مع اقتراب عيد الأضحى، تتصاعد مخاوف المغاربة من موجة غلاء غير مسبوقة في أسعار الأضاحي، في ظل استمرار ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء التي بلغت مستويات قياسية، ما يهدد القدرة الشرائية لشرائح واسعة من الأسر، ويعيد إلى الواجهة النقاش حول نجاعة السياسات الحكومية في ضبط السوق.
وفي المقابل، يبرز حاليًا استيراد الأغنام من الخارج، خاصة من إسبانيا، في محاولة لاحتواء الأزمة وتخفيف الضغط على القطيع الوطني المتضرر من الجفاف وغلاء الأعلاف، غير أن هذه الخطوة تثير تساؤلات حول جدواها الحقيقية في كبح الأسعار، وسط سياق دولي مضطرب يزيد من تعقيد المعادلة.
❖ لا استيراد
ينفي محمد جبلي، رئيس الفيدرالية المغربية للفاعلين في قطاع المواشي، بشكل قاطع كل المعطيات التي راجت بشأن استيراد الأغنام خلال الموسم الحالي، مؤكدًا أن الأضاحي المعروضة خلال عيد الأضحى المرتقب ستكون من القطيع الوطني حصرًا، دون أي لجوء إلى الاستيراد.
وشدد جبلي في تصريح لجريدة “شفاف”، على أن ما تم تداوله عبر بعض المنصات الرقمية بشأن دخول شحنات من الأغنام إلى السوق الوطنية لا يعدو أن يكون معطيات مغلوطة لا تستند إلى أي أساس واقعي.
واستدل على ذلك بما تم تداوله من مقاطع فيديو تظهر شاحنات محملة بالأغنام، موضحًا أن هذه المشاهد قديمة ولا تعكس الوضع الحالي، حيث إن طبيعة الغطاء النباتي الظاهر في تلك المقاطع لا يتوافق مع الوضع المناخي الراهن الذي يعرف انتعاشًا نسبيًا بفعل التساقطات المطرية.
ويرى رئيس الفيدرالية المغربية للفاعلين في قطاع المواشي، أن إعادة نشر مثل هذه المواد والصور يندرج ضمن تضليل الرأي العام وإثارة البلبلة في ظرفية حساسة.
وأضاف أن قرار وقف الاستيراد تم اتخاذه منذ شهر شتنبر من السنة الماضية، ما يعني أن السوق الوطنية تعتمد حاليًا بشكل كامل على الإنتاج المحلي، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الفاعلين في القطاع لضمان تزويد الأسواق بالكميات الكافية، رغم الإكراهات المرتبطة بتراجع القطيع خلال السنوات الأخيرة.
❖ أرقام القطيع
فيما يتعلق بحجم القطيع الوطني، يدعو جبلي إلى الاعتماد على المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الفلاحة، باعتبارها المرجع الأساسي في تحديد الأرقام الدقيقة، مشيرًا إلى أن الأرقام المتداولة أحيانا تكون تقريبية أو غير محينة.
وأكد رئيس الفيدرالية المغربية للفاعلين في قطاع المواشي، على أن الإحصاء الرسمي الأخير يظل الأداة الأكثر مصداقية لتقييم وضعية القطيع في بلادنا.
وأبرز أن المعطيات الرسمية تفيد بأن عدد رؤوس الأغنام بالمغرب يفوق 23 مليون رأس، منها أزيد من 16 مليون من الإناث، وهو ما يعكس أهمية هذا الصنف في ضمان استمرارية الإنتاج وتكاثر القطيع.
بين رهانات الأمن الغذائي وتحديات الاستدامة.. هل يكفي الإحصاء ودعم الدولة لإنقاذ القطيع الوطني؟
واشار إلى أن هذه الأرقام تندرج ضمن إحصاء شامل بلغ فيه مجموع الماشية أزيد من 32 مليون رأس، ما يعكس الحجم الكبير للقطاع رغم التحديات.
ولمح إلى أن هذه الأرقام رغم أهميتها، لا تعكس بالضرورة وفرة مريحة في السوق، بالنظر إلى التراجع الذي شهده القطيع خلال السنوات الماضية بفعل توالي مواسم الجفاف وارتفاع تكاليف التربية، ما يجعل التوازن بين العرض والطلب مسألة دقيقة ومعقدة.
❖ تأثير دولي
يؤكد جبلي أن التوترات الجيوسياسية الدولية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب الارتفاع المتواصل في أسعار المحروقات، سيكون لها تأثير مباشر على قطاع المواشي، وإن كان هذا التأثير لن يظهر بشكل فوري، بل سيتأخر لأسابيع أو أشهر قبل أن ينعكس بشكل ملموس على الأسعار.
وشرح أن كلفة النقل تشكل عنصرًا أساسيًا في تحديد أسعار المواشي واللحوم؛ سواءً تعلق الأمر بالاستيراد أو حتى بالنقل الداخلي، إذ إن ارتفاع أسعار الوقود يؤدي بشكل تلقائي إلى زيادة تكاليف الشحن، خاصة بالنسبة للواردات القادمة من دول بعيدة مثل البرازيل، التي تعد من أبرز مزودي السوق المغربية بالأبقار.
وأردف أن هذه الزيادات في الكلفة اللوجستية، إلى جانب ارتفاع الأسعار في بلدان المنشأ، ستنعكس حتمًا على السوق الوطنية، حيث من المتوقع أن تصل الشحنات الجديدة بأسعار أعلى بعد فترة تتراوح بين شهر وشهرين، ما يعني أن موجة الغلاء مرشحة للاستمرار وربما التصاعد خلال المرحلة المقبلة.
❖ منحى الأسعار
يرى جبلي أن الأسعار الحالية مرشحة لمزيد من الارتفاع؛ سواءً بالنسبة للحوم الحمراء أو الأضاحي، في ظل تداخل عدة عوامل داخلية وخارجية.
ونبه إلى أن ارتفاع الأسعار في الدول المصدرة، إلى جانب زيادة تكاليف النقل، يؤدي بشكل أوتوماتيكي إلى ارتفاع الأسعار عند وصول المنتجات إلى السوق المحلية.
غلاء اللحوم الحمراء رغم وفرة القطيع.. اختلال ظرفي أم تحول بنيوي؟
وأكد على أن هذا الارتفاع لا يقتصر على الأغنام فقط، بل يشمل أيضًا لحوم الأبقار، التي تعرف بدورها ضغوطًا تصاعدية في الأسعار، ما يضع المستهلك أمام وضعية صعبة تتسم بتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
وأبرز أن تحديد حجم الزيادة بدقة يبقى أمرًا صعبًا في الظرفية الحالية، غير أن المؤشرات العامة توحي بأن الأسعار ستواصل منحاها التصاعدي؛ خاصة مع استمرار العوامل الضاغطة دون مؤشرات واضحة على انفراج قريب.
❖ إعادة القطيع
فيما يخص الحلول الاستراتيجية، يشدد جبلي على أن التحدي الأكبر الذي يواجه القطاع حاليًا يتمثل في إعادة بناء القطيع الوطني، بعد الخسائر التي تكبدها خلال السنوات الماضية.
وأكد رئيس الفيدرالية المغربية للفاعلين في قطاع المواشي، على أن هذه العملية تتطلب وقتًا وجهودًا متواصلة، ولا يمكن تحقيق نتائجها في المدى القصير.
أزمة الأعلاف والسيادة الغذائية بالمغرب.. أي مستقبل للإنتاج الحيواني؟
وأشار إلى أن التوجيهات الملكية الرامية إلى إعادة تشكيل القطيع شكلت دفعة مهمة في هذا الاتجاه، حيث تم إطلاق برامج دعم موجهة للمربين، خاصة في قطاع الأغنام، بهدف مساعدتهم على استعادة نشاطهم وتحفيزهم على الاستثمار مجدداً في التربية.
ويعول جبلي أيضًا على تحسن الظروف المناخية، خاصة مع تسجيل تساقطات مطرية مهمة خلال الموسم الحالي، معتبرًا أن استمرار هذه الدينامية لعدة سنوات سيمكن من استرجاع التوازن في القطيع الوطني، وتحقيق الاكتفاء الذاتي تدريجيًا، بما يساهم في استقرار الأسعار وضمان استدامة القطاع.

