خلق تسجيل إصابات جديدة بفيروسات نادرة في عدد من المناطق حول العالم نقاشا متجددا بشأن قدرة الأنظمة الصحية الدولية على مواجهة التهديدات الوبائية الناشئة.
وأعاد تزايد الاهتمام العلمي والإعلامي بهذه الفيروسات طرح تساؤلات مرتبطة بسرعة انتشار العدوى وحدود فعالية وسائل الوقاية والعلاج المتاحة.
♦مخاطر الجائحة العالمية
أكد الدكتور الطيب حمضي، طبيب وباحث في السياسات والنظم الصحية، أن فيروس “هانتا” لا يرجح أن يتحول إلى الجائحة العالمية المقبلة، رغم حالة القلق التي أثارتها الإصابات المسجلة على متن السفينة السياحية، والتي ارتبطت بسلالة “الأنديز” المعروفة بكونها السلالة الوحيدة القادرة على الانتقال المحدود بين البشر عبر الرذاذ التنفسي.
وأوضح الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المعطيات العلمية الحالية تظهر أن خطر انتشار واسع النطاق لا يزال ضعيفا للغاية، لأن انتقال العدوى بين البشر يبقى هامشيا مقارنة بالانتقال الحيواني المنشأ من القوارض إلى الإنسان.
وأشار إلى أن انتقال الفيروس بين الأشخاص يتطلب ظروفا خاصة جدا، أبرزها الاحتكاك الوثيق والمطول داخل فضاءات مغلقة ذات تهوية مشتركة، كما هو الحال في الرحلات البحرية.
وأضاف أن السلطات الصحية اتخذت جميع التدابير الوقائية الضرورية على متن السفينة وخلال عمليات إجلاء الركاب، ما ساهم في الحد من احتمالات توسع العدوى.
وأبرز أن حالات الانتشار المرتبطة بالسفن السياحية غالبا ما تكون ناجمة عن “بؤر بيئية” مرتبطة بوجود قوارض مصابة داخل المخازن أو الأماكن المغلقة، وليس بسبب انتقال بشري متسلسل بين الركاب.
ولفت إلى أن الباخرة المعنية سجلت سبع إصابات، بينها حالتان مؤكدتان وخمس حالات مشتبه بها، إضافة إلى ثلاث وفيات وحالة حرجة، بينما وصفت الحالات الأخرى بالعادية.
كما رجح أن تكون الإصابتان الأوليتان مرتبطتين بإحدى محطات توقف السفينة، في وقت لا تزال فيه التحقيقات الوبائية جارية لتحديد ما إذا كان انتقال العدوى قد حدث بالفعل بين الركاب.
ونبه إلى أن التخوف الرئيسي مستقبلا لا يرتبط بالوضع الحالي، بل بإمكانية تطور الفيروس عبر طفرات تراكمية قد تمنحه قدرة أكبر على الانتشار بين البشر، مؤكدا في المقابل أن هذا السيناريو لم يتحقق حتى الآن وفق المعطيات المتوفرة.
♦خصائص الفيروس وأعراضه
أبان الدكتور الطيب حمضي أن فيروس “هانتا” ينتمي إلى فصيلة “Hantaviridae”، وأن خزانه الطبيعي يتمثل أساسا في القوارض، خصوصا الفئران والجرذان.
واسترسل بأن العدوى تنتقل غالبا عبر استنشاق رذاذ ملوث بفضلات القوارض أو من خلال ملامسة الجروح الجلدية، بينما يبقى الانتقال عبر العض نادرا.
وشدد على أن انتقال العدوى بين البشر يكاد يكون منعدما باستثناء سلالة “الأنديز”، وهي السلالة التي أثارت القلق في الواقعة الأخيرة.
وأفاد أنه رغم خطورة هذه السلالة، فانتشارها ما يزال محدودا جدا، ما يجعل احتمالات تحولها إلى تهديد عالمي واسع النطاق ضعيفة في المرحلة الحالية.
وأظهر أن أعراض الإصابة تبدأ عادة بحمى وآلام عضلية حادة تشمل الظهر والفخذين، إضافة إلى التعب والصداع، قبل أن تتطور لدى بعض الحالات إلى مضاعفات خطيرة مثل ضيق التنفس الحاد المرتبط ب”متلازمة هانتا الرئوية”، أو الفشل الكلوي الحاد المصاحب لما يعرف بالحمى النزفية.
وذهب إلى أن معدل الإماتة قد يصل إلى 50 في المائة من مجموع الإصابات وفق تقديرات الخبراء، غير أن محدودية انتقال العدوى بين البشر تقلل من خطورة هذا المؤشر مقارنة بفيروسات أكثر قدرة على الانتشار الجماعي.
وأكد أن العالم لا يتوفر حتى الآن على لقاح مرخص ضد فيروس هانتا، كما لا يوجد علاج مضاد للفيروسات مخصص له، موضحا أن التكفل بالحالات يعتمد أساسا على الرعاية الداعمة داخل أقسام الإنعاش والعناية المركزة، من خلال دعم وظائف الرئة والكلى إلى حين تجاوز المرحلة الحرجة.
ودعا إلى الالتزام بإجراءات الوقاية الشخصية، خاصة عند تنظيف الأماكن المغلقة أو التعامل مع فضلات القوارض، مشيرا إلى ضرورة تجنب كنس الفضلات وهي جافة لمنع تطاير الفيروس، واعتماد التنظيف الرطب باستعمال المطهرات السائلة مثل الكلور، مع تهوية الفضاءات المغلقة مسبقا واستعمال القفازات ووسائل الحماية المناسبة.
♦الانتشار العالمي والمغرب
استعرض الدكتور الطيب حمضي المعطيات التاريخية المرتبطة بفيروس “هانتا”، موضحا أن أوصافا لأمراض مشابهة تعود إلى حوالي سنة 1000 ميلادية، بينما تم عزل الفيروس لأول مرة سنة 1976 على يد العالم الكوري “هو وانغ لي” قرب نهر “هانتان” بكوريا الجنوبية، وهو الاسم الذي اشتق منه اسم الفيروس.
وأشار إلى أن الفيروس برز كتهديد صحي عالمي سنة 1993 بعد ظهور “متلازمة هانتا الرئوية” في منطقة “الفور كورنرز” بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما دفع الأنظمة الصحية الدولية إلى تعزيز أنظمة الرصد الوبائي الخاصة بالأمراض الحيوانية المنشأ.
وأورد أن العالم يسجل سنويا نحو 150 ألف حالة إصابة، تتركز غالبيتها في شرق آسيا، خصوصا في الصين حيث تنتشر الحمى النزفية، مقابل حوالي 200 حالة سنوية في الأمريكيتين ترتبط أساسا بمتلازمة هانتا الرئوية.
كما لفت إلى أن التغيرات المناخية وتدمير النظم البيئية يؤثران بشكل مباشر على موائل القوارض، ما يزيد من احتمالات ظهور بؤر جديدة للإصابة مستقبلا.
وجدد التأكيد على أن المغرب يتوفر على منظومة وطنية لليقظة والرصد الوبائي، إضافة إلى مختبرات مرجعية قادرة على تشخيص الحالات الوافدة والتعامل معها وفق البروتوكولات الصحية المعمول بها، معتبرا أن هذا المعطى يعزز قدرة البلاد على الاستجابة السريعة لأي طارئ صحي محتمل مرتبط بالفيروس.

