في عملية وصفت بأنها إحدى أضخم الضربات الموجهة لشبكات التهريب عبر المحيط الأطلسي، تمكن تعاون استخباراتي دولي، كان المغرب في قلبه، من إسقاط القاطرة البحرية “سكاي وايت” محملة بثلاثة أطنان من الكوكايين قادمة من أمريكا الجنوبية، حيث شاركت في هذه العملية كل من إسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والبرتغال، وجرت في المياه الدولية غرب جزر الكناري، وأظهرت قدرة عالية على التنسيق العملياتي وتبادل المعلومات في التوقيت الحاسم، ما أدى إلى شل واحدة من أكثر المسارات البحرية نشاطًا في تجارة المخدرات العالمية.
غير أن هذا النجاح الأمني يثير جملة من الأسئلة حول دلالاته الجيوسياسية ومستقبله، في ظل تصاعد التهديدات المرتبطة بـ”الطريق الأطلسي” للتهريب، وتنامي الحاجة إلى تحالفات أمنية أوسع؛ ما يطرح معه فرضيات حول إن كان يشكل هذا الإنجاز تحولًا في موقع المغرب كفاعل إقليمي في أمن الملاحة الأطلسية، وعن الكيفية التي يمكن أن يؤثر عبرها على حسابات شبكات التهريب التي اعتادت الإفلات من الرقابة، وكذا حدود هذا التعاون الدولي في ظل توازنات معقدة بين الشركاء الأطلسيين.
#OperacionesGC | #GuardiaCivil y Servicio de #VigilanciaAduanera han interceptado en aguas internacionales al oeste de Canarias un remolcador con 3.000 kilos de cocaína ocultos en 80 fardos.
▶️ Detenidos sus cinco tripulantes (cuatro de Bangladesh y uno de Venezuela).
▶️ La… pic.twitter.com/jZc49DUvnN
— Guardia Civil (@guardiacivil) August 13, 2025
❖ تموقع استراتيجي
يرى محمد شقير، الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية، أن انخراط المغرب في عملية إسقاط القاطرة البحرية “سكاي وايت” لم يكن خطوة معزولة أو طارئة، بل نتيجة موقعه المحوري في خريطة التهريب الدولي للمخدرات.
وأوضح شقير في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذه الخريطة تتقاطع فيها مصالح وتدخلات منظمات وعصابات منظمة، تمتلك إمكانيات مالية ولوجستية وعسكرية ضخمة، وتبحث دائمًا عن طرق آمنة لتمرير شحناتها.
وأردف الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية، أن المغرب بحكم موقعه الجغرافي بين ثلاث قارات -أوروبا وإفريقيا وأمريكا- يوجد في قلب هذه المعادلة الجغرافية والأمنية.
وأبرز أنه مع اعتماد شبكات التهريب بشكل متزايد على “الطريق الأطلسي” كمسار رئيسي لتمرير المخدرات من أمريكا الجنوبية نحو أوروبا، أصبح اندماج المغرب في جهود مكافحتها أمرًا حتميًا.
وأشار المتحدث ذاته، إلى أن العملية التي انتهت باعتراض “سكاي وايت” لم تبدأ قبل أيام من تنفيذها، بل كانت ثمرة متابعة استخباراتية دامت أكثر من عام كامل.
واستطرد أن هذه الفترة شهدت عمليات رصد دقيقة لتحركات السفينة، وجمع شامل للمعطيات، إلى أن تبلور القرار المشترك بين المغرب والولايات المتحدة وإسبانيا بتنفيذ عملية الاعتراض، خاصة أن مسار القاطرة كان قريبًا من جزر الكناري، التي تشكل نقطة حساسة في خرائط التهريب البحري.
❖ تعاون متعدد الأطراف
يؤكد شقير أن عملية “سكاي وايت” لم تكن مجرد تدخل أمني، بل نموذجًا متقدمًا للتعاون الاستخباراتي الدولي، مبرزًا أن المغرب الذي راكم خبرة واسعة في مكافحة الإرهاب، وظف جزءًا كبيرًا من قدراته الاستخباراتية في ميدان مكافحة الجريمة المنظمة، ضمن شبكة تنسيق شملت شركاء أوروبيين وأطلسيين.
وتابع أن هذا التعاون، الذي جمع أجهزة أمنية وجمركية من عدة دول، يعكس وعيًا مشتركًا بأن التهديدات العابرة للحدود؛ سواءً كانت إرهابية أو إجرامية، تتطلب عمليات ميدانية مدعومة بتبادل فوري للمعلومات وتحركات متزامنة للوحدات البحرية والجوية.
الاستخبارات المغربية تفك شفرات الإرهاب العالمي.. لماذا تفوقت “لادجيد” على مخابرات دول عظمى؟
ولفت الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية، إلى نجاح العملية يجسد قدرة المغرب على أن يكون شريكًا موثوقًا في بيئة أمنية معقدة؛ خاصة عندما يتعلق الأمر بمسارات بحرية حيوية.
واستطرد أن محاربة التهريب، خصوصًا في “الطريق الأطلسي”، أصبحت توازي في أهميتها محاربة الإرهاب، من حيث الحاجة إلى استباق تحركات الخصوم، وتفكيك شبكاتهم، ومنعهم من استغلال الثغرات في الرقابة البحرية والجوية.
وشدد على أن هذا النهج الاستباقي هو ما مكن العملية من أن تحقق أهدافها دون إتاحة أي فرصة للمهربين لتغيير المسار أو التخلص من الشحنة التي كانت بحوزتهم.
❖ مكاسب أمنية واجتماعية
بالنسبة للمكاسب التي يحققها المغرب من مثل هذه العمليات، يؤكد شقير أن أول وأهم إنجاز هو حماية المجتمع المغربي، وخاصة فئة الشباب، من مخاطر انتشار المخدرات الصلبة.
وأبرز أن الوصول المحتمل لهذه المواد إلى السوق المحلية قد يترك آثارًا مدمرة على القدرات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية لهذه الفئات، ويضاعف من التحديات الأمنية الداخلية.
وأردف أن المكسب الثاني يتمثل في تعزيز مكانة المغرب كقوة إقليمية ذات تأثير في محاربة الجريمة المنظمة، وهو ما يرسخ صورته الدولية كبلد قادر على العمل في بيئة أمنية متعددة الأبعاد.
تداعيات استقطاب الشباب.. كيف يواجه المغرب تحديات التطرف والإرهاب؟
وأوضح الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية، أن مكافحة التهريب لم تعد قضية محلية أو إقليمية، بل أصبحت معركة ذات أبعاد عالمية، تحتاج إلى تحالفات استراتيجية وخطط عملياتية معقدة.
والمكسب الثالث، وفق شقير، يكمن في رفع هيبة وسمعة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المغربية، من خلال إثبات قدرتها على المزاوجة بين مكافحة الإرهاب ومحاربة التهريب.
وأشار إلى أن التجربة التي راكمتها هذه الأجهزة، بفضل تكامل أدوار المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، والمديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED)؛ تجعل من المغرب فاعلًا قادرًا على التصدي للتهديدات المعقدة محليًا ودوليًا.
❖ رسائل ردع قوية
يشدد شقير على أن عملية “سكاي وايت” أرسلت رسائل مباشرة لشبكات التهريب الدولية، مفادها أن الطريق الأطلسي لم يعد ساحة مفتوحة، وأن قدرات الرصد والاستخبارات والتدخل باتت أكثر إحكامًا.
وذكر أن اعتراض سفينة بهذا الحجم وفي هذه الظروف يعكس قدرة المغرب وشركائه على العمل في بيئة بحرية صعبة، وعلى التصدي لخصوم يمتلكون خبرات لوجستية عالية.
ونبه إلى أن هذه الرسائل قد تدفع تلك الشبكات إلى إعادة النظر في مساراتها، وربما البحث عن بدائل أقل خطورة، وهو ما يشكل نجاحًا استراتيجيًا في حد ذاته.
قاعدة عسكرية في جنوب الصحراء.. هل يعيد المغرب رسم خريطة الأمن في الساحل؟
وأضاف أن المعركة مع التهريب لا تقتصر على ضبط الشحنات، بل تمتد إلى تقويض شبكات الإمداد، وتجفيف منابع التمويل، وكسر حلقات الثقة بين الأطراف الفاعلة في هذه التجارة غير المشروعة.
وفي الوقت نفسه، يرى شقير أن هذا النوع من العمليات يرفع سقف التوقعات من الشركاء الدوليين تجاه المغرب، ويفتح الباب أمام مزيد من التعاون، ليس فقط في مجال مكافحة المخدرات، بل في جميع ملفات الأمن البحري ومراقبة الممرات الاستراتيجية.
❖ توازن بين الانخراط والسيادة
رغم أن المغرب منخرط بقوة في التحالفات الأمنية الدولية، إلا أن شقير يلفت الانتباه إلى أن هذا الانخراط يتم ضمن رؤية تحافظ على استقلالية القرار السيادي.
وأبرز أن العمل الاستخباراتي والأمني مع الشركاء الأطلسيين لا يعني الارتهان لمصالحهم، بل يقوم على تقاطع الأهداف في ملفات محددة، مع الحفاظ على حرية الحركة عندما يتعلق الأمر بالمصالح الوطنية العليا.
وشدد على هذا التوازن الدقيق والحساس، يسمح للمغرب بالاستفادة من التكنولوجيا والمعلومات الاستخباراتية المتقدمة لدى شركائه، وفي الوقت ذاته، يمنحه القدرة على صياغة مواقفه الأمنية وفق أولوياته الخاصة.
وأبرز الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية، أن ما سبق يعزز مكانة المغرب كفاعل مستقل؛ قادر على لعب أدوار محورية في بيئات أمنية إقليمية ودولية، دون التفريط في سيادته.
ولفت إلى أن تجربة “سكاي وايت” تمثل مثالًا واضحًا على كيفية الجمع بين الانخراط الفعال في منظومات التعاون الدولي، والحفاظ على هوية أمنية وسياسية مستقلة؛ قادرة على التكيف مع التحولات السريعة في مشهد التهديدات العابرة للحدود.

