أدى تراجع المعارضة عن تقديم ملتمس الرقابة من أجل إحراج أو إسقاط الحكومة إلى طرح تساؤلات عديدة عن الأسباب الكامنة وراء ذلك ومدى أهميته وإمكانية تفعيله مستقبلا، وذلك بعد إعلان حزب العدالة والتنمية عن موقفه الرافض لهذه الخطوة، وتصريح قادة الأحزاب الثلاثة الأخرى (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية) بعدم مشاركتهم أو تأجيلهم لأمر لجوئهم لاستخدام هذه الآلية الدستورية.
“البيجيدي” يقرر عدم المشاركة في تقديم ملتمس الرقابة ويعلن ترشيح رئيس مجموعته لرئاسة مجلس النواب
♦ أسباب التراجع عن تقديم ملتمس الرقابة
أبرز بلال التليدي، الكاتب والمحلل السياسي، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن ملتمس الرقابة في التاريخ المغربي لم يتم تقديمه إلا في الحالات التي شهدت فيها بلادنا زخما سياسيا كبيرا، مثلما كان عليه الحال مع أحزاب الكتلة الديمقراطية التي كانت في المعارضة (الاتحاد الاشتراكي، الاستقلال، التقدم والاشتراكية، منظمة العمل الديمقراطي الشعبي) في ماي 1990 ضد حكومة عز الدين العراقي، وهو ما تزامن مع إعلان الملك الحسن الثاني عن أن دخول المغرب في مرحلة “السكتة القلبية” أي وجود أزمة سياسية تحتاج إلى تغيير حقيقي.
وأضاف أن الملك الحسن الثاني أعطى مؤشرات قبل إقدام المعارضة وقتها على تقديم هذا الملتمس؛ على وجود رغبة لدى الدولة في التغيير وبدء مسار سياسي جديد، مشيرا إلى أن الشروط السياسية والاقتصادية والدينامية الحزبية الموجودة وقتها ساعدت أحزاب الكتلة الديمقراطية على الإقدام على هذه الخطوة.
وأوضح أنه على عكس المحاولتين السابقتين في 1965 و1990، لا توجد اليوم الشروط الكفيلة بإنجاح هذه الخطوة لأسباب عديدة أبرزها عدم وجود معارضة موحدة؛ لوجود خلاف كبير بين حزبي الاتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية؛ أو بالأحرى بين إدريس لشكر، الكاتب الأول لـ”الوردة”، وعبد الإله بنكيران، الأمين العام لـ”المصباح”، مشيرا إلى التنسيق بين الطرفين يبقى متعذرًا.
وتابع أن التفاهم الذي وقع بين حزبي الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية لم يتضمن فكرة التقدم بملتمس الرقابة، الذي انفرد لشكر بالإعلان عنه لوحده دون العودة لحزب “الكتاب”، مشيرا إلى أن الكاتب الأول لـ”الوردة” استبق الأمور قبل أخذه لموافقة باقي أطراف المعارضة، وهو ما انتبهت له الأطراف الثلاث الأخرى (أحزاب العدالة والتنمية؛ والحركة الشعبية؛ والتقدم والاشتراكية).
ولفت إلى أن الأحزاب الثلاثة الأخرى أدركت ضمنيا أن الهدف من تقديم ملتمس الرقابة لم يكن ترتيب الأثر السياسية عليه من كون أن المعارضة تريد إسقاط الحكومة، بقدر ما كانت الغاية منه محاولة ممارسة لشكر لنوع من الابتزاز السياسي بمناسبة الحديث عن تعديل حكومي بدأت تبرز جليا مؤشرات واضحة على قربه، لافتا إلى أنه هناك رغبة وفق ما يظهر لدى حزب “الوردة” للمشاركة في الحكومة.
وأوضح الكاتب والمحلل السياسي أن ملتمس الرقابة ليس خيارًا سياسيا سهلا وفيه كثير من المغامرة، لأن نجاحه يعني حدوث تغيير كبير في سياسة البلاد، أما في حالة فشله فسيؤدي ذلك إلى تأثر المعارضة وتراجع دورها أكثر، مبرزا أن هذا الأمر تنبهت له الأحزاب الثلاثة الأخرى وأدركت أن لشكر يسعى فقط لترتيب أثر سياسي خاص وفئوي بالنسبة له كشخص، والذي يتمثل في إيجاد موطئ قدم له داخل حكومة عزيز أخنوش.
♦ آثار فشل تقديم ملتمس الرقابة على “الوردة”
يشير التليدي إلى أنه مع إشارة المجلس الأعلى للحسابات لوجود حالة من الريع الذي استفاد منه منتسبون للحزب بمن فيهم ابن لشكر، حيث ذكر أن الأخير استفاد ومن معه من مبالغ مالية مهمة تصل لقرابة 200 مليون سنتيم، بمبرر إنجاز دراسات لفائدة الحزب، وحدوث هذا الفشل في التقدم بملتمس الرقابة؛ كلها أمور ستصب في ترتيب آثار أخرى داخلية بالنسبة لـ”الوردة” تتجلى في أن المقصلة السياسية ستدور حول عنق الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي.
وأردف أن الحراك الداخلي لحزب الاتحاد الاشتراكي الذي ظهر خلال الأسابيع الماضية والرافض لسياسات لشكر سيتقوى أكثر لا محالة من هذا الفشل، ويستغل ما وقع لمحاولة الإطاحة بزعيم “الوردة”؛ وهو ما يمكن أن يحدث في حالة استمرار انفضاض عديد الأطراف في الحزب من حوله، مشيرا إلى أن الشهور القادمة قد تكون حبلى بالأحداث في هذا الجانب.
♦ إمكانية التقدم بالملتمس خلال الولاية التشريعية الحالية
يوضح التليدي أن التقدم بملتمس الرقابة يرتبط بالمنطق العددي الذي لا يتوفر حاليا لدى المعارضة، والتي يقل عدد أعضائها بمجلس النواب عن الثلث، فيما يتطلب نجاح هذه المبادرة تصويت الأغلبية المطلقة، مشيرا إلى أن إسقاط الحكومة خلال الظرفية الحالية أمر يبقى بعيد المنال، في ظل وجود استقرار في مختلف المجالات، وعدم توفر الشروط اللازمة من أجل تحريك هذه الآلية الدستورية.
وأضاف الكاتب والمحلل السياسي، أن الآلية العرفية التي أصبحت لدى المغرب منذ 2011 سمحت بتفادي وقوع أي أزمة سياسية، والتي تتجلى في أن الملك يبادر كل ما ظهر له وجود ضعف جزئي أو كلي في قطاع وزاري ما للمطالبة بإحداث تعديل حكومي من شأنه إعطاء نفس جديد لعمل الحكومة وتجويد أدائها، لافتا إلى أن هذه الأخيرة ستكمل ولايتها إلى غاية 2026.
واستطرد أنه خلال هذه الظرفية التي تشهد تقلبات عديدة على مستوى العالم من الصعب القبول بحدوث أزمة سياسية ببلادنا من خلال التوجه لانتخابات سابقة لأوانها، مشيرا إلى أن بنكيران حينما فشل في 2016 بتشكيل الحكومة؛ قام الملك وفق سياسته الرشيدة بتعيين الرجل الثاني وقتها بحزب العدالة والتنمية؛ ألا وهو سعد الدين العثماني من أجل القيام بهذه العملية؛ مجنبا المغرب بذلك الذهاب للمرة الثانية للاستحقاقات الانتخابية.
وشدد على أن وضع المملكة اليوم على المستوى الإستراتيجي غير مأزوم، وأن الحكومة الحالية ما عليها غير القيام بأدوارها العادية المعروفة بعيدا عن أي اجتهاد سلبي، لافتا إلى المغرب ليس في صالحه الوقوع في أزمة سياسية، والتي من شأنها إفقاده مكانته كمحور جذب استثماري قوي ومنافسا لكبرى الدول في هذا الجانب، وكذلك إحداث تراجع في التصنيفات الدولية الخاصة بالاستقرار السياسي، الذي سيؤدي لا محالة لهروب رؤوس الأموال من بلادنا ويؤثر على الاقتصاد الوطني.

