شهد محيط مخيمات تندوف والطرق الرابطة بينها وبين الولايات المجاورة حادثة اعتداء مسلح على عمال تابعين للشركة الصينية CRCC المكلفة بتنفيذ مشروع السكة الحديدية الجديدة.
وأفادت مصادر محلية أن العصابة استولت بالقوة على سيارة من نوع “طويوطا هيلكس” يوم أمس حوالي الساعة الثانية بعد الزوال، فيما تم رصد السيارة لاحقًا متجهة نحو مخيم السمارة، رغم وجود نقاط تفتيش أمنية وعسكرية في المنطقة.
ويأتي هذا الحادث في سياق حوادث سابقة طالت عمالا أجانب في المنطقة، ما يسلط الضوء على التحديات الأمنية المحيطة بالمخيمات والطرق المجاورة.
وتشير المصادر إلى أن الواقعة أعادت طرح مسألة حماية العمال المشاركين في المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية داخل المنطقة، خصوصًا في ظل الانفلات الأمني المتكرر.
الواقع الحقوقي في تندوف تحت المجهر… احتجاز قسري أم صمت دولي متواطئ؟
وتتزامن الواقعة مع تقرير لمجلس الأمن الدولي، والجلسة المزمع عقدها في أكتوبر الجاري، ما يجعل الوضع محل متابعة دولية لما له من أثر على الأمن الإقليمي واستقرار المشاريع الاقتصادية في المنطقة.
وتشير المصادر إلى أن السلطات الجزائرية تواجه صعوبات متزايدة في بسط سيطرتها على تلك المناطق، في ظل تزايد التوتر بمحاذاة الطرق المؤدية إلى المخيمات، الأمر الذي يثير تساؤلات حول فعالية إجراءات السلامة المعتمدة لحماية العاملين والمرافق الحيوية.
♦تندوف وغياب الأمن
أكد محمد سالم عبد الفتاح، رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، أن حادثة اختطاف العمال الأجانب في منطقة تندوف تمثل دليلا دامغا على فشل المنظومة الأمنية الجزائرية في فرض سيادتها على كامل ترابها، خصوصا في هذه المنطقة التي تحولت فعليًا إلى فضاء خارج القانون، يعيش على وقع قانون الغاب.
واعتبر عبد الفتاح في تصريح لجريدة “شفاف”، أن التفويض غير المشروع الذي منحته الجزائر لجبهة البوليساريو الانفصالية بإدارة شؤون تندوف المدنية والأمنية يشكل خرقا واضحا للالتزامات القانونية الدولية، ويضع الجزائر أمام مسؤولية مباشرة عن أي انتهاكات تقع فوق أراضيها.
وأوضح المتحدث أن الهجوم المسلح لا يمكن تصنيفه كحادث معزول، بل هو نتيجة طبيعية لسياسات الجزائر في التنازل عن صلاحياتها الأمنية لصالح جماعة مسلحة، ما يمهد لانفلات أمني شامل في المنطقة.
أزمة غذاء تلوح في تندوف بعد قرار واشنطن.. هل يدفع المحتجزون ثمن متاجرة البوليساريو في المساعدات؟
وشدد على أن صمت السلطات الجزائرية رغم مرور المنفذين عبر نقاط التفتيش العسكرية يعكس تواطؤًا واضحا للجيش الجزائري، ويكشف عن عجز الأجهزة الأمنية التي يطغى عليها التنافس حول الصناديق السوداء الناتجة عن نشاطات التهريب وتجارة الممنوعات داخل المخيمات.
وذهب رئيس المرصد إلى أن السلطات الجزائرية تدرك تماما أن المخيمات تقع ضمن حدودها السيادية، وأن مسؤولية الأمن تقع حصريا على الجيش والدرك، إلا أن التواطؤ السياسي مع قيادة البوليساريو جعل النظام الجزائري يلتزم الصمت، حفاظا على سرديته الدعائية حول تندوف كمنطقة “لاجئين”، رغم تحولها إلى ملاذ مسلح خارج القانون الدولي.
♦التزامات دولية مهملة
يرى عبد الفتاح أن استمرار المجتمع الدولي في غض الطرف عن الوضع الشاذ في تندوف يثير تساؤلات جدية حول مصداقية المنظومة الأممية في حماية حقوق الإنسان واللاجئين.
وأشار إلى أن الجزائر تتخلى عمليا عن التزاماتها القانونية تجاه اللاجئين المقيمين داخل أراضيها، وتسمح لميليشيا انفصالية بإدارة شؤون مدنية وأمنية في خرق صارخ لمبدأ السيادة والمسؤولية الدولية للدولة المضيفة.
ونبه إلى أن الأموال والمساعدات الإنسانية الموجهة للمخيمات تُوظف غالبا لدعم الجهود العسكرية والتهريب، بدل أن تصل إلى المستحقين، مما يستدعي تحركا عاجلًا من الأمم المتحدة لإعادة فرض الإشراف المباشر للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وإجراء إحصاء رسمي للسكان وفق المعايير الدولية المعمول بها في مناطق اللجوء.
وأبان المحلل السياسي أن هذا الإجراء ضروري لضمان أن تصل المساعدات إلى مستحقيها، ولوقف استغلال الموارد الإنسانية لأغراض عسكرية وسياسية.
وشدد عبد الفتاح على أن الوضع الحالي يمثل فراغا قانونيا وأمنيا في قلب الصحراء الكبرى، غير بعيد عن بؤر التوتر في منطقة الساحل، ما يجعل المخيمات بيئة خصبة لتلاقي شبكات التهريب والجريمة المنظمة والجماعات المتطرفة، مع ما لذلك من تداعيات مباشرة على الأمن الإقليمي.
♦مخاطر مستقبلية محتملة
كشف رئيس المرصد أن تزايد السخط الشعبي داخل المخيمات واحتقان السكان تجاه قيادة البوليساريو المتورطة في النهب الممنهج للمساعدات الإنسانية، يجعل الوضع مرشحا لانفجار داخلي قد يتحول إلى تمرد مفتوح.
ولفت المتحدث إلى أن هذا السيناريو سيكون له تداعيات خطيرة على الأمن في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، وقد يشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الدولي.
ودعا عبد الفتاح إلى ضرورة تدخل عاجل لإعادة الوضع القانوني لتندوف تحت السيادة الفعلية للدولة الجزائرية، وفق القوانين الدولية، لإيقاف الانفلات الأمني والمخاطر المستقبلية على السكان المدنيين والعاملين الأجانب.
وشدد على أن استمرار الوضع الراهن لا يمثل عبئًا سياسيًا على الجزائر فحسب، بل يشكل تهديدًا للأمن الإقليمي والدولي، مما يستدعي حراكًا دوليًا منظمًا لإعادة فرض القانون وتحقيق الاستقرار.
منشقون عن البوليساريو : الجبهة تمر بأزمة غير مسبوقة و تقترب من الاستسلام غير المعلن
وخلص عبد الفتاح إلى أن الحل الأمثل يكمن في الالتزام بالمعايير الدولية، وإعادة الرقابة المباشرة على المخيمات، وتفعيل آليات حماية السكان واللاجئين، لضمان عدم تحول تندوف إلى بؤرة عنف مفتوحة تؤثر على استقرار المنطقة بأسرها.

