تشهد البلاد في الآونة الأخيرة تصاعدًا مقلقًا في معدلات الجريمة، خاصة في المدن الكبرى، حيث برزت حوادث متكررة للسرقة والاعتداء بالسلاح الأبيض، أثارت موجة من الاستياء والقلق وسط الرأي العام.
ورغم تدخلات الأجهزة الأمنية وتكثيف الحملات التمشيطية، فإن وتيرة هذه الأفعال الإجرامية لا تزال في ارتفاع، ما يطرح تساؤلات حول أسباب هذا التصاعد السريع.
وهذا الواقع يعيد إلى الواجهة الحاجة إلى مقاربة شمولية تتجاوز الحلول الأمنية الظرفية، نحو تدخلات تستهدف جذور الظاهرة، عبر سياسات اجتماعية واقتصادية دامجة، قادرة على إعادة بناء الثقة وتعزيز الأمن النفسي والمجتمعي للمواطنين.
♦دراما تُغذي العنف
أكدت الأخصائية الاجتماعية والباحثة في علم النفس الاجتماعي بشرى المرابطي، أن تصاعد مظاهر العنف الذي شهده الشارع المغربي خلال شهر رمضان وما بعده، لا يمكن فصله عن السياق الإعلامي الذي ساهم بشكل مباشر في تغذية هذه الظاهرة.
واعتبرت بشرى المرابطي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المسلسلات التلفزيونية التي بثت في تلك الفترة، وعلى رأسها عمل درامي عُرض على القناة الثانية، كانت حاملة لرسائل صريحة ومضمرة تمجد العنف، وتمنح للمجرم مكانة رمزية واجتماعية، بشكل يكرّس الانحراف كخيار مقبول أو حتى مشروع في المخيال الجمعي.
وأوضحت الأخصائية، أن تقارير رسمية صادرة عن النيابة العامة رصدت بالفعل تزايدًا لافتًا في وتيرة العنف خلال شهر رمضان، وهو ما استمر حتى بعد انتهائه، مضيفة أن النمط المتكرر لهذه الأعمال العنيفة، سواء في استعمال الأسلحة البيضاء أو في الطابع الاستعراضي لطريقة الاعتداء، بالإضافة إلى مشاركة رجال ونساء في تنفيذها، يعكس بوضوح ما تم تقديمه في المسلسل المذكور، الذي حظي بنسب مشاهدة عالية، خاصة في صفوف فئات عمرية حساسة. مشيرة إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بتشابه سطحي، بل بتمثل فعلي وتمثل خطير للممارسات التي جرى تطبيعها دراميًا.
♦تمجيد العنف دراميًا
وتابعت المتحدثة أن هذه النتائج لم تفاجئها، لأنها شخصيًا تابعت حلقات المسلسل الرمضاني الذي اعتُبر من الناحية الفنية عملًا متقنًا، سواء من حيث السيناريو أو الإخراج أو أداء الممثلين، غير أن الخلل، بحسبها، يكمن في الحمولة العنيفة التي حملتها هذه السلسلة.
وأضافت أن المسلسل اعتمد مشاهد عنف متكررة وشديدة التأثير، وجعل من شخصية المجرم بطلًا مركزيًا، يحظى باحترام داخل القصة، ويُنظر إليه بإعجاب من طرف باقي الشخصيات، بل ويتحول إلى مرجعية أخلاقية أو رمزية، وهو ما يُعد خطرًا بالغًا على المتلقي، خصوصًا عند المراهقين والشباب الباحثين عن نماذج يحتذون بها.
وأبرزت الأخصائية أن ما جرى هو تطبيع تدريجي مع العنف، ليس من خلال مشهد واحد، بل عبر بناء درامي محكم يمنح للمجرم مساحة واسعة من التعاطف والتبرير والتمجيد، دون أن تكون هناك محاسبة قانونية داخل القصة، أو حتى إشارة إلى حضور الدولة ومؤسساتها، خاصة الأمن والقضاء.
♦التكرار والسلوك العنيف
ولفتت المتحدثة إلى أن الرسالة التي خرج بها المتلقي، سواء بوعي أو بدونه، هي أن العنف طريق لتحقيق الذات، وأن الرد على الظلم لا يكون بالقانون، بل بالقوة الفردية، ما يعيد إنتاج منطق “السيبة” ويهدد أسس العيش المشترك في المجتمع.
وأكدت المرابطي أن هذه الرسائل لم تتوقف عند حدود الشاشة، بل انعكست على أرض الواقع، حيث سُجلت اعتداءات مشابهة لما تم بثه في المسلسل، من حيث نوعية الأسلحة، وطبيعة الضحايا، ووضعيات التصوير، وحتى النمط الخطابي للمعتدين.
وقالت إن هذه التفاصيل الدقيقة لا يمكن أن تكون وليدة الصدفة، بل تعكس ما تسميه الأبحاث النفسية “الاستثارة السلوكية بالتكرار”، أي أن مشاهدة مشاهد العنف بشكل متواصل تخلق قابلية أكبر لدى الفرد لارتكاب الفعل نفسه، خصوصًا في حالات الهشاشة النفسية أو الانفعالية أو الاجتماعية.
وفي هذا الصدد، استشهدت المرابطي بدراسات علمية متعددة أظهرت أن التكرار البصري لمشاهد العنف يؤدي إلى تبلد الحساسية تجاه المعاناة، ويفتح الباب أمام تمثل العنف كخيار مقبول.
وأوضحت أن الفئات الأكثر عرضة لهذا التأثير هم الأفراد الذين يعانون من اضطرابات في الهوية أو من خصائص نفسية معينة، مثل النزعة السيكوباتية أو الاستعراضية أو الذين يعانون من فراغ اجتماعي وقيمي، معتبرة أن الخطورة لا تكمن في العمل الدرامي كمنتوج فني، بل في غياب التوازن، والاعتماد المفرط على الإثارة دون ضوابط أخلاقية أو تربوية.
♦رقابة إعلامية غائبة
وانتقدت الأخصائية الاجتماعية غياب دور لجان المراقبة والأخلاقيات داخل القناة الثانية، التي رخصت لعرض هذا العمل، بل وروجت له بشكل مكثف دون أن تأخذ بعين الاعتبار التحذيرات الصادرة عن نقاد ومهنيين منذ الأسابيع الأولى لعرضه، والتي نبهت إلى خطورة المضامين العنيفة التي يحتويها.
وشددت على أن المسلسل لم يخضع لرقابة حقيقية، لا من حيث السيناريو ولا من حيث المعالجة، بل حظي بدعم وترويج قد يكونان قد فهما خطأ من طرف فئة واسعة على أنهما تزكية رسمية لرسائله، خاصة في ظل غياب المضمون البديل داخل البرمجة الرمضانية.
وانتقدت المتحدثة بشدة النهاية التي اختارها صانعو المسلسل، والتي خلت من أي معالجة قانونية أو تربوية، معتبرة أنها نهاية مفتوحة على احتمالات سلبية، وتكرّس العنف كوسيلة لتحقيق الغايات، دون مساءلة أو تأمل في التبعات.
وقالت إن هذه النهاية شكلت القشة التي قسمت ظهر المعنى، إذ أنها لم تفتح أي أفق إصلاحي أو توعوي، بل ضاعفت من أثر التماثل مع العنف لدى المشاهد، وكرّست صورة البطل الخارج عن القانون كرمز للنجاح.
♦بدائل تربوية ضرورية
وفي سياق الحديث عن العلاقة بين الوضع الاقتصادي وارتفاع العنف، أكدت المرابطي أن الربط المباشر بين الفقر والإجرام لا تؤيده الأدبيات العلمية. موضحة أن أغلب الفقراء يلجؤون إلى وسائل عيش بسيطة، ويعتمدون على شبكات اجتماعية محدودة لتأمين ضروريات الحياة، ولا يلجؤون إلى العنف إلا في حالات استثنائية.
واعتبرت أن المجرم لا يولد من الهشاشة الاقتصادية فقط، بل من غياب التأطير القيمي والأسري، ومن ضعف الوازع الأخلاقي والتربوي، مشيرة إلى أن بعض المتورطين في جرائم العنف ينتمون إلى طبقات غير فقيرة، ما يؤكد أن المسألة أعمق من مجرد معطى مادي.
وأضافت أن الهشاشة قد تكون عاملًا مساعدًا في بعض السياقات، لكنها لا تكفي لتفسير الظاهرة، مشيرة إلى أن عوامل أخرى مثل تعاطي المخدرات، الإدمان على العوالم الرقمية، والرغبة في تحقيق شهرة سريعة عبر محتوى عنيف، أصبحت محفزات أقوى لدى فئة من الشباب، خصوصًا في ظل ضعف البدائل الثقافية والتربوية، وغياب القدوة الإيجابية في الإنتاج الإعلامي العمومي.
وأمام هذه الوضعية، شددت المرابطي على أن المقاربة القانونية تبقى ضرورية، نظرًا لتفاقم الأضرار الجسدية والنفسية التي تخلفها جرائم العنف، لكنها ليست كافية وحدها.
♦تفعيل دور المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري
أكدت المرابطي على ضرورة مرافقتها بسياسات ثقافية وتربوية صارمة، أولها مراقبة الإنتاجات الفنية المعروضة على القنوات العمومية، ومساءلة الشركات المنتجة عن المضمون، ومراجعة العقود التي تربطها بالمؤسسات الإعلامية، وفرض آليات تقييم دقيقة قبل البث.
كما دعت إلى تفعيل دور المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري، باعتباره الجهة المسؤولة عن ضبط المشهد الإعلامي، مشيرة إلى أنه مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بفرض احترام المعايير الأخلاقية فيما يُعرض، لا سيما أن الجمهور المغربي أصبح أكثر وعيًا بمضامين ما يُبث، وأكثر جرأة في مساءلة المؤسسات عن دورها في تشكيل الوعي الجمعي.
وشددت بشرى المرابطي في نهاية تصريحها على أهمية الدور الوقائي للأسرة، مؤكدة أن الحوار الصريح والمفتوح بين الآباء وأبنائهم حول المحتوى الإعلامي هو الوسيلة الأنجع لمواجهة أثر هذه الرسائل.
ودعت إلى بناء ثقافة حوارية داخل الأسر، تقوم على تفسير المحتوى وتفكيكه، وتنمية الحس النقدي لدى الأطفال والمراهقين، وتقديم بدائل قائمة على احترام الذات، والمسؤولية، والانتماء إلى مجتمع تحكمه قيم القانون، لا منطق القوة أو الغلبة.

