يواجه قطاع الصيدلة في المغرب تحديات متصاعدة تعكس اختلالات عميقة في نموذجه الاقتصادي والتنظيمي، وسط تصاعد الجدل حول مستقبل المهنة.
ويثير ملف فتح رأسمال الصيدليات مخاوف واسعة لدى المهنيين، الذين يعتبرونه تهديدا لاستقلالية الصيدلي ولجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وفي المقابل، تتزايد الضغوط المرتبطة بضعف هامش الربح وارتفاع التكاليف، ما يضع آلاف الصيدليات أمام صعوبات حقيقية، ويجعل إصلاح القطاع أولوية ملحة لضمان التوازن بين البعد الصحي والاستدامة الاقتصادية.
♦رفض منطق فتح رأسمال الصيدليات
رأى أمين بوزوبع، الكاتب العام لكونفدرالية نقابات صيادلة المغرب، أن الإصلاح الحقيقي لقطاع الصيدليات لا يمكن اختزاله في فتح رأسمالها أمام المستثمرين، موضحا أن هذا التوجه يقوم على تحويل الصيدليات إلى مشاريع كبرى خاضعة لمنطق “البيغ فارما”، وهو ما يعتبره حلا خاطئا وخطيرا.
وقال بوزوبع، في تصريح لجريدة “شفاف”، إن أي إصلاح جدي لقطاع الصيدليات يجب أن يرتكز أساسا على مراجعة نموذجها الاقتصادي، مبرزا تساؤلات جوهرية تتعلق بملكية الصيدلية وطبيعة الخدمات التي يفترض أن تقدمها للمواطن.
وحذر من أن التوجه الحالي قد يفضي إلى إقصاء الصيدليات الصغيرة، معتبرا أن ذلك يشكل تهديدا مباشرا للمنظومة الصحية، نظرا لما قد يترتب عنه من تراجع في مبدأ القرب من المواطن.
وأورد أن توصيات مجلس المنافسة لم تأت بجديد، بل اكتفت بتجميع مقترحات إصلاحية سبق أن قدمها المهنيون في مذكرة سابقة، ليتم لاحقا تمريرها في صيغة توصيات موجهة للمستثمر، مضيفا أن الأمر لا يعدو كونه “benchmarking” لمجموعة من الأفكار القائمة.
♦نحو نموذج صيدلية خدماتية بدل تجارية
كشف بوزوبع أن البديل الحقيقي يتمثل في إعادة تعريف وظيفة الصيدلية، بحيث لا تبقى مجرد فضاء لبيع الأدوية، بل تتحول إلى فاعل صحي يقدم خدمات موازية، داعيا في هذا السياق إلى إحداث نموذج “صيدلية مرجعية” أو صيدلية شاملة، يدخل إليها المواطن فلا يكتفي باقتناء الدواء، بل يتلقى نصائح طبية، وتتبعا أوليا لحالته الصحية، إضافة إلى خدمات وقائية.
واعتبر أن هذا النموذج يتطلب مراجعة شاملة للقوانين المنظمة للقطاع، إلى جانب توفر إرادة سياسية واضحة من أجل تمكين الصيدليات من أداء أدوارها الصحية، بدل حصرها في الجانب التجاري.
وأشار إلى مفارقة وصفها ب”الغريبة”، حيث يروج لمفهوم الدولة الاجتماعية والتغطية الصحية الشاملة، في الوقت الذي يتم فيه تهميش دور الصيدلي، رغم كونه الأقرب إلى المواطن من الناحية الصحية، والأكثر حضورا في حياته اليومية.
♦الصيدلية كفاعل صحي ميداني
أبان أمين بوزوبع أن المغرب يتوفر على حوالي 14 ألف صيدلية، معتبرا أنها تمثل شبكة صحية ضخمة يمكن أن تعادل 14 ألف “مستشفى صغير” إذا ما تم توظيفها بشكل صحيح.
وضرب المتحدث مثالا بتجربة فرنسا، حيث يشارك الصيدلي في برامج وطنية كبرى، مثل التلقيح، ويضطلع بأدوار صحية موسعة مقابل تعويضات محددة، ما يساهم في تحسين التوازن الاقتصادي للصيدليات وتوسيع نطاق الخدمات الصحية.
وأبرز أن إدماج خدمات مثل التلقيح والفحوصات السريعة، كما حدث خلال جائحة كورونا، كان من شأنه مضاعفة عدد المستفيدين ثلاث مرات وتحقيق نتائج صحية أفضل.
وأكد أن الصيدلي يقوم فعليا بأدوار اجتماعية وصحية مهمة، وأحيانا بشكل مجاني، ما يعزز ضرورة تطوير النموذج الحالي بدل الاتجاه نحو تحرير الرأسمال، مشددا على أن الصيدليات المستقلة يجب أن تدعم لا أن تضعف، باعتبارها ركيزة أساسية في تقريب الخدمات الصحية من المواطنين.
وجزم بأن تطوير هذا النموذج كفيل بتحقيق مكاسب متكاملة، تتمثل في تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطن، وتخفيف الضغط عن المؤسسات الاستشفائية بالنسبة للدولة، إلى جانب تعزيز المهنية داخل القطاع.
واعتبر أن ما صدر عن مجلس المنافسة لا يحمل جديدا، بل هو مجرد تجميع لمقاربات قائمة، داعيا إلى تنزيل إصلاح حقيقي من شأنه أن يجعل الصيدلية المغربية أكثر قوة وتفوقا، حتى مقارنة ببعض النماذج الأجنبية.
♦الولوج للعلاج قبل كل شيء
وفي السياق ذاته، أكد لكبير هشام صيدلاني بوجدة ونائب رئيس كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب، أن النقاش حول إصلاح قطاع الدواء يجب أن ينطلق من المبدأ الأساسي المتمثل في ضمان ولوج المريض إلى العلاج، معتبرا أن هذا هو الهدف الحقيقي والجوهري من مشروع تحديد أثمنة الأدوية، وليس أي اعتبار آخر خارج هذا الإطار.
وأوضح لكبير في تصريح لجريدة “شفاف”، أن أكثر من 80% من الأدوية المتداولة في السوق الوطنية يقل سعرها عن 300 درهم، فيما تصل نسبة الأدوية التي يقل ثمنها عن 200 درهم إلى حوالي 90%، وهو ما يعكس – حسب قوله – أن منظومة التسعير الحالية لا تقوم على الارتفاع المفرط كما يتم الترويج له.
وأضاف المتحدث أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يهدف إلى تعزيز العدالة العلاجية وتيسير الوصول إلى الدواء، مبرزا أن النقاش حول الأسعار لا ينبغي أن يفهم بمعزل عن الهدف الاجتماعي للصحة العمومية.
وتابع على أن أي سياسة عمومية في هذا المجال يجب أن تقاس بمدى قدرتها على تحسين الولوج الفعلي للعلاج وليس فقط بمؤشرات الربح أو هوامش الفاعلين، معتبرا أن المسألة المركزية اليوم هي كيفية تحقيق التوازن بين استدامة المنظومة الصحية وضمان قدرة المواطنين على تحمل تكلفة العلاج، في إطار إصلاح جذري يضع المريض في قلب الأولويات.
ولفت إلى أن هذا التوجه الإصلاحي، في جوهره، يهدف إلى إزالة العوائق أمام العلاج، مردفا أن أي قراءة خارج هذا الإطار تفقد الإصلاح معناه الحقيقي، وتحوله إلى نقاش تقني منفصل عن البعد الاجتماعي والصحي الذي تأسست عليه السياسات العمومية في هذا المجال.
♦أرقام تكشف اختلالات بنيوية
انتقل هشام لكبير إلى ملف التعويضات المرتبطة بصناديق التأمين، معتمدا على معطيات صادرة عن مؤسسات دستورية، وفي مقدمتها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي يرأسه رضا الشامي، مشيرا إلى أن هذه التقارير تحمل معطيات بالغة الأهمية يجب أخذها بعين الاعتبار قبل إصدار أي أحكام على القطاع.
وأظهر أن المعطيات الرسمية تفيد بأن حوالي 95% من تعويضات صناديق التأمين تمر عبر المصحات الخاصة، وهو رقم اعتبره دالا على وجود اختلال بنيوي في توزيع النفقات الصحية.
كما ذهب إلى أن حوالي 80% من التعويضات المرتبطة ببعض الأنظمة تمر عبر المصحات الخاصة، بينما تصل النسبة في نظام آخر إلى 95%، وفي نظام ثالث إلى حوالي 40%، مع تسجيل أن هذه الأخيرة لا تتجه بشكل كبير نحو المصحات العمومية.
وشدد أن هذه الأرقام تكشف عن معضلة حقيقية مرتبطة بطريقة تدبير النفقات الصحية واستعمال موارد التأمين، مردفا أن جزءا كبيرا من الاستنزاف المالي للصناديق يعود إلى اختلالات في توجيه التعويضات، كما طرح تساؤلات حول سبب تجاهل هذه المعطيات البنيوية في النقاش العمومي، مقابل التركيز على حلقات مهنية محددة.
وحث على أن أي إصلاح جدي يجب أن يمر عبر معالجة هذه الاختلالات بشكل مباشر، وليس عبر تحميل مسؤوليات غير متوازنة لفاعلين بعينهم، مبرزا أن الهدف يجب أن يكون هو تحسين نجاعة المنظومة ككل وضمان استدامة التمويل الصحي في إطار رؤية اجتماعية شاملة.
♦الصيدليات الحلقة الأضعف في منظومة معقدة
اعتبر هشام لكبير أن الصيدليات تمثل الحلقة الأضعف داخل منظومة دوائية معقدة، مؤكدا أنها تتحمل ضغطا كبيرا في ظل توسع نفوذ فاعلين اقتصاديين كبار داخل القطاع، وموضحا أن الصيدلي يشتغل ضمن إطار قانوني مضبوط يتعلق بقنوات صرف الأدوية، لكنه يواجه في المقابل ممارسات غير قانونية أو غير مضبوطة في بعض الأحيان، دون توفر آليات صارمة للزجر والرقابة.
وانتقد ما اعتبره ضعفا في تدخل المؤسسات المعنية في ضبط السوق، مشيرا إلى أن غياب تفعيل فعلي للأدوار الرقابية يؤدي إلى اختلالات على مستوى تطبيق القانون، مضيفا أن بعض الممارسات غير المشروعة في السوق الدوائية تمر دون معالجة حقيقية، ما ينعكس سلبا على توازن المنظومة بأكملها.
وفي سياق متصل، تطرق المتحدث إلى دور مجلس المنافسة، مبرزا أنه مؤسسة دستورية يفترض أن تضبط آليات السوق وتحارب كل أشكال الإخلال بالمنافسة الشريفة، بما في ذلك الاتفاقات غير المشروعة بين الفاعلين الاقتصاديين أو حالات الهيمنة على السوق، موضحا أن هذه المؤسسة يفترض أن تتدخل في حالات التركيز الاقتصادي عندما تؤدي عمليات الاندماج أو الاستحواذ إلى المساس بالمنافسة.
وأفاد أن بعض التوجهات الحالية في معالجة ملف الصيدلة، خاصة ما يتعلق بفتح رأسمال الصيدليات، قد تثير إشكالات مرتبطة بتكريس هيمنة اقتصادية جديدة بدل تحقيق منافسة حقيقية، مبينا أن دخول رؤوس أموال كبيرة إلى القطاع قد يؤدي إلى سيطرة فاعلين محدودين على الشبكات الصيدلانية، ما يهدد التوازن الحالي للمنظومة.
♦إشكال النموذج الاقتصادي
توقف هشام لكبير عند البعد الصناعي للقطاع، مشيرا إلى أن السوق الدوائية الوطنية تقدر بحوالي 25.6 مليار درهم، منها ما بين 11 و12 مليار درهم مرتبطة بالأدوية المستوردة، وهو ما اعتبره عنصرا أساسيا في تفسير عدد من الإشكالات الحالية.
وأكد أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن ينجح دون تطوير الصناعة الدوائية الوطنية، باعتبارها ركيزة أساسية لضمان السيادة الصحية وتقليص التبعية للاستيراد، معتبرا أن الاستمرار في الاعتماد على نفس البنية الحالية لن يسمح بتحقيق أهداف التغطية الصحية الشاملة، رغم أهميتها الاستراتيجية.
كما استهجن بعض المقارنات الدولية، خصوصا تلك التي تتم بين المغرب وفرنسا، معتبرا أنها مقارنات غير دقيقة نظرا لاختلاف الأنظمة الصحية والاقتصادية بين البلدين، مردفا أن الصيدلي في فرنسا، على سبيل المثال، يستفيد من مداخيل متعددة تشمل خدمات صحية إضافية مثل التلقيح والاستشارات والمتابعة، في حين يقتصر دوره في المغرب أساسا على بيع الدواء ضمن هامش ربح محدد يخضع للضرائب وتكاليف التشغيل.
ونبه أيضا إلى اختلاف شروط التوزيع والتنظيم، حيث توجد في فرنسا معايير صارمة مرتبطة بعدد الصيدليات لكل عدد من السكان، مقابل غياب ضوابط مماثلة بشكل دقيق في السياق المغربي، وهو ما يجعل المقارنة – حسب تعبيره – غير متكافئة.
وخلص إلى أن النقاش حول القطاع يجب أن يتم بمنطق واقعي وصريح، بعيدا عن التبسيط أو التعميم، مع ضرورة الاعتراف بتعقيد المنظومة وتشابك مصالحها، مشددا على أن أي إصلاح يجب أن يضع المريض في صلب الأولويات، لأن أي اختلال في المنظومة ستكون كلفته النهائية على المواطن، سواء من حيث الولوج إلى العلاج أو القدرة على تحمل تكاليفه.

