هزّت قضية اعتداءات جنسية استهدفت فتيات قاصرات في إقليم بولمان الرأي العام الوطني، بعدما كشفت معطيات تحصلت عنها فعاليات مدنية وحقوقية عن تورط شخصيات يُفترض فيها حماية المجتمع، بينها عنصر دركي وفلاح، في استغلال القاصرات داخل منزل مخصص للدعارة بمركز جماعة كيكو (التابعة للنفوذ الترابي لإقليم بولمان).
وتفجرت القضية بعد شكاية تقدمت بها عائلة إحدى الضحايا، كما أشارت بعض الهيئات الحقوقية عن امتناع أسرٍ أخرى عن التبليغ خوفًا من الفضيحة، ومع ارتفاع عدد المعتقلين البالغ عددهم حتى الآن ثمانية (8) واستمرار التحقيقات، تتعالى الأصوات المطالبة بالصرامة القانونية وعدم إفلات المتورطين من العقاب، ما يثير تساؤلات حول حجم الظاهرة، والمسؤولية الجماعية في التصدي لمثل هذه الجرائم.
التحقيق في استغلال قاصرات بـ”كيكو” يسفر عن توقيف ثمانية متهمين
♦ تفشي الظاهرة وأبرز الأسباب
أبرزت فاطمة عريف، رئيسة جمعية “صوت الطفل”، أن قضية استغلال الفتيات القاصرات، خصوصًا في المناطق النائية، تعد من أخطر الظواهر التي تهدد المجتمع، لافتة إلى أن هناك عدة عوامل تُسهم في انتشارها، وعلى رأسها الفقر والهشاشة الاجتماعية، وغياب الوعي والرقابة الأسرية، بالإضافة إلى ضعف الإطار القانوني الرادع لهذه الجرائم.
وذكرت عريف في تصريح لجريدة “شفاف”، أنها بصفتها رئيسة لجمعية “صوت الطفل”، تؤكد أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الأسر، متسائلة عن أسباب عدم ملاحظة الأهل للتغييرات في سلوك بناتهم، وكذا إذا كنّ يحصلن على أموال أو هدايا مجهولة المصدر، لافتة إلى أن هذا الإهمال يفتح المجال لاستغلال الطفلات من قبل شبكات الإجرام التي تستهدف الفئات الأكثر ضعفًا.
مركز حقوقي يطالب بإصدار أقصى العقوبات في حق المتورطين بقضية الاستغلال الجنسي لتلميذات ببولمان
فيما يتعلق بالقضية الأخيرة في جماعة كيكو، قالت عريف إن المعلومات المتوفرة لديهم تفيد بأن الفتيات كن يتعرضن لاستغلال جنسي من قبل شبكة منظمة تعمل بوساطة أشخاص متورطين في استدراجهن.
وأوضحت أن الوساطة في هذه الأفعال الشنيعة جريمة بحد ذاتها، لأنها توفر الغطاء القانوني واللوجستي لمنتهكي براءة الأطفال، مبرزا أن الفتيات في هذه الحالة لا يُعرف إن كنّ تعرضن للابتزاز والاستغلال في ظروف مأساوية.
وشددت رئيسة جمعية “صوت الطفل”، على أن هذه القضية تدق ناقوس الخطر بشأن الحماية المفترضة للطفلات، حيث إن المدرسة كان يفترض أن تكون المكان الطبيعي لهن، لا أوكار الاستغلال التي تعرضن فيها لاعتداءات جنسية.
♦ من يتحمل المسؤولية؟
ترى فاطمة عريف أن المسؤولية مشتركة وتتحملها عدة أطراف؛ وفي مقدمتها الأسرة، موضحة أن الأهل هم خط الدفاع الأول للأطفال والقاصرين، وعدم مراقبتهم لأبنائهم يعرضهم لمخاطر كبيرة.
وأكدت المتحدث ذاتها، أنه كان من الواجب على السلطات الأمنية والمحلية بالمنطقة المذكورة؛ القيام برقابة صارمة على الأماكن المشبوهة التي تستغل القاصرات، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في هذا الجانب.
وأشارت أيضا إلى أنه من غير المقبول أن تكون هناك مؤسسات تعليمية لا تهتم بمراقبة سلوك تلميذاتها ولا تقدم لهن الدعم النفسي والاجتماعي اللازم، مطالبة بتوفير مستشارين اجتماعيين ونفسيين داخل المدارس لرصد أي علامات استغلال أو خطر يهدد الأطفال.
السجن 30 سنة لمغتصب تلميذات بالبيضاء.. هل استجاب القضاء لمطلب تشديد الأحكام في جرائم اغتصاب الأطفال؟
وتابعت أن دورهم كمنظمات حقوقية هو توعية الأسر والمجتمع بخطورة هذه الظاهرة، والضغط على الجهات المختصة لاتخاذ إجراءات رادعة، مشددة على الحاجة إلى مراجعة جذرية لدور المؤسسات التعليمية في حماية الأطفال.
ونادت بضرورة تخصيص برامج توعوية داخل المدارس، إضافة إلى تعيين مرشدين اجتماعيين لمرافقة التلاميذ وتقديم الدعم النفسي لمن تعرض منهم لأي شكل من أشكال العنف أو الاستغلال، وتفعيل دور جمعيات الآباء ومراقبة سلوك التلميذات داخل وخارج المؤسسة.
♦ الإجراءات المطلوبة
تشير فاطمة عريف إلى أهمية إنشاء مراكز استماع متخصصة للأطفال ضحايا العنف والاستغلال، وتوفير دعم نفسي وقانوني للفتيات اللاتي كنّ ضحايا لهاته الاعتداءات، وإنشاء محاكم مختصة بالنظر في قضايا العنف ضد الأطفال، وضمان محاسبة الجناة بأقصى العقوبات.
ودعت رئيسة جمعية “صوت الطفل” إلى تكوين فرق متخصصة في التحقيق مع الأطفال الضحايا بطريقة لا تؤثر على حالتهم النفسية، مؤكدة على ضرورة تشديد العقوبات على المغتصبين والمعتدين جنسيًا.
ونبهت لأهمية أن تكون هناك أحكام رادعة تمنع تكرار مثل هذه الجرائم، داعية إلى مراجعة القوانين لضمان تقديم العلاج النفسي الإجباري للمجرمين المتورطين في الاعتداءات الجنسية، موضحة أن أغلبهم يعانون من اضطرابات نفسية تدفعهم لإعادة ارتكاب مثل هاته الجرائم.
واقعة مراكش.. شبكات الاتجار بالبشر تستغل براءة الأطفال فمن يتحمل مسؤولية حماية الطفولة؟
وأبرزت أن التعامل مع القاصرات اللواتي تعرضن للاستغلال يحتاج إلى منهجية شاملة تشمل تقديم الدعم النفسي والاجتماعي لهن من خلال جلسات علاجية متخصصة، والعمل على إعادة إدماجهن في المجتمع بطريقة تحفظ كرامتهن وتمنع عنهن الوصم الاجتماعي، وحمايتهن قانونيًا من أي ضغوط أو محاولات لتبرئة الجناة تحت أي مبرر.
واعتبرت أن هذه القضية ليست مجرد حادثة فردية، بل تعكس أزمة مجتمعية تحتاج إلى حلول جذرية، مؤكدة أنه على الجميع، من الأسرة إلى الدولة، تحمل مسؤولياتهم لضمان بيئة آمنة للأطفال، مبرزة أن المجتمع الذي لا يحمي أطفاله هو مجتمع يحكم على نفسه بالانهيار الأخلاقي والقيمي.

