقرار؟
ونبه الخبير في المجال البيئي والتنمية المستدامة والمناخ، إلى أن الكارثة فيما قد يقع في هذا الجانب؛ لا تقاس بمقدار المطر، بل بمدى هشاشة المجتمع أمام مثل هذه الأحداث.
وشدد على أن الاستثمار في الوقاية مهما بدا مكلفًا، يظل أقل كلفة إنسانيًا واقتصاديًا من دفع ثمن المآسي المتكررة الناتجة عن التأخر في تنزيل سياسات عمومية مرنة ومتكيفة مع التغيرات المناخية والبيئية.

