خلّف انهيار عمارتين سكنيتين بحي المستقبل بمدينة فاس حصيلة ثقيلة، بعد تسجيل 22 وفاة و16 مصابًا بجروح متفاوتة الخطورة، وفق ما أكدته السلطات المحلية.
ووقع الحادث ليلة الثلاثاء – الأربعاء، إثر انهيار بنايتين متجاورتين تتكون كل منهما من أربعة طوابق وتقطنهما ثماني أسر، ضمن نطاق المنطقة الحضرية المسيرة.
وأوضحت السلطات أن المصابين نُقلوا إلى المركز الاستشفائي الجامعي بفاس لتلقي الفحوصات والعلاجات الضرورية، في وقت تواصل فيه فرق الإنقاذ عمليات البحث عن أشخاص يُحتمل وجودهم تحت الأنقاض.
بأمر من النيابة العامة.. فتح تحقيق عاجل لكشف ملابسات فاجعة انهيار عمارتين بفاس
وفي سياق مواز، أمرت النيابة العامة بفاس بفتح بحث قضائي فوري في ملابسات الحادث، تتولاه الشرطة القضائية تحت إشرافها المباشر، بهدف تحديد المسؤوليات والوقوف على الأسباب الحقيقية للانهيار.
♦تقييم الوضع الراهن
يقدّم المستشار الجماعي وعضو فريق التقدم والاشتراكية بمقاطعة جنان الورد علي لقصب، توضيحا أوليا حول موقفه من حادث انهيار العمارتين بمدينة فاس، مؤكدًا منذ البداية أن حجم الفاجعة يتجاوز منطق توجيه الاتهامات أو الركون إلى تحميل المسؤوليات في لحظة الألم.
ويشرح لقصب في تصريح لجريد “شفاف”، أن حصيلة 22 وفاة و16 إصابة تجعل من الصعب إصدار أحكام آنية، لأن “المصاب يتجاوز القدرة على أن تُحمَّل المسؤولية لجهة واحدة”.
ويشدّد على أن المسؤولية في نظره مشتركة، باعتبارها مسؤولية وزارة الوصاية، والمجالس المنتخبة، والبرلمانيين الذين لم يمارسوا دورهم في الترافع، وهو ما نبهوا إليه مرارًا طوال السنوات الماضية.
ويوضح أن التعاطي مع الموضوع لا يجب أن يكون من موقع الخصومة السياسية ولا من باب تسجيل النقاط، بل من موقع إنساني وأخلاقي، معتبرا أن ترتيب المسؤوليات لن يكون ممكنًا إلا بعد توقف العدّاد النهائي للضحايا.
ويذهب إلى أن تحميل المسؤولية في هذه الظرفية يظل مسألة معقّدة لا يمكن حسمها بانفعال، لأن التساؤلات المطروحة ترتبط بجهات مختلفة، منها مستشار لا يملك صلاحيات تنفيذية مباشرة، ومنها رئيس جماعة بقيت ميزانيتها غير منفذة لمدة ثلاث سنوات.
ويشير إلى أن توجيه اللوم نحو طرف محدد في لحظة الصدمة يشكّل مجانبة للإنصاف، لأن هذا التسرع قد يحول النقاش إلى “بوز” سياسي، بدل أن يكون تحليلا موضوعيا يستند إلى معطيات دقيقة وقراءة هادئة للواقع.
ويتساءل لقصب عن الجهات التي سمحت ببناء هذه العمارات قبل عشرين وثلاثين سنة، أو تلك التي أقيمت حديثًا دون احترام المعايير، مشيرا إلى غياب الرقابة ورصد الخروقات، ومؤكدا أن هذا البناء لم يكن مطابقا للمعايير وأن المسؤول الحقيقي هو من سمح له بالبروز منذ البداية.
وينبه إلى أن هذا النوع من البناء العشوائي أو غير المطابق للمعايير ليس معزولا، بل هو جزء من وضع عام تعاني منه مدينة فاس، حيث توجد آلاف المنازل الآيلة للسقوط، وهو أمر سبق أن أثبته المختبر العمومي للتجارب والدراسات عبر تصنيف العديد منها ضمن درجات الخطر الثلاث.
حصيلة جديدة لفاجعة فاس .. 19 قتيلا و 16 جريحا في حادث انهيار عمارتين
♦معالجة ملابسات الانهيار
يشرح علي لقصب، بناءً على المعاينات الأولية، أن أسباب الانهيار تتعلق مباشرة بعدم احترام معايير البناء، وأن البناية تبدو أقرب إلى بناء غير منضبط للمعايير التقنية، مشيرا إلى أن هذا الواقع ليس جديدا، بل هو أزمة مدينة بأكملها، لأن مختلف الأحياء تحتوي على منازل مهددة، بالآلاف وليس بالعشرات.
ويذكّر بالحادث الذي وقع في حي الحسني قبل ثلاثة أشهر، حين انهارت منازل وأودت بحياة 11 شخصا، وهو ما سبق أن دفعهم للمطالبة ببرنامج استعجالي يتجاوز قدرات الجماعة والمقاطعة، ومشددا على أن رئيس الجماعة أو أي منتخب محلي، حتى لو أراد، لا يملك القدرة والإمكانيات لإيواء السكان أو معالجة أصل الأزمة.
ويفسّر أن المسؤولية هنا تعود إلى الحكومة ووزارة التجهيز والإسكان، لأنها الجهات المخوّلة قانونيا وماليا لإطلاق برنامج وطني يعالج وضع البنايات الهشة، خصوصا أن جزءا كبيرا من هذه البنايات لم يخضع للمراقبة منذ سنوات، ومؤكدا أن تحميل المسؤولية لرئيس جماعة أو مستشار فقط لأنهم منتخبون هو تبسيط مخلّ، لأن المشكل بنيوي وليس وليد اللحظة، ولا يمكن لطرف واحد أن يتحمل وزره.
فاجعة بفاس ..9 قتلى و 15جريحا كحصلية أولية لحادث انهيار عمارتين بمقاطعة زواغة
ويؤكد أن السلطات المحلية قامت بما يجب القيام به مباشرة بعد الحادث، حيث انعقدت لجنة اليقظة تحت إشراف الوالي، وشاركت فيها السلطات الأمنية والوقاية المدنية والمنتخبون.
وبين أن التدخلات الميدانية تمت كما يجب: إسعاف المصابين، نقلهم إلى المستشفى، إصدار تعليمات للتكفل بهم، والعمل على إيواء المتضررين، ومشيرا إلى أن الإجراءات العملية العميقة لم تنطلق بعد، لأن الوضع ما زال في مرحلة “المعالجة الفورية”، وأن “الأمور الملموسة” لا تزال في بدايتها.
ويحث المتحدث كذلك على ضرورة فحص البنايات الملاصقة لموقع الانهيار، موضحا أن المؤسسات المختصة ستقيّم ما إذا كان الانهيار قد خلف تأثيرا بنيويا عليها، خصوصا أن الانهيار الأول أدى إلى سقوط بناية ثانية، ومضيفا أن هذا العمل يدخل ضمن حماية السكان المتبقين في المنطقة، وأن المختبر العمومي والأجهزة التقنية سيباشرون التقييمات وفق المساطر المعمول بها.
ويردف أنه استنادا لما عاينه شخصيا، فإن “كل ما يجب القيام به في إطار الأزمة قد تم فعليًا”، بمشاركة السلطات والمنتخبين والأمن والوقاية المدنية والقوة المساعدة والمجتمع المدني والمواطنين.
♦ضرورة معالجة الخلل البنيوي
ينبّه علي لقصب بوضوح إلى أن استمرار التعامل مع هذه الحوادث بمنطق ردود الفعل لن يغير شيئا، لأنه لا يمكن البقاء “في حالة تعبئة دائمة” فقط بعد وقوع الكارثة.
ويرى أن المطلوب هو إطلاق حل عملي وحقيقي يجنب تكرار مثل هذه الفواجع، باعتبار أن الأمر لا يخص حيا واحدا ولا عمارة واحدة، بل يهمّ مدينة كاملة تعاني منذ سنوات.
ويشير إلى أن المعارضة سبق أن نبهت إلى خطورة الوضع في عدة مناسبات، وأن المجتمع المدني بدوره دق ناقوس الخطر، كما طرحت مكونات الأغلبية نفسها أسئلة برلمانية حول الملف.
ويؤكد أن المشكلة ليست جديدة ولا مفاجئة، بل هي معروفة لدى الجميع منذ سنوات طويلة، ما يجعل من غير المجدي البحث عن كبش فداء أو طرف واحد لتحميله المسؤولية في لحظة الصدمة.
ويدعو إلى قول الحقيقة كما هي: فالمشكل الحقيقي ليس في مستشار أو رئيس جماعة، بل في غياب برنامج وطني استعجالي واسع النطاق يعالج أوضاع البنايات الآيلة للسقوط بمدينة فاس.
ويشدد على أن الدولة، عبر القطاعات الحكومية المعنية، مطالبة بإطلاق مخطط شامل يوقف النزيف ويمنع تكرار مثل هذه المآسي، لأن هذا الوضع تجاوز حدود قدرة الجماعات الترابية والمنتخبين المحليين.
ويخلص إلى أن معالجة جذور الأزمة هي السبيل الوحيد لتفادي فواجع جديدة، وأن التعامل مع الملف يجب أن يكون جديا وشاملا، وليس ردّ فعل ظرفيا.

