يشهد سوق اللحوم الحمراء في المغرب استمرارًا لافتًا للغلاء، رغم انتهاء الذروة الموسمية التي تمتد عادة من فترة الصيف إلى ما بعد موسم الحج وعودة الجالية، وهي المرحلة التي تعرف أقوى مستويات الطلب، فرغم الإجراءات الحكومية وخروج البلاد نسبيًا من الأزمة المرتبطة بنقص المواشي، خصوصًا بعد إحصاء 32.8 مليون رأس من القطيع الوطني، لم تتراجع الأسعار كما كان يُنتظر، فيما بقيت نقاط البيع في حالة استقرار شبه تام عند مستويات مرتفعة، تتراوح ما بين 80 و120 درهما للكيلوغرام الواحد حسب الأصناف والجودة، وهو ما أثار انشغالاً واسعاً لدى المستهلكين الذين يترقبون انفراجًا لم يتحقق حتى الآن.
وفي المقابل، تتعدد العوامل التي يقدمها الفاعلون المهنيون لتفسير هذا الوضع، بين أثر الجفاف وارتفاع الأعلاف وتراجع المربين التقليديين، وبين دور الاستيراد في خلق توازن نسبي دون القدرة على خفض الأسعار، وبين هذه المعطيات المتداخلة، يبرز سؤال غير معلن حول ما إذا كانت التقلبات المناخية وحدها كافية لتبرير استمرار الغلاء، أم أن السوق بصدد تشكل جديد يعيد صياغة علاقة العرض بالطلب، وعن كفاية التدابير الحكومية الحالية لإعادة التوازن، أم أن القادم قد يحمل سيناريوهات مختلفة وفق ما ستسفر عنه الشهور المطيرة المقبلة.
❖ تراجع القطيع
يربط هشام الجوابري، الكاتب الجهوي لتجار اللحوم بالجملة والمجازر الحضرية بالدار البيضاء، استمرار ارتفاع الأسعار رغم وفرة القطيع المعلن عنها حكوميًًا بتراجع القطيع المحلي الحقيقي منذ سنة 2017، إذ يقدر هذا الانخفاض بأكثر من 30%.
وأشار الجوابري في تصريح لجريدة “شفاف”، إلى أن هذا التراجع البنيوي مسَّ أساسًا المربين الصغار والمتوسطين، ممن لم يعودوا قادرين على تحمل الكلفة اليومية لتغذية ماشيتهم بسبب غلاء الأعلاف.
وأردف أن سبع سنوات من الجفاف المتتالي أدت إلى إضعاف قاعدة الإنتاج التقليدية، حيث دفع غياب المراعي المربين إلى بيع جزء كبير من ماشيتهم للذبح بدل الاستمرار في دورة الإنتاج الطبيعية.
تراجع القطيع الوطني للماشية بـ38%.. هل يمكن أن يؤثر انخفاض أعداد المواشي على إحياء شعيرة عيد الأضحى؟
وأوضح الكاتب الجهوي لتجار اللحوم بالجملة والمجازر الحضرية بالدار البيضاء، أنه ترتب عن ذلك انخفاض لافت في وفرة الأبقار الموجهة للتسمين في السوق، مقابل توسع دور المستثمرين الكبار لاستدراك النقص.
واستطرد أن تراجع عدد المزارع الصغيرة المتخصصة في تربية البقر والغنم جعل السوق أكثر هشاشة أمام أي ضغط موسمي، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار، رغم المؤشرات الرسمية حول وفرة القطيع الوطني.
❖ ضغط الطلب
يشير الجوابري إلى أن الطلب المرتفع على اللحوم الحمراء يظل دائمًا هو العامل الحاسم في بقاء الأسعار في مستويات عالية، رغم استيراد بلادنا لآلاف الرؤوس من العجول.
وأوضح أن الفترة الممتدة من شتنبر الماضي إلى دجنبر القادم وحدها ستعرف دخول ما يقارب 150 ألف رأس من الأبقار المستوردة، خصوصًا من البرازيل، غير أن أثر هذه العملية على الأسعار يبقى محدودًا بسبب قوة الطلب الداخلي.
صراع الأغلبية والمعارضة في البرلمان.. قراءة في خلفيات الاشتباك السياسي حول دعم المواشي
وأشار إلى أن عددًا من محلات البيع بالتقسيط لا تستورد اللحوم البرازيلية، وتفضل الاعتماد على اللحوم المحلية والإسبانية الأعلى كلفة، وهو ما يحافظ على مستويات أسعار تتجاوز 100 و110 و120 درهمًا في بعض النقاط التجارية.
وبينما بدأت أسعار الجملة في الانخفاض بشكل تدريجي، يؤكد الجوابري أن هذا التراجع لا يزال غير كافٍ لإحداث انفراج واضح لدى المستهلك؛ خاصة أن ارتفاع الكلفة العالمية للأعلاف والأسعار الدولية للحوم يجعل تقليص هامش البيع مسألة صعبة.
❖ أثر الاستيراد
يوضح الجوابري أن الاستيراد لعب دورًا أساسيًا في منع الأسعار من الارتفاع الحاد، إذ تتراوح أسعار الجملة للعجول البرازيلية والأوروغوايانية بين 65 و80 درهمًا للكيلوغرام.
وأضاف أن هذا المستوى السعري مكّن من توفير بدائل أقل تكلفة في السوق، مقارنة باللحوم المحلية أو الإسبانية التي يتراوح سعرها بين 88 و92 درهما للكيلوغرام الواحد بسوق الجملة.
وتابع الكاتب الجهوي لتجار اللحوم بالجملة والمجازر الحضرية بالدار البيضاء، أنه رغم ذلك، تبقى الاستفادة غير متوازنة بين الجملة والتقسيط، حيث يقل هامش الربح لدى تجار الجملة مقابل ارتفاعه لدى بعض محلات البيع بالتقسيط.
وأبرز الجوابري أن جزءًا من المستوردين والمستثمرين الكبار أصبحوا يتحكمون في وتيرة العرض، وهو ما يقلل من قدرة الفلاحين التقليديين على العودة إلى السوق.
ولفت إلى أن الاستيراد رغم أهميته، لا يعالج جذور الإشكال، لأن استمرار غلاء الأعلاف وندرة المراعي يجعل عودة دورة الإنتاج الطبيعية رهينة بتحسن الظروف المناخية وبقدرة المربين على إعادة بناء قطعانهم.
❖ تكلفة الأعلاف
يعتبر الجوابري أن ارتفاع كلفة الأعلاف يشكل أحد أقوى العوامل الضاغطة على الأسعار، إذ ارتفعت تكلفة تغذية رأس واحدة من الماشية إلى مستويات غير مسبوقة، ما جعل المربين عاجزين عن الاستمرار في تربيتها.
وأشار الكاتب الجهوي لتجار اللحوم بالجملة والمجازر الحضرية بالدار البيضاء، إلى أن تغذية بقرة واحدة تكلف يوميًا حوالي 50 درهمًا، أي ما يقارب 1500 درهم شهريًا، بينما تتطلب النعجة (أنثى الخروف) حوالي 10 دراهم في اليوم (ألف درهم في الشهر).
وأبرز أن هذا العبء المالي دفع فئة واسعة من المربين إلى التخلي عن جزء كبير من ماشيتهم، وتوجيهها مباشرة نحو الذبح، وهو ما قلص حجم القطيع المحلي المخصص للتسمين.
ثورة خضراء بقطاع المواشي.. كيف يقود الملك إنعاش الثروة الحيوانية لضمان سيادة المغرب الغذائية؟
وأوضح الكاتب الجهوي لتجار اللحوم بالجملة والمجازر الحضرية بالدار البيضاء، أن برامج دعم الأعلاف بدأت مؤخرًا فقط، لكنها لا تزال غير كافية لتغيير ميزان التكلفة بالنسبة للفلاحين الصغار.
ووفق الجوابري، فإن استدامة إنتاج اللحوم الحمراء تستلزم تخفيضًا مضطردًا في تكلفة الأعلاف، وتطوير بدائل محلية قادرة على خفض الضغط على المستورد، وإعادة المربين التقليديين إلى الدورة الإنتاجية.
❖ بنية السوق
يرى الجوابري أن التحولات التي عاشها قطاع اللحوم الحمراء في السنوات الأخيرة أدت إلى إعادة تشكيل بنيته، إذ تراجع دور المربي التقليدي الذي كان يملك عددًا محدودًا من الأبقار أو الأغنام، وحل محله المستثمرون الكبار والمستوردون.
واعتبر أن هذه الفئة الجديدة تشتغل بمنطق تجاري محض، قائم على الربحية، عكس المربين التقليديين الذين كانوا يساهمون في خلق وفرة طبيعية في العرض دون ضغط كبير على الأسعار.
نزار بركة يقر بفشل سياسات الحكومة في ضبط أسعار اللحوم والأضاحي.. هل يتصدع التحالف الثلاثي؟
وأردف الكاتب الجهوي لتجار اللحوم بالجملة والمجازر الحضرية بالدار البيضاء، أن هذا التغير البنيوي جعل السوق أقل مرونة وأكثر تأثرًا بالعوامل الخارجية؛ مثل الجفاف وأسعار الأعلاف والتقلبات الدولية.
وأشار المهني في مجال اللحوم إلى أن ضعف القاعدة الإنتاجية المحلية ساهم في إبقاء الأسعار ضمن مستويات مرتفعة، رغم توفر الاستيراد كآلية معتمدة في هذا الجانب لتقليص الفجوة.
وأضاف أن اختفاء جزء كبير من المربين التقليديين أدى إلى انخفاض الولادات وتراجع دورة الإنتاج، ما جعل السوق يعتمد بشكل أكبر على العرض المستورد الذي يصعب أن يحقق توازنًا طويل الأمد دون دعم الإنتاج الوطني.
❖ سيناريو المطر
يربط الجوابري مستقبل الأسعار مباشرة بالموسم المطري المقبل، حيث يؤكد أن التساقطات سيكون لها تأثير مزدوج على السوق، مشيرًا إلى أنه إذا كانت الأمطار جيدة، سيحتفظ المربون بماشيتهم لفترة أطول، لأن الكلأ يصبح متوفرًا ومجانيًا تقريبًا من خلال المراعي الطبيعية المفتوحة، ما يؤدي إلى انخفاض العرض مؤقتًا وارتفاع خفيف في الأسعار.
وأضاف الكاتب الجهوي لتجار اللحوم بالجملة والمجازر الحضرية بالدار البيضاء، أنه على المدى المتوسط، ينعكس توفر الكلأ إيجابًا على صحة الماشية وتكاثرها، ويحفز المربين على توسيع قطعانهم، ما يؤدي إلى وفرة في الإنتاج وانخفاض الأسعار تدريجيًا.
وهذا السيناريو وفق الجوابري، هو الأفضل للقطاع لأنه يسمح بإعادة بناء القطيع الوطني بشكل طبيعي، مبرزًا أنه إذا استمر الجفاف لا قدر الله؛ فستعود السوق إلى وضعية الضغط نفسها، وسيتجه المربون مجددًا إلى بيع قطعانهم بسبب عدم القدرة على شراء الأعلاف، وهو ما يعيد إنتاج الأزمة، ويجعل الأسعار عرضة لارتفاعات جديدة.

